الاتحاد

الملحق الثقافي

الصداقة الفكرية لا تلغي اختلاف الآراء وتباين وجهات النظر

يحتوي كتاب ''أحبابنا الكتّاب'' على تعاليق نقدية ومحاورات فكرية عقدها المؤلف عز الدين المدني مع كتّاب تونسيّين معاصرين له من أمثال الشاذلي القليبي، محمد فريد غازي، والطاهر قيقة، ووفق ما جاء في التمهيد فإن الكتاب يحتوي على عدد من المقالات تتناول بالتعليق والتقييم والنقد أعمال كتّاب تونسيّين معاصرين للمؤلف· وبإصداره لهذا الكتاب أراد عز الدين المدني أن يفصح ـ وفق ما اكده ـ عن أمرين إثنين:
الأول أنّ الصداقة الفكرية لا تعني بالضرورة وفي جميع الأحوال المودّة المتينة القائمة بين شخصين كاتبين، بل تعني أيضا الإلفة التي يقيمها كاتب بأعمال كاتب قديم أو معاصر، أمّا الأمر الثاني أنّ الصداقة الحقّ لا تلغي في جوهرها وفي ممارساتها وفي أخلاقياتها اختلاف الآراء بين الصديق والصديق وما ينجر عن ذلك من تباين في وجهات النظر وفي النقد·
المعاصرة والنقد
يقول عز الدين المدني انه أراد بإصداره هذا الكتاب مناقشة معاصريه من الكتاب التونسيين مضيفا: ''ذلك أنّي لا أومن بأنّ المعاصرة حجابٌ، وإنما أومن بأنّ المعاصرة إنما هي تمزيق للحجاب وهتك للستر وفضح للخافي واستباحته واستكشافه''، معترفا بأن هذا الموقف هو مخالف تماما لما كان رائجا ومعمولا به في الماضي، فلقد كان النقاد يتجنّبون تناول أعمال معاصريهم ويستنكفون من محاورتهم ومناقشتهم إلاّ فيما قلّ وندر، ويؤجّلون في الأغلب الأعمّ التعليق والتقييم والنقد إلى ما بعد وفاة معاصريهم الأحياء! فصدق حينئذ ـ حسب تعبير المؤلف ـ عليهم القول بأنهم لا يحبّون إلاّ الموتى!
ولا يؤيد المؤلف الحجة القائلة أنّ حرارة المعاصرة تنال من نزاهة التقييم ومن حصافة التحليل المتبصّر، ومن موضوعية النقد وتجرّده، ويذهب الى حد التأكيد بأن الموت يكفل تبريد المشاعر والأفكار والآراء ويضمن تثليج القضايا والإشكاليات فتجعلها جسما هامدا لا حياة فيه، من السهل أن يشرّحه الناقد الذي له الحكم الفصل وكأنّه في مقام الطبيب العدل·
معنى الكتابة
يؤكد المؤلف انه عايش بعض الكتاب الذين تحدث عن أعمالهم في كتابه معايشة كادت تكون يوميّة وهو يجزم بأنهم نذروا حياتهم للإبداع الأدبي وأوقفوها على ما يجعل الأدب التونسي نابضا بالراهن والآتي، متجذرا في الإشكاليّة الإنسانيّة، رفيع الفكر والإبداع، صادق الفنّ· مضيفا: ''والحقّ أني عرفت عددا كبيرا من الكتّاب، إذ أني لحقت ببعض أفراد من الجيل الأدبي السابق الذين ازدهروا فكرا وإبداعا لا سيما خلال الثلث الثاني من القرن العشرين من أمثال زين العابدين السنوسي عميد الأدب التونسي الحديث، ومحمد الحبيب، ومحمود المسعدي، والشاذلي القليبي الذين نشروا أعمالهم على صفحات مجلّتي ''الندوة'' و''الفكر'' في بداياتها· وقد علّمني بعضهم ـ سواء مشافهة بفضل النقاش أو عبر كتاباتهم ـ معنى الكتابة وشرفها وغايتها ومنزلتها''·
