الاتحاد

الملحق الثقافي

آخر أيام «المجاهد الأكبر»

توفي الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وهو في السادسة والتسعين من عمره يوم السادس من إبريل عام 2000 بمسقط رأسه في مدينة “المنستير” (160 كلم جنوب تونس العاصمة)، واحيت تونس ذكراه معترفة له بجهاده وكفاحه في سبيل تحرير الوطن وبناء أسس الدولة الحديثة، واكتست احتفالات هذه المناسبة صبغة خاصة بعد الثورة، إذ سعى الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي الى طمس تاريخ الرجل طيلة 23 بأكملها، بل إنه تركه في شبه إقامة جبرية الى وفاته، وصدر هذه الأيام كتاب بعنوان “بورقيبة خارج زمن الحكم/ مذكرات والي المنستير” لمحمد الحبيب براهم وهو وال (محافظ) سابق للمنستير مسقط رأس بورقيبة، وهي المدينة التي قضى فيها الزعيم الأعوام الأخيرة من عمره بعد انقلاب بن علي عليه فيما أصبح يعرف بـ”الانقلاب الطبي”، وهذه الصفحة عن حياة الزعيم بورقيبة خارج الحكم بقيت تحيط بها أسوار من التعتيم والإبهام برغبة من بن علي، إلى ان جاء هذا الكتاب الذي يقدم فيه مؤلفه شهادة حية باعتباره كان المسؤول، بحكم وظيفته عن بورقيبة وكان من القلائل المخول لهم الالتقاء به يوميا تقريبا.
والمؤلف يصف كتابه بأنه “شهادة للتاريخ”، فهو يسلط الضوء الموضوع على حد تعبير المؤلف، على مرحلة لم يكتب عنها، ويشير المؤلف إلى أنه كان يهتم بكل تفاصيل شؤون معيشته اليومية وحاجياته المختلفة وأطوار ظروفه الصحية والنفسية.
وقد اخترنا صفحات من هذا الكتاب الذي جاء في 250 صفحة مقرونة بصور ووثائق نادرة.

المصافحة الأولى
كان الزعيم جالسا في قاعة الاستقبال الصغيرة الملحقة بغرفة نومه، داخل الإقامة الموضوعة على ذمته بمدينة المنستير، وحوله ابنه الحبيب وبعض أفراد عائلته وعدد من القائمين بشؤون خدمته.
تقدمت نحوه ينتابني شعور مزدوج بالهيبة والانتباه، وسارعت بكل تلقائية إلى تقبيله في احترام وإكبار قائلا: إنني والي المنستير الجديد بداية من أوساط سبتمبر 1996، ومؤكدا عميق الاعتزاز بأن تكون صدارة مهمتي الوفاء لنضاله التاريخي والقيام بمتطلبات راحته.
ولاحت على محياه بوادر الرضى والقبول لما كنت أقوله بكامل الهدوء. ودعاني للجلوس بجواره.
وبدأت الرحلة مع الزعيم الحبيب بورقيبة لسنوات أربع، خارج الزمن، فلا هي حياة رسمية بحتة ولاهي عادية محضة، ولا هو حاضر فقط يعيشه أو هو ماض فحسب يتحدث عنه، بل هي كل ذلك في الآن نفسه، وبتداخل عجيب غريب ذي نكهة خاصة تتجلى من خلال نمط حياته وطابع شخصيته والتلون الثري في حالاته النفسية وصيغة التفاعل مع ما يعيشه من زيارات واتصالات وأطوار وأحاديث... كان دوما خلالها في قلب اللحظة وخارج مفهوم الزمن، وكان فيها الحاضر الغائب، والماضي العائد، والمخزون الثري الدائم...
كان بورقيبة يقيم بدار الوالي في مدينة المنستير، وهي الإقامة الرسمية المخصصة لوالي المنطقة وكانت موضوعة على ذمة الزعيم منذ إزاحته عن الحكم إلى رحيله عن الدنيا.
وتتمثل هذه الإقامة في فيلا فسيحة تقع في مدخل مدينة المنستير، ويحتضن المسكن حديقة عامرة بأشجار الزيتون ونباتات وغرسات متنوعة أخرى. ويتميز الموقع بالهدوء والهواء النقي، مع إمكانية التفسح النسبي الخفيف في المماشي الفرعية الداخلية. وتحيط بالإقامة حراسة دائمة ليلا نهارا، تقف في أكثر من مدخل وبوابة صغيرة ملتصقة بالسور الخارجي المحيط بكامل البناية وحديقتها.
وتؤدي عائلة الزعيم زياراتها إليه خلال الأعياد والمناسبات، وكان للحبيب الابن موعدان أسبوعيا قررهما بنفسه ويرافقه فيهما كل مرة بعض أفراد عائلته كزوجته أو أبنائه وهم أحفاد المجاهد الأكبر أو أصهارهم وعدد محدود ومعلوم من الأقارب المباشرين. كانوا يجالسونه ويتحدثون إليه ويحيطونه بمشاعرهم، وكان غالبا ما يصغي وينظر ونادرا ما يجيب أو يفيض بالحديث. كانوا يلتفون حوله فيتبادلون الذكريات ويشاهدون معه البرامج التلفزية ويحضرون له بعض الجرائد الإضافية زيادة الى ما يتوفر لديه يوميا مما يقع إمداده به عادة. وهي في مجملها جرائد تونسية وفرنسية يلقي عليها غالبا نظرة عابرة، ويطالع أحيانا أجزاء من افتتاحياتها ثم يتصفحها ويكتفي بذلك.
وكانت هنالك زيارات أخرى تتم بطلب من أصحابها ويتم الاذن من رئاسة الجمهورية في شأنها، فيتحدد الموعد ويصدر الأمر للجانب الأمني المكلف بالحراسة في الإقامة، وأكون بجواره خلالها للتقدير والرعاية. ومن بين الوجوه النضالية التي شملتها هذه المواعيد الدورية المنتظمة السادة محمد الصياح والهادي المبروك وأحمد قلالة والدكتور احمد الشاذلي. وكان الزعيم يرتاح اليهم ويقبلون عليه بحنين كبير.
وكانت حياة الزعيم طيلة هذه السنوات وإلى تاريخ وفاته تسير وفق نسق يعتمد على عاداته ومزاجه.

