الاتحاد

الملحق الثقافي

إعادة قراءة الواقع العربي تحت تأثير العامل الديني والحضور العلماني

يتساءل الإعلامي والكاتب حسين نصرالله، في كتابه الصادر عن دار ''الفارابي'' في بيروت، تحت عنوان ''مأزق الديانات وأزمة العلمانية/ حوارات في الدين والدنيا'' لماذا يبدو العرب، وكأنهم انتقلوا من عصر توازن الخوف بين الشرق والغرب، إلى عصر الخوف من أنفسهم، ولماذا يشير عصر السلام مع الخارج، إلى بداية حروب داخلية بين المجتمعات العربية نفسها؟
أسئلة طازجة وحيوية، يسجلها الكاتب نصرالله في مقدمته لهذا الكتاب الذي يحوي بين دفتيه النصوص الحوارية لأهم الأسماء التي سبق أن حاورها ونشرها في'' الكفاح العربي'' حول مأزق الديانات، وأزمة العلمانية، من قبيل الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين، والمفكر كريم مروة، والمطران جورج خضر، والمفكر صادق جلال العظم، والعلامة محمد حسين فضل الله، والمفكر الطيب تيزيني، والعلامة محمد حسن الامين· والمفكر برهان غليون، وسواهم·
قراءة نقدية
ويتابع نصرالله اسئلته المنضوية تحت قراءة سياسية نقدية تحاول قدر الإمكان الابتعاد عن التحيز لمصلحة الموضوعية، فيقول: إذا كان الغرب يشحننا بقيم العولمة، ويعدنا بجعل العالم قرية كونية، فمن هو الذي يشحن الأمة بكل هذا الضجيج الطائفي··· وكيف حدث أن كتل الشعارات المذهبية والقبلية والعشائرية عادت لتتدحرج فوق رؤوسنا محطمة كل من يقف في طريقها؟ كأن العقل العربي وضع تحت تصرف حفاري القبور، وفي الظل بدأت طبقة دموية جديدة تنمو لتضع حداً للآخر··· أي آخر! سياسيون وحزبيون ـ يضيف الكاتب ـ علمانيون ودينيون··· ليبراليون وقوميون، ''يتحركون في الظلام كي يضعوا حداً لهذا السلام المجتمعي العربي الطارئ ويتصرفون كأن حياة الناس وأمنهم واطمئنانهم من الزوائد التي ينبغي استئصالها· فجأة لم يعد بإمكان الناس في هذه البلاد أن تعيش أهلها غيبوبة اجتماعية منذ سنين أن يتجولوا، داخل نفوسهم··· ومن كان بالأمس يصرخ كي يبقى على قيد الحياة، تراجع الى الصمت، وتلحف بالنسيان''·
القارئ لا بد وان يتساءل في نفسه، ما الغاية من جمع هذه الحوارات في كتاب ومن نشرها في هذا الوقت بالذات؟ إلا أن الإجابة على هذا التساؤل المفترض، يقدمها الكاتب بصيغة استباقية، معلناً أن هذا الكتاب يطمح من خلال محاورة ''الاخوة الأعداد''، الى تهيئة الارض للقاء القوى الدينية والعلمانية، بهدف وضع حد للقطيعة والغربة بين الأطراف التي تنادي بالتغيير· كما يطمح الكتاب الى الاضاءة المركزة على الخلافات والصراعات والتناقضات الدهرية بين المتدينين والعلمانين·
الكتاب إذاً، يضم أكثر من أربعين حواراً، ''بعيداً عن استراتيجية الفراغ وايديولوجيا الاستبداد''· وقد حاول الكتاب إماطة اللثام من خلال هذه الحوارات، عن جوهر الانقسامات، مبحراً بين مختلف الرؤى، للعثور على منطلقات، للمقارنة بين مواقف التيارات والقوى، والحركات العلمانية والأصولية العربية· وتغدو هذه المقارنة أشبه ''بتوسيع للأفق، واختبار للاختلافات التي تشكل غنى الانسانية''· وفي هذا السياق، يرصد نصرالله، موقع الدين في هذا العصر، معتبراً أن الدين هو بعد أساسي للانسان، وأن الحداثة، لن تفوز مع الخمود الديني· مستطرداً في القول في هذه النقطة تحديداً: ''لقد بدا لنا للوهلة أن العلم والايديولوجيات، قد حلت محل الدين، وعلى الرغم من ذلك لم يختف الشعور الديني: لقد تغير··· لكن العلم لم يجب عن الاسئلة الكبيرة المهمة، وبرهنت الايديولوجيات انها محدودة· لفترة اختفى الدين التقليدي، لكنه عاود الظهور بأثواب أكثر تقليدية، وحاول بعض المتدينين لعب دور الوسيط بين الفرد والخالق· فهل يتحمل الدين مسؤولية الجرائم والمجازر التي تلف العالم؟، وهل يشكل الدين قوة بديلة عن التيارات والايديولوجيات العلمانية؟ و ما هو الموقف العلماني من الدين، وهل تحول الى أصولية جديدة؟''·
مركزية الحوار
اللافت، في هذا الكتاب، أن مركزية الحوار وجدواه، هو العنصر الأساسي المحرك لشتى الأسئلة التي طرحها الكاتب، ولمروحة الأجوبة التي ساقها رجالات الدين والفكر· إذ إن أفضل وسيلة ''كي تميز القوى نفسها، هي الحوار، وكي ينمو لديها وعي مشترك بماهية الرهانات الوطنية والقومية العليا، التي وحدها تعطي الصدقية للأطراف كلها· فلنحاول مرة ـ يقول نصرالله ـ الابتعاد عن منطق الاتهام والتآمر والتخوين والمناورة· ''فالخط الديمقراطي وحده بإمكانه إزاحة طبقات الغموض عن واقعنا··· خصوصاً أن الروحانيين يعترفون بوجود مأزق، وأن العلمانيين يعترفون بوجود أزمة··· وهذا الاعتراف هو الذي حرضنا على محاولة إيجاد صلة وصل بين الثوابت والمتغيرات''·
وفيما هو بمثابة خاتمة، يخلص الكاتب نصرالله الى القول: ''ربما نحتاج الى مرافئ مشرعة للاستقبال، والى منارات ترشد وتجذب، بدل هذا الانزلاق المستمر الى داخل الأقفاص الإثنية والعرقية والايديولوجية· فمن المناسب جداً، إعادة اختبار المسلمات الفلسفية حول الزمن، والهوية، والكائن··· والاهتداء الى دواء يشفينا من دوار الكينونة الذي نعيش· وهذا يعني أنه بدل الاستسلام للكوابيس القديمة علينا استتباط أحلام جديدة تطلق صرخة الانسان ضد هذا العالم الذي يطبق علينا حتى الرمق الأخير، حين يدعي أن كوكبنا تحول الى قرية عالمية· خصوصاً بعد أن اكتشفنا أن هذه القرية، هي منفى جديد بامتياز،· فكل ما يجري حولنا، يرسخ قناعاتنا بأن لاشيء مؤكد على الإطلاق··· لا الأنا، ولا العالم··· لذلك ينبغي اجتراح سيرورة ديمقراطية تمهد الطريق للدخول إلى الآخر، وتكوين حيز للمناقشة، يتجاوز حواجز التقاليد والبلدان والصراعات القديمة، فربما من خلال هذه التجربة نستطيع إبراز هويتنا السياسية المستقبلية··· هوية بحرية داخلية تشبه المتوسط الذي يفصل بقدر ما يربط ما بين الثقافات والناس على جانبي شواطئه''·
يقع الكتاب في 454 صفحة من القطع الكبير، ويبقى للمثقف العربي أن يستقرئ الأفكار والمعلومات والآراء التي أدلى بدلوها المحاورون، ليراجع مشهدية الواقع برمته، ويبني عليه مقتضاه

اقرأ أيضا