الوجه الآخر
عرف الناس في المشرق العربي الشاذلي القليبي عندما تولى منصب الامين العام لجامعة الدول العربية بعد انتقال مقر الامانة العامة الى تونس اثر اتفاقيات كامب ديفيد، وقد شغل القليبي هذا المنصب على امتداد عشرة اعوام الى ان استقال عند حرب الخليج الاولى، وقليلون من كانت لهم معرفة بالشاذلي القليبي الكاتب والمفكر والاديب، وجاء هذا الكتاب لعز الدين المدني ليكشف عن الوجه الآخر للشاذلي القليبي الذي قدمه المؤلف كشخصية متعددة الجوانب، غنية المواهب، زاخرة الإمكانات، ليس من الهيّن الإلمام بمشهدها المتنوّع كله، ولا رسم حدودها·
ويصف عز الدين المدني الشاذلي القليبي بأنه المثقف بالثقافتين العربية الإسلاميّة والفرنسيّة، وهو الأستاذ المدرّس المحاضر الناقد الأدبيّ والفنيّ، والمفكّر المتميّز بالاعتدال، والوزير الواضع الأوّل لخطة الثقافة التونسية الحديثة، المطبق لها، الخبير في إشكالياتها مضيفا: ''ليس من أهداف هذا الكتاب أن أحيط ـ ولو إحاطة إجمالية ـ بجميع جوانب شخصية الشاذلي القليبي ولا سيما بالمسؤوليات السياسية الوطنية، ثم العربية، إذ كان الأمين العام لجامعة الدول العربية، وضمير الأمة العربية ردحا من الزمن· حسبي إذن أن أرسم صورة الكاتب والناقد الأدبي رسما أمينا، نزيها، من خلال وعيي بها زمن شبابي، رسما يحتوي على أقلّ عدد من الأخطاء''·
القليبي مدرّسا
خصص المؤلف الجزء الأوّل من كتابه للحديث عن الشاذلي القليبي ومسيرته الفكريّة، وكان عز الدين المدني في هذا الفصل شاهد عيان وناقدا، فقد تعرّف الكاتب إلى الشاذلي القليبي في الخمسينات من القرن الماضي كأستاذ في اللغة والأدب العربي وكان يحضر دروسه الجامعية في معهد الدراسات العليا، يقول متذكرا تلك الحقبة: ''كانت دروس الأستاذ الشاذلي القليبي تلاقي جمهورا غفيرا من طلبة معهد الدراسات العليا، وازدحاما كثيفا، ومن يأتي متأخرا فلن يجد مكانا للجلوس في القاعة، وما إن يجلس الاستاذ الشاذلي القليبي في مقعده ليشرع في الدرس حتى يسود الصمت والسكون لحظات، فكأنهما الخشوع: دلالة صريحة على احترام الطلبة لأستاذهم، وتشوّقا إلى ما سيلقيه عليهم من درس جديد· وفعلا، فلقد كان الشاذلي القليبي من ثلة الأساتذة الكبار المحترمين الذين كانوا محلّ تقدير طلبتهم ومحبّتهم، فلا تشويش ولا شرود، فقط هناك كلام الأستاذ والإنصات، هناك السؤال والإجابات، هناك الحوار التعليمي والفكري الرفيع، فقط لا غير!
كان الأستاذ الشاذلي القليبي يبدأ الدرس بقراءة بيت المطلع من إحدى قصائد أبي نواس الحسن ابن هانئ مثلا ـ وقد كان هذا الشاعر العبّاسي مقرّرا تدريسه في البرنامج الدراسي الرسمي ـ فيتوقف عند البيت الشعريّ مليّا ليعالجه بشتى المعالجات: بالشرح، بالمقارنة، بالتأويل· تارة يذكر سياق القصيد التاريخي مع الإشارة إلى تقاليد مطالع القصائد العربية قبل أبي نواس وإلى مخالفة أبي نواس في تلك التقاليد وطورا يفسّر العبارة الشعرية الواحدة تفسيرا نحويا وعروضيا وصوتيا ويستخلص الصورة البلاغية ويفكّكها· وطورا آخر يشرح الدلالات الشعرية الظاهرة ويشفعها الخافية وهي البعيدة المنال، وفي الأخير يترتّب عنها التأويل ولا سيما التأويل الفلسفي· وقد لاحظت أكثر من مرة أنه كان يركّز اهتمامه على غاية القصيدة وعلى الشاعر، وفي الأخير يبيّن الأستاذ ما لا يريد أن يقول شاعر في خطابه الشعري إلى بني عصره وإلى الأجيال اللاحقة·
فن المقال الادبي
ويصف عز الدين المدني الشاذلي القليبي بأنه كاتب مقل مضيفا: ''الشاذلي القليبي كاتب، وكل ما قرأت له ينحصر في فن المقال· غير أن جنس المقال لم يحظ في بلادنا منذ سنوات وعقود بما يستحقه من الشأن النقدي، والعناية الجمالية، والاهتمام التاريخي، وهو جنس أدبي عربي عريق· وأورد عز الدين المدني في كتابه بعض المقالات الادبية التي نشرها الشاذلي القليبي بمجلة ''الندوة'' عام 1953 و1954 من بينها:
ماذا نطلب من الادب؟، الزمان الوجودي والتصوير، الادب والحياة· ويستنتج المؤلف ان مقالات الشاذلي القليبي مقالات مركزة نابعة من قناعات قوية مضيفا: ''يجري مقاله على خط مستقيم ما ينفك يندفع الى النهاية وهذا الضرب من المقال الادبي لا يفتقر الى تقنية الجدل المعروفة: الرأي والرأي المخالف او المناقض والنتيجة، ذلك ان الاشكاليات الادبية التي عرضها على القارئ لا يحللها من زاوية نظر أديولوجية، ولا يقدمها كتعلة لإثارة خصام ونشوب نزاع''، فالقليبي حسب تحليل الكاتب اختار شكل المقال الذي يفسر الافكار والمفاهيم الاساسية في عصرنا الادبي·
عصر جديد
وقدم عز الدين المدني قراءة نقدية لكتاب الشاذلي القليبي: ''أمة تواجه عصرا جديدا''، والكتاب يشتمل على ثمانية فصول تغطي فضاءات معرفية متجاورة بل متداخلة، الادب والفن، اللغة والامة، الفصحى والدارجة، اللغة العربية واللغات المهيمنة في عالم اليوم، التراث والحضارة، الثقافة والامة، أوضاع المغرب العربي، والمشرق وكل العالم العربي، والزمان الذي يتناوله القليبي في كل موضوع تقريبا هو الزمان العربي الاسلامي بأبعاده الثلاثة ولا سيما المستقبل·
وقد تصدى القليبي ـ وفق ما ذكره عز الدين المدني ـ لقضية الشعر العربي اليوم، وقد تناولها برفق ولطف ولم يصادم احدا من الشعراء العرب المشهورين، ولكن تساؤله هو الذي يصادم من هم على غير بينة من خيط الزمان الذي يشد الراهن بالقديم العريق· وموقف الشاذلي القليبي ـ كما قرأه عز الدين المدني الناقد ـ ليس محافظا في هذه القضية، وانما يقول بين السطور أنّ الجماليات لها تواصل زماني ايضا ولها تاريخ، أحببنا ذلك ام كرهناه لأن الجماليات العربية هي من ذاتنا ومن هويتنا، ومن تكويننا الفكري والشعوري· والابداع لا يكون الا من داخل الاشياء في اغلب الاحيان، وقد يكون ايضا من خارجها في اقل الاحيان على سبيل اللقاح

اقرأ أيضا