الاتحاد

الملحق الثقافي

رحلة «حبابة» السودانية

رولا عبدالله

تلعب المصادفة في العالم العربي دوراً مؤثراً في تبني القضايا أو إهمالها حد الذوبان. كأن تبدأ القصة حباً “شهوانيا”، ثم لا تلبث أن تصير مطاردة خلف مبادئ وقضايا تكبر وتصغر بحسب ما تستدعي الحاجة.
في رواية “ذبائح ملوّنة” للكاتب والناشط اللبناني سليم اللوزي، حدث مثل هذا الأمر مع البطل “راجح” الذي أخذته ليلة باريسية “حمراء” مع فتاة سودانية إلى بلدها بحثا عنها، لكنّ القدر بدّل في المهمة على ضوء مستجدات الوضع المأسوي الذي خبره هناك عن معضلة الاقتتال بين الشمال والجنوب، فإذا به في طريقه إلى “حبّابة” السودانية يقع في خيانتها مع ابنة بلده المغربية. وما بين حبه وشهوته وخيانته محطات سلبية وإيجابية يقتنصها من المجتمع السوداني ومن البلد الذي كان معروفا عنه بأنّه “دفتي المصحف”.
بأسلوبه الصحفي الصوري، يباشر اللوزي سرد الرواية ـ القصة، الصادرة عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، على لسان “راجح”، البطل المغربي الذي تنقّل على متن فصول الرواية الأربعة ما بين باريس والسودان ومن ثمّ نيويورك بحثاً عن امرأة بعينين وجسد ملتهبين. لكنّه قبل أن يترك لـ”راجح” سرد مذكراته من الطبقة الأولى بعد المئة في إحدى ناطحات السحاب التي تكتسح شوارع نيويورك، يؤثر اقتباس عبارة للشاعر أنسي الحاج يقول فيها: “إذا كان النسيان شكلاً من أشكال الجبن، أفلا تكون الذكريات نوعاً من الشجاعة؟”. فكيف إذا كانت تلك الذكريات منتقاة من أسطر الحياة؟.
“ذبائح” اللوزي هنّ على الأرجح النساء اللواتي تُجرى المتاجرة بهنّ ويُجرى اغتصابهنّ إبّان الحروب، وكذلك أولئك الذين يرفضون الخنوع للمستعمر، فتقدم أجسادهم كبشا محرقة وعربونا مسبقا لحقبة لابد أن تأتي لتحرر الانسان من ظلم أخيه الانسان. لكنّ البدايات تكون صعبة ومعقدة، وقد تنطلق من شغف أو نزوة أو خربشات قبل أن ينقلب السحر على الساحر ويصير الهم الأوّل مواجهة القهر والاستضعاف والاستبداد تمهيداً لدخول البلاد في وضعية “الطلق”، والتي يعقبها إعلان الولادة. في التقديم لروايته، اختار اللوزي عبارات سلبية تصطدم بجدران عليها خربشات وسوداوية متسلسلة على هيئة: “لم يبق من القدر سوى دائرة صغيرة، يلعب بها الأطفال الذين كانوا يحلمون، وأصبحوا يعيشون الوهم. لم يبق من هذه الدنيا إلا ما بنيناه، ولو كان باستطاعته الرحيل، لرحل. لم يبق من النصر إلا الخيبة، ومن الخيبة إلّا الدناسة، ومن الدناسة إلّا القدر، ومن القدر إلا المكان.. ومن المكان إلا الجدران. جدران عليها خربشات كل الذين مروا قبلنا.. وبعض رسوم المجانين الذين أصبحوا فيما بعد أسطورة”. لكنّ هذه السلبية يعمل على حلحلتها في الجزء الأخير من الرواية مستشهداً بكلمات سطّرها شاعر الدينكا “سر أناي كيلويلجانق”: “الآلام التي ظلّت تقاسيها أمتنا ليست قطعاً آلام المرض، بل هي يقيناً آلام الطلق”.
في الرواية لا ملامح تشير إلى هيئة راجح أو تفاصيل عنه سوى أنّه ذات يوم قصد فندقا فرنسيا لقضاء إجازته السنوية حاملا معه ذلك الانجذاب السريع الى المرأة وساعات النوم الطويلة التي يمكن أن تمتد لأيام. وعلى باب غرفته يلتقي بـ”حبابة” التي تبيع “الجورنال”، شعرها أسود كقطع الليل وبشرتها كحب القمح الأسمر وعيناها خضراوان. يدخلها غرفته مسجّلا من سريره الحروف الأولى لقصة حب خاطفة كتب فيها: “كل شيء يمكنه أن يتم، إذا أحسنا اختيار الوقت، ليس هناك من امرأة أعطت نفسها لرجل لم يحسن اختيار الوقت”، ثمّ إنّه يسأل: “هل تظنين أنّ الحب يأتي ساعة نشاء؟”. ومثلما يأتي الحب يتوه بلمح البرق آخذا معه حبابة إلى بلادها.