حياة منضبطة
يستيقظ بورقيبة صباحا ويتوجه إلى قاعة الجلوس ويتناول الإفطار المعتاد الخفيف ويتحرك قليلا، ثم يطلع عناوين الجرائد اليومية ويتابع في شبه إغفاء البرامج التلفزية، وخصوصا منها الإخبارية، ويتبادل بعض الكلمات العادية العابرة مع الأعوان المكلفين بالعناية به.
وتراه هادئا، ينظر دوما إلى الأفق البعيد، يفكر ويتأمل في صمت ووداعة، فلا يبدي رغبة ولا يرفض اقتراحا بل هو يتبع فقرات مبرمجة التزم بها وأصبح مطبقا لها بصورة شبه آلية وكأنه مازال واقعا تحت تأثير الانضباط البروتوكولي لمرحلة طقوس الحياة الرئاسية بالتزاماتها الرسمية وضوابطها المحددة.
وكان الطاقم الذي يعتني به متنوع الاختصاصات، ففيه المجموعة المتخصصة بالتمريض والشؤون الصحية سواء منها الروتينية أو الطارئة، والأعوان المكلفون بخصوصياته اليومية من نظافة ولباس وهندام، وغيرهم الساهرون على خدمته أوقات الإفطار أو الغداء أو العشاء وفي فترات الاستراحة والجلوس ومناسبات الاستقبال للعائلة أو للضيوف، إضافة إلى السهر واليقظة ليلا لكل متطلبات رعايته.
وتوضع على ذمته سيارة رسمية دائمة بسائقها الدائم رفقة سيارة مصاحبة للحراسة والمتابعةّ.
ويتكون أغلب أعوان هذا الطاقم المتنوع في المهام ووجوه العناية والسهر على مستلزمات خدمة الزعيم من عناصر لازمة مذ كان رئيسا، وهي في أغلبها تعرف عاداته ورغباته وتعودت عليه كما تعود عليها، وهو ما أسهم في التخفيف من وطأة خصوصية الحالة النفسية البديهية في مثل الحال.
أما العادات الغذائية للزعيم فهي متقشفة التركيبة، فلا لحوم أو شحوم ولا بيض أو دهنيات، بل هو الحساء الخفيف بالخضر الطازجة وبعض الأنواع من السمك الأبيض، وعصير البرتقال والماء، مع الإعراض التام عن المنبهات من قهوة أو شاي واقتصار على شرائح بسيطة من الفواكه الفصلية. كانت تغذيته صحية وفي منتهى السلاسة والتواضع...
وفي خصوص عادة التحرك والمشي لترويض الجسم وضمان الحيوية المطلوبة في مثل عمره، وكذلك ما تعود عليه على امتداد حياته من تنقل مكثف يجعل هذه الرياضة اليومية بالنسبة اليه ضرورة حتمية، فإنه ألف أن يخرج قليلا الى حديقة الإقامة ويذرع ذهابا ومجيئا ممراتها المرصفة، وأكون أحيانا وهو يسير رويدا رويدا يتكئ على عصاه الأبنوسية أو يستند الى ذراع العون المكلف بمرافقته ومساعدته وتلبية حاجياته. وكان بين الحين والحين يتوقف ويتأمل الأشجار ويملأ رئتيه من الطبيعة حوله ثم يمشي حثيثا من جديد، وكأنه في أوج ما تعود عليه سالفا.
وكانت رياضة المشي ملائمة لراحته النفسية ولحركية جسمه وفتح شهيته قبيل الوجبة المسائية، إضافة الى فائدتها الكبيرة في المجهود البدني المبذول لجلب الارتخاء والنوم وتجنب الملل أو الأرق، وهو ما كان الجميع يولونه أهمية خاصة، لإدراكهم حيوية هذه الناحية في سلامة المهمة الموكولة والانطباع المتولد عنها.

ذكريات الزعيم
ولئن كان في جولاته وفترات راحته وسكينته وديع المعشر، يتأمل ويصغي ويستجيب لما يطلب منه في برنامجه الصحي والغذائي اليومي، فإنه كان غالب الأحيان صامتا ينظر إلى الأفق البعيد عبر شاشة التلفزة أو من خلال ستائر نافذة الصالون القريبة من مقعده الوثير، ويجيب عند الحاجة بكلمات مقتضبة وأحيانا بإيماء من رأسه حسب مجرى الخطاب.
وكنت أحترم وقاره ورغبته في التأمل الصامت، وأوصي من حوله بمراعاة ذلك في تعاملهم معه خلال غيابي عنه وعنايتهم به.
ولم يمنع هذا المناخ المهيب من فرص استطرادات في الحديث كان فيها الزعيم مفتتح المزاج متوقد الذاكرة للحظات عابرة، فإذا هي خواطر وذكريات، بل طرائف ونوادر تعبق بنسائم التاريخ في مرافقة ذات ضوع إنساني مؤثر وحضاري بليغ...
وأرى من واجبي الإشارة إكمالا لصورة هذه المسائل الجزئية والعلمية، إلى أن موضوع تنظيم شؤون تقاعد الزعيم ماديا يتمثل في تخصيص الجراية الرسمية القانونية لرئيس الجمهورية المتقاعد، وإحالتها إلى حسابه الجاري الشخصي الذي كان يتصرف في ترتيبه الحبيب بورقيبة الإبن بتوكيل قانوني من والده الحبيب بورقيبة الأب.
أما متطلبات العناية المالية الشاملة لكافة الشؤون والحاجيات داخل الإقامة، وفي كل التفاصيل اليومية المطلوبة بسائر جزئياتها فهي متوفرة بتخصيص ميزانية سنوية قارة ومبوبة إلى مجالات تفصيلية بضوابط إدارية محكمة، ويقع تحويلها من الإدارة المعنية في الرئاسة إلى الإدارة المتخصصة في الولاية، حيث أحرص بنفسي وبمعية الإطار الإداري المكلف بالقيام بسائر الإجراءات والتراتيب على أداء هذه الأمانة بالدقة التامة وروح المسؤولية المطلوبة.
كان النهوض بمتطلبات هذه المسائل نبراس الجميع في هذه الإقامة الهادئة الجميلة قرب البحر والمطار، والقلوب تصحو وتنام وهي تحتضن رمزا من رموز تونس الأفذاذ.
كان ظاهر هذا التقاعد الآمن “لفظا حضاريا معسولا، أما التطبيق فهو رغم العناية والإحاطة بمثابة الحصار الفعلي المبطن وهو ما كان يضفي على المعادلة القائمة لونا غريبا من الطعم السياسي تشعر إزاءه بالانقباض الخفي رغم الأريحية المعلنة.

