الاتحاد

الملحق الثقافي

جنية مترفة

 د· صلاح فضل

د· صلاح فضل

لا زلنا نقرأ في الشعر القديم نفثات سحرية، تحمