الإثنين 28 نوفمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

مفارقات حول إيبولا

27 أكتوبر 2014 00:05
ستيفن جونسون * في 28 أغسطس 1854 أصيبت طفلة بمرض الكوليرا في حي «سوهو» بلندن، والذي كان الأكثر اكتظاظاً بين أحياء المدينة وأشدها فقراً وبؤساً، فكان أن انتقلت البكتيريا المسببة للمرض من الطفلة إلى بئر في شارع «بورد» بالحي ذاته، يستخدمها الأهالي للشرب، الأمر الذي تسبب في أحد أسوأ الأوبئة في لندن، مخلفاً عدد وفيات ناهز عشْر سكان الحي. هذه الجائحة التي ضربت سكان لندن خلال القرن الـ19، ما زالت تمثل حتى الآن إحدى الحالات المهمة التي يعتمد عليها لمدنا بمعلومات مفيدة حول طرق انتشار الأمراض، لأنها كشفت أمراً مهماً بالنسبة للكوليرا، كونها مرضاً ينتقل عبر الماء وليس الهواء، كما كان يعتقد. لكن، وفيما عدا طبيعة المرض نفسه والطرق الطبية الأسلم لكبح جماحه، كان هناك ملمح آخر مهم في دراسة انتشار الأوبئة، كشفت عنه تلك الحادثة قبل أكثر من قرن، والتي تجد صداها اليوم مع وباء إيبولا الذي يتفشى حول العالم ويصل إلى أميركا.. وهو أن الأهم من انتشار المرض نفسه، هو السرعة التي تنتقل بها المعلومات حوله. فبعدما ضربت الكوليرا الحي اللندني، استغرق الأمر سبعة أيام على ظهور الحالة الأولى، وأربعة أيام على تسجيل الوفيات لدى السكان، قبل أن تبدأ صحف لندن في الإشارة للموضوع باعتباره مشكلة صحية خطيرة. ولنقارن ما كان موجوداً في لندن القرن التاسع عشر بالوضع الحالي مع إيبولا، خاصة فيما يتعلق بنمط انتقال المعلومة. فبعدما شُخص المرض إيبولا لدى مواطن أميركي في نيويورك، كان العالم بأسره قد اطلع على وجود حالة في المدينة الأميركية، وهي السرعة ذاتها التي انتشر بها الخبر عندما سجلت أول إصابة بالمرض في ولاية تكساس مع المواطن الليبيري القادم إلى أميركا. وفيما استغرق الوقت أسبوعاً كاملا للانتقال من حي في لندن إلى آخر بنفس المدينة، كانت المعلومات عن إيبولا تنتقل بسرعة الصوت من بلد لآخر بفضل تكنولوجيا المعلومات الحديثة. ويمكن القول إنه بتقدم المجتمعات وتطور التكنولوجيا تتغير السرعة التي ينتقل بها المرض، وأيضاً المعلومات بشأنه. ففي الوقت الذي افترقت فيه سرعة انتقال المرض في لندن خلال القرن التاسع عشر عن انتشار المعلومات بشأنه، حيث ظلت هذه الأخيرة بطيئة ومتأخرة، فإنها كانت سريعة فيما يتعلق بإيبولا. وإذا كان هذا التأخير في انتقال المعلومات بشأن مرض ما يبقى مفيداً من الناحية النفسية في منع حالات الهلع التي تعقب وفاة عدد كبير من السكان، فإنها في الوقت نفسه تكون كارثية من حيث الصحة العامة وإمكانية التدخل لتطويقه، والأكثر من ذلك نسمع كثيراً عن الأخطار التي يواجهها العالم اليوم بسبب اتصال أطرافه واقترابها نتيجة العولمة وما يتيحه ذلك من انتقال الأمراض وتفشيها. لكن ننسى أيضاً السرعة التي تنتقل بها المعلومات حول المرض، ما يعني قدرة أكبر على التعامل معها والتحسب له، فمع اندلاع مرض إنفلونزا الطيور عام 2009 بالمكسيك، كانت المعلومات قد انتقلت إلى سائر العالم لينبري مسؤولو الصحة متخذين الاحتياطات اللازمة وتدريب الطواقم الطبية على مواجهته والحد من تفشيه. هذا التطور التكنولوجي ينطوي في واقع الأمر على مفارقة واضحة؛ فهو من جهة يسرع وصول المعلومات حول مرض ما إلى الجهات المختصة ويساهم بالتالي في مواجهته، لكنه أيضاً يولد حالة من الخوف والشعور المتنامي لدى الناس بالعيش في عالم خطر. وإذا كان سكان لندن أو نيويورك أقل احتمالا اليوم بالإصابة بمرض معد بالنظر لتطور الخدمة الصحية وسرعة انتقال المعلومة، فإنهم أصبحوا أكثر قلقاً وتوجساً بسبب السرعة ذاتها التي تنتقل بها المعلومات. * كاتب أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©