زيارة بن علي
تحضرني وأنا أتذكر ما حفلت به سنوات ملازمتى اليومية بالزيارة والاهتمام بشؤون الزعيم عديد الإشارات والكلمات والمواقف التي كانت تصدر عنه بكامل التلقائية والعفوية إلا أنها مليئة بالمعاني التي تثير عميق الاهتمام والتأمل.
كان رغم تقدمه في السن وظروفه الصحية التي تحتاج الى الرعاية الموصولة متماسكا في مشيته، ثابتا في نظراته، على كامل الاستعداد اليومي في هندامه ببدلاته الشتوية أو الصيفية النظيفة الأنيقة، وفي نمط جلسته الصباحية والمسائية في قاعة جلوس إقامته أو أحيانا في غرفة نومه، وكان وقور الملامح رصين الحديث، وكأنه لو لا أثر العمر، في أوج هيبته...
كان يفرض الاحترام حوله، وقد تعددت المواقف التي حضرتها وشاهدتها وكنت أحيانا طرفا مباشرا في وقائعها بحكم هذه المرافقة ذات النكهة الحضارية بالنسبة لي رغم طابعها الإداري الظاهري كوال على المنطقة.
كنت في مدخل قاعة الجلوس بالإقامة ممسكا بيد الزعيم مسندا إياه في وقفته التي طلب مني أن أساعده عليها، وهو يستقبل رئيس الدولة زين العابدين بن علي الذي جاء لزيارته، وكان ذلك يوم 20 مارس1997. وحالما شاهد بن علي الزعيم بورقيبة مستويا في وقفته ومتهيئا في وقار وهيبة لقبول ضيوفه، وهو ما أثار شهية الوفد التلفزي والإعلامي المرافق في المبادرة المتلهفة على التقاط الصور الناطقة للمجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة الذي يتشوق المواطنون لتنسم أخباره فما بالك بمشاهدته، حتى التفت إلى الجميع مع تركيزه في الكلام على القائمين بشؤون الزعيم في الإقامة وكانوا حوله، وكنت بالطبع في احتضاني بيدي ليده للرعاية والإسناد الأقرب للملاحظة المتوقدة:
ـ “لماذا يتعبونك هكذا سيدي الرئيس، كان من الأفضل أن تكون جالسا على كرسيك دون حاجة إلى إرهاقك بالوقوف؟” وبحضور بديهة عجيبة وفي صوت عميق رصين رد المجاهد الأكبر وكل نبرة في كلماته تتصف بالعزم والحزم:
ـ “إن استقبال رئيس دولة يكون بطريقة الوقوف الذي يدل على الهيبة، ولا يليق بأن يكون بحالة جلوس... مرحبا بك، هيا تفضل، أهلا وسهلا بكم جميعا”.
وسكت الجميع وغيّر بن على مجرى الحديث، ولمحت في الأعين ابتسامة مخفية، فقد كان الهدف من التوصية المسبقة بجلوس الزعيم خلال الوصول والتصوير للإيهام بوضعية معينة عن حالته، وكان واقع الحال الذي تركناه طبيعيا للحقيقة مخالفا للمأمول، لذا كانت الملاحظة وجاء الرد المفحم وتهامست أرجاء الإقامة بما قيل وسمعوه وفهموه...
كتاب محمدالحبيب براهم جاء حافلا بالمعلومات التي تنشر لأول مرة، فقد نقل المؤلف مشاهد من حياة بورقيبة في اقامته “الجبرية”، وروى ما سمعه من بورقيبة وما رآه وما سجله من مواقف وأحداث، كما خصص المؤلف فصلا كاملا لوفاة بورقيبة ولمراسم دفنه وجنازته والتي لم يتم بتوصية من بن علي نقلها على التلفزيون، وهو ما خلف حزنا لدى شعب باكمله وغضبا لدى التونسيين وهم يشاهدون يوم دفن بورقيبة برامج وثائقية عن الحيوانات.

الكتاب: بورقيبة خارج زمن الحكم/ مذكرات والي المنستير
المؤلف: محمد الحبيب براهم
الناشر: دار برق للنشر والتوزيع

اقرأ أيضا