الاتحاد

الملحق الثقافي

عبدالقادر البدوي: البسطاء أحوج إلى المسرح من المثقفين

كأنه عابد ناسك·· يقول دون مبالغة: كنا نعبدالله بخشبة المسرح·· إنه المخرج والممثل المغربي الرائد عبدالقادر البدوي الذي كرمه مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي الأخير وتكرمه بلاده بمناسبة مرور 60 عاما على بدء عمله بالمسرح·· وهو مؤسس فرقة البدوي المستقلة ويرى المسرح مدرسة للشعب وقدم مسرحياته في المغرب تحت الاحتلال وتعرض لصعوبات كبيرة لكنه تمسك بعالم المسرح الساحر·
يتحدث عن مسرح البدوي الآن، فيقول: نحتفل هذا العام بمرور 60 عاما على وقوف مؤسسه عبدالقادر البدوي على المسرح فقد أنشأت المسرح عام 1952 وكنت قد وقفت على المسرح لأول مرة في حياتي عام 1948 وكان المسرح يهتم بالعمال في مدينة وجدة وكنا نقدم مسرحا نضاليا يوجه الجماهير للدفاع عن استقلال المغرب ثم توعية الطبقة العاملة لتأسيس نقابات تدافع عن حقوقها ومع الاستقلال حمل المسرح اسم البدوي وقدمنا مسرحيات مغربية مثل ''العاطلون''، و''العامل المطرود'' وغيرها·
ويضيف: عندنا مركز للتوثيق سجل كل تاريخ المسرح منذ نشأته ونصدر حالياً مجموعة من الكتب الوثائقية عن مسرحنا بمعرفة وزارة الثقافة المغربية وكان مسرحنا ولا يزال مدرسة لتخريج الممثلين من خلال تدريب الراغبين في ورش يشرف عليها أساتذة في الأدب والعلوم والثقافة وهناك عدة رسائل دكتوراه في تجربة مسرح البدوي· وأصبح مسرح البدوي يدرس في جامعة انتر كوليدج بأميركا والمشكلة ان الباحثين المغاربة يصنفونني مع المعارضة ولو افترضنا صحة ذلك اليست المعارضة جزءا من النظام·· ومن الطبيعي أن يكون هناك مسرح معارض وهذا سر التفاف الناس حول مسرحي لأنه يعبر عنهم بصدق ويعلمهم أن يقولوا لا، لهذا اشتبكت كثيرا مع الرقابة·
وأذكر انه تم القاء القبض عليَّ أثناء عرض مسرحية ''العاطلون'' وكنا نطرح مشكلة مهمة في بداية استقلال المغرب· وتناولنا أن البطالة في المواقف بمعنى أن تجد نفسك محاصرا في لقمة عيشك بسبب مواقفك·
وقدمت ''العاطلون'' من اخراج أخي عبدالرزاق البدوي وكانت ثورة ماو تسي تونج مشتعلة في الصين وكان الجمهور يلقي علينا كتابه الأحمر بعد العرض تأييدا لما نقدمه الى أن جاء الأمن وطلب مني وقف العرض لكني رفضت وقدمت العرض رغما عنهم بينما كانوا ينتظرونني في الكواليس وكان الجمهور لا يصفق بيديه لكنه كان يدق الأرض بأقدامه وتم القبض عليَّ واستجوابي بعد أن اشترطت عدم المساس بأي ممثل في العرض لأنني صاحب النص وصاحب الفرقة·
ويستذكر البدوي كيف وصلت أزمة المسرح للقصر الملكي ووعد الملك الراحل الحسن الثاني بالدعم ويقول: كنت أتحدث في برنامج تليفزيوني عن أزمة المسرح وشاهدني الملك الراحل وقابلنا أنا وزملائي واوصى بتخصيص واحد في المئة من دخل المجالس البلدية في المغرب لبناء مسارح وتأسيسس فرق واقامة معهد مسرحي واكاديمية للفنون وهكذا وضع حلا لمشكلة المسرح المغربي وأتمنى أن تكتمل الرسالة على يد الملك محمد السادس·
بين مسرحين
وعن الفارق بين المسرح الذي قدمه أثناء الاحتلال وبعد الاستقلال يقول: كان وجود المحتل يدفعنا للتحدي والابداع وكان الكل يتوحد خلف هدف واحد هو الاستقلال والأن نختلف حول كيفية بناء الوطن واستقلاله وكنا حزبا واحدا وأصبحنا هيئات وأحزابا وجمعيات وتوجهات متنوعة لذلك يبقى المسرح جزء من البناء العام بينما كان في فترة الاحتلال هو المدرسة الكبرى للشعب، وكان دائما لنا جمهور كبير وكنا نتجول بعروضنا في المغرب نقدم ثمانين عرضا للمسرحية ونقدم عروضا صباحية للأطفال والطلبة والعمال وعروضا عامة في المساء· ويعتبر البدوي أن الاستقلال هو حق للمسرح، وارتباطه بالدولة يجعله يتلقى تعليمات منها ليقدم أعمالا مختارة وهذا هو العيب الكبير في المسرح الرسمي·· ولكن من حق المسرح المستقل أن يحصل على دعم محترم ويبقى مستقلا فهو يقدم خدمة للشعب ومن حق دافع الضرائب أن يتلقى مسرحا يعبر عنه، والمسرح المستقل قادر على الوصول للقرى والمناجم وهذا مافعلناه في مسرح البدوي·
ويتابع: طوال عمري أرى المسرح للبسطاء وليس المثقفين الذين أراهم أقلية ومعظمهم يدخل المسرح بدعوات مجانية وهؤلاء ليسوا جمهوري المفضل وأذكر أننا قدمنا عروضنا في ثلاجة خضر بإحدى القرى التابعة لأغادير وكانت الكراسي عبارة عن صناديق الخضر والفاكهة وجاء الجمهور على عربات تجرها الحمير وكان عرضا ممتعا، ومرة كنا نعرض في إحدى القرى وانقطع التيار الكهربائي فذهبت بملابس الشخصية وأحضرت شموع وقدمنا العرض وكنا نذهب لمصانع بعيدة عن المدن وكنا نركب خشبة ونقدم عروضنا وهذا هو دور المسرح المستقل أن يصل للناس·
للصغار والكبار
وعن نشاط مسرحه يقول: نحن الفرقة الوحيدة التي تعمل من بداية العام الدراسي وحتى نهايته لأننا نقدم عروضا للأطفال وكل عام نقدم مسرحيتين جديدتين ومسلسلا تلفزيونيا وأعمالا اذاعية، ونحن الفرقة الوحيدة التي أسست مهرجانا للمسرح المستقل في مدينة ايفران، وحاول مسؤولون أن ننظم المهرجان بمشاركة الحكومة واعتذرت·
ونقدم في المهرجان خمسة عروض للكبار وعشرين عرضا للأطفال وعمر المهرجان 32 عاما وفي الدورة الأولى كنا نبيت في المسرح وكنا نبيع التذاكر في المخيمات وكان أولادي يشاركون في العروض· والأن أصبح المهرجان جزءا مهما من الواقع الثقافي المغربي·
ويتحدث البدوي عن أيام صعبة واجهته خلال رحلته المسرحية، ويقول: كنا نخطط البرنامج وليست عندنا ميزانية وكنا نتجول بين 9 مدن للترويج لعروضنا ونحجز دار العرض وننام في القطار ونعمل في أوقات ساخنة سياسيا في المغرب من تازة الى وجدة الى الدار البيضاء ونحمل قطع الديكور بأنفسنا وكنت أحمل هم الانتاج والتسويق والدعاية والاخراج بجانب دوري في العرض وكنت أستأجر سيارة وننادي على عرضنا بالميكرفون·
ويؤكد أن المسرح ليس الرباط والدار البيضاء والقاهرة ولأي مواطن الحق في الهواء والشمس والحرية وله ايضا الحق في الثقافة وكل مواطن على هذه الأرض من حقه أن تصل له الخدمة بالتساوي مع أهل العاصمة· ولماذا لم يقدم تجربة في الاخراج بمصر يجيب البدوي: معظم الذين سبقوني الى مصر تتحرك حكومات معهم وتساعدهم وعبدالقادر البدوي ليس عنده من يتحرك معه كما أنني أعيش لفرقتي التي تضم 25 فنانا ورغم حبي للجزائر رفضت عرضا للبقاء فيها واقدم تجارب لمدة عام لأنني أجد صعوبة في ترك المغرب كل هذه المدة·
وعن تجربته مع يوسف وهبي عندما زار المغرب يقول: قدمت معه دورا في ''راسبوتين'' و''اولاد الشوارع'' و''المائدة الخضراء'' وكنت أرافق فرقته أثناء زيارته للمغرب بتكليف من الحركة الوطنية المغربية وكانت تجربة مهمة جدا وأعتبرها درسا وقابلت فيها أساتذة كبارا·
وهل يضع شباك التذاكر في حساباته يجيب: كل ما يشغلني ألا أخسر وعندما أجد تذاكر العرض نفدت أشعر بارتياح لأنني بذلك أوفي بالتزاماتي تجاه الممثلين فهم محترفون ولا يعنيهم خسرت أم كسبت فقد قدموا عملهم ويطالبون بأجورهم وأنا الفنان الوحيد في المغرب الذي أعطى كل من عمل معه حقه وعلمت أولادي تعليما متميزا ولا أملك بيتا في المغرب لكني أملك في نفس الوقت كل بيوت المغرب

اقرأ أيضا