لاحقاً يعرف أنّها بيعت ثمّ تخلى عنها الذي اشتراها، وأنّها اضطرّت الى بيع “الجورنال” من أجل تأمين بطاقة عودة إلى بلادها. يلحقها إلى الخرطوم في رحلة بحث يشبهها بـ”القمحة في طنجرة أرزّ”. وهناك يبدأ يتعرّف إلى السودانيين: «شعب عريق، مكافحون بروليتاريون، يعيشون من الزراعة. لكنّ الاستعمار والمطامع الغربية قسّمت البلاد». عصابات مسلّحة تسيطر على الشمال وأخرى تحكم الجنوب. دولتان تحت راية دولة.. والكل أتى ليشارك في هذا الانقسام، آملا الحصول على بعض المكتسبات الاقتصادية. السودان ساحة قتال، ميدان للتدريب على الرمي، أسلاك شائكة تحدد الأماكن. في السودان صراع حضارات وأديان. وفي أوّل مطعم يدخله في العاصمة بورتسودان، يلتقي ببنت بلاده “سلافة جلنار” التي تصير رفيقة سريره ودليله في البلد بحثا عن “حبابة”. وكانت سلافة وصلت الى السودان مع البعثة الطبية العالمية “أطباء بلا حدود” لمساعدة الجرحى في بلاد “ترتشف كل يوم حقنة جنون”.
في السودان، تخبره سلافة عن “عصابات تخطف الأطفال في سن السادسة. يدربونهم على القتل، ويحولون قلوبهم الضعيفة الى صخور، بغية استخدامهم في معاركهم. وعندما يصبح الطفل مقاتلا جاهزاً، يرسلونه إلى أرض المعركة. يقفون كالغربان بعيداً. ينتظرون النصر المزيف. والفتيات لهنّ نصيبهنّ أيضا. فتجّار البشر يشترونهنّ من أهلهنّ بذريعة أنهن سيعشن حياة الترف، بدلا من أن يقبعن في قعر جهنّم”. وتأخذه في جولة إلى الأزقّة والأكواخ المصنوعة من القش على شكل قاموع، حيث الغبار قادر على تدمير جميع الأحلام. يتعرّف الى أشكال النزاع القبلي والثأر الذي يغلي في القلوب، وإلى حقيقة إفراط ذلك الشعب باستخدامه اللون الأحمر ظناً بأنّه يطرد الأرواح الشريرة وأرواح الأسلاف، وإلى أطباق يومية مؤلفة بمعظمها من الورق اليابس والذرة والبصل والزيت. وفي رحلة بحثه تلك عن فتاته الأولى، يخفت الشغف إليها لصالح سلافة وأمور أخرى مستجدة منذ تعرفه إلى سمير، الممرض السوداني الذي يشرف على قسم الطوارئ في المستشفى والذي ينجح في اغتيال السفيرة الأميريكة تاركا السر في عهدة راجح الذي يشهد في دارفور على جريمة اغتصاب فتاتين في حضرة والدها وشقيقها. وبينما يحاول الفرار بمعاونة سلافة من ذلك الغزو البهيمي للمنازل تقع عيناه على حبابة وهي تستنجد محاولة الهرب من الجنود المعتدين. لكنّ نجدتها قد تكلّفه حياته ومعه في السيارة سلافة ومصابون بحاجة ماسة إلى إسعافات أوّلية. عندها يقرر: “لا مكان لشهواتي في معركة الأشباح والأنبياء هذه”، معلّقا: “يرمي الانسان ذكرياته الأليمة خلفه، كفتات الخبز اليابس الذي ينثره الله على أرضه للعصافير الجائعة..”. في المقابل فإنّ الصفحة الأخيرة من الرواية تحمل بعض الأمل من خلال تغيّر خطاب رؤساء الدول الطامعة خوفا من اشتداد حرب تحجب تدفق شريان الطاقة، فكانت ابتسامات ود صفراء وأخرى مفاخرة ترتسم على شفاه سمير الذي استشهد وعلى صفحات الغيم في السماء.
وفي السطر الرابع ما قبل الأخير، يطوي راجح من مكتبه في نيويورك دفتر يومياته. يطفئ ضوء المكتب مغادرا غرفة الذكريات نحو الحاضر، ذلك أنّ الماضي يسهل نفض اليد منه كلما اشتد الخناق وصفر القلب “كعداد الثواني الموصول بصاعق العبوات الناسفة”. لكنّ اللوزي لا ينوي نفض يده من تسليط الضوء على عينات ملونة ممن أصابهم القهر وأذلّهم، واعداً في مدونته “جدار برسم الإيجار” بكشف المزيد من الانتهاكات بحق الانسان، ولا سيما النساء منهن اللواتي يسهل الإتجار بهن، معولا على أسلوبه الذي يتماشى مع عصر السرعة من دون لف ودوران ومطولات تفضي إلى الفلسفة وباطنيتها.
“ذبائح ملونة” قصة ليست قصيرة احتار الكاتب في عمله الروائي الأول في تحديد مجريات خاتمتها، إلا أنه انصاع أخيرا للرهان على الجزء الملآن من الكوب على الرغم من كل المعطيات التي لا تطمئن لجهة حماية هذا الكوب أصلا من الإتجار به وتسليعه.

اقرأ أيضا