الجمعة 26 ابريل 2024 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

لستُ صقراً يا ناس

لستُ صقراً يا ناس
15 أكتوبر 2011 09:51
يقول المثل الشعبي: «اللي ما يعرف الصقر يشويه»، وفي رواية أخرى: «يحرّقه»، بتشديد الراء. والمعنى: مَن لا يعرف قيمة شيء لا يقدّره. والشيء قد يكون شاهيناً ينتف ريشه ويشويه، أو عملة أثرية يشتري بها صحن شاورما. لكن ليس هناك مثل مضاد لمن يقدّر شيئاً فوق قيمته، أو يعامله بغير حقيقته، أو يبجّله ويضعه فوق رأسه أو صلعته من غير داعٍ، فنقول مثلاً: مَن لا يعرف مسدس اللعب يُحارب به، ومَن لا يعرف شوارع بانكوك يسير بها ببذلة «فيرساتشي»، ومن لا يعرف المحامي يقول له بعد انتهاء القضية: أجرك عند الله. ولحسن حظي أنني لم أكن في يوم من الأيام الصقر الذي يجد نفسه على شوّاية أحد الأغبياء، لكن العكس حدث لي كثيراً، فأجد من لا يعرفني يعاملني كأنني عظيم من عظماء التاريخ. وللأسف الشديد يقع بعض الناس ضحية لشيء فيني يعطي الانطباع بأنني شخص غير عادي، على الرغم من أنني أمشي في حالي ورأسي إلى الأرض، ولا يمكن أن أحدّق النظر في عين شخص لا أعرفه، وارتدي كندورة واسعة تتصادم تحتها كتل الشحم واللحم، ويكون قميصي الداخلي مثقوباً في بعض الأحيان، كما أن أي عاقل يراقبني للحظة سيكتشف أنني مرتبك بلا سبب. والغريب أن الضحايا أشكال وألوان ومن جنسيات مختلفة، لكنهم متفقون على شيء واحد: هو أنني شخص محوري في الكون. أذكر قبل سنوات حين كنت في المسجد النبوي، وكان المسجد مكتظاً بالمصلين، لدرجة أن آلاف الأشخاص كانوا يصلون في الباحة الخارجية، وبعد انتهاء الصلاة وتزاحم المصلين للخروج، تقدم نحوي مجموعة من الرجال، كان واضحاً أنهم ينتمون إلى إحدى دول الاتحاد السوفييتي السابق، فأحاطوا بي وبدؤوا في السلام عليّ الواحد بعد الآخر، ووجوهم تتلئ بالفرحة والبشرى، وبقوا ينظرون إليّ ولم يتحركوا إلى أن أومأت برأسي معتذراً وتحركت صوب الباب، ويبدو أن الكثيرين من الذين بقوا في المسجد رؤوا الموقف، فكنت ألاحظ بطرف عيني أن الرؤوس عن يميني وعن شمالي تتبعني. خرجت من المسجد وأنا أفكّر: هل هي كرامة؟ هل كانوا ملائكة متخفين؟ هل اعتقدوا أنني إمام الحرم على الرغم من أن موقعي أثناء الصلاة كان في وسط المصلين؟ هل خطر ببالهم أنني من سلالة صاحب المقام على الرغم من أنني لستُ سوى ورقة من غصن صغير من الشجرة المباركة؟ هل كانت هناك هالة نورانية فوق رأسي لم يلحظها إلا هؤلاء الطقشنديون؟ وأكثر من مرة حصل أن رأيت شخصين في موعد غرامي، فأجد الالتحام ينفض فور اقترابي منهما، وربما كان هناك أشخاص من قبلي مرّوا إلى جانبهما لكنهما لم يباليا واستمرا في تبادل الغرام. هل شكلي يوحي بأنني من رجال المباحث؟ هل يعتقدون أنني يد الغضب الإلهي التي تسحق المذنبين؟ ألا يعرفون أنني أشك في أنني مطلوب للمباحث دائماً؟ ألا يعرفون أن يد الغضب لو بُسطت على الأرض لكنت أول المبطوش بهم؟ والغريب أن هؤلاء العشاق لا يدرون أنهم لا يعنونني في شيء، وأن نظرتي لهم لا تختلف عن نظرتي لأي كبش يقدم ورقة شجرة لصديقته العنزة، وحتى لو كان العرض مغرياً، فإن أقصى ما أطمح به ويهمني من أمرهما، هو أن أرفع الكبش من ياقته وأقذفه بعيداً وأجلس مكانه. ولا أستطيع أن أعدّد المواقف التي حصلتُ فيها على سلام مجاني من أشخاص لا أعرفهم ولن أعرفهم، ولا عدد الأشخاص الذين التقيت بهم ودار بيننا حديث عرضي وكانوا يصرون على استعمال لقب «دكتور» كلما وجهوا الكلام إليّ: والله يا دكتور الموضوع كذا وكذا، ويهمني أن أعرف رأيك يا دكتور، ومع السلامة يا دكتور. وأنا بصراحة لم أحصل إلا على شهادة حقوق بطريق الانتساب، أي أنني لم أنتظم في دراسة جامعية مثل بقية خلق الله، وكان تقديري بلا فخر «مقبول». وأذكر مرة حضرت معرضاً ثقافياً، وفجأة قررت إدارة المعرض عقد ندوة يتحدث فيها أحدهم عن جماليات المعرض، وتصادف وجود شخصين غير عربيين بين الحضور، وانتبه المتحدث الذي كان يتحدث بالعربية إلى وجودهما، فقطع كلامه وقال وهو يشير إليهما بأن يجلسا بالقرب مني لأترجم لهما ما يدور، على الرغم من وجود أشخاص كثر غيري، وكان المحاضر يعرف معظهم، لكن يبدو أنه لم يكن يعرف أنني بالكاد أفهم ما يقوله بالعربية، فكيف لي بترجمة كلامه إلى الإنجليزية؟ ويعتقد أغلب الذين انقطعت علاقتي بهم ثم التقيت بهم فجأة بأنني صرت مديراً عاماً، وأول سؤال يوجّه إليّ منهم: «شو ماسك ألحينه؟»، أي ما هو المنصب الذي تتبوأه الآن؟ ولأنني بصراحة بلا منصب، وأغلب الوظائف التي شغلتها لا يمكن أن تسمى مناصب، فأضطر إلى عدم الإجابة، أو ذكر مكان عملي من دون الإشارة إلى «منصبي»، لأنني لا أضمن ألا يضحك مني إذا أخبرته بالحقيقة، كأن يسأل شخص آخر: ما السيارة التي تقودها هذه الأيام؟ ويكون المسؤول في الحقيقة يقود دراجة هوائية. ويبدو أن الناس نوعان، نوع لا يعرف قيمة الصقر فيذبحه ويصنع منه حساء جوارح، ونوع آخر يعرف قيمة الصقر جيداً، لكنه لا يعرف شكله. أحمد أميري me@ahmedamiri.ae
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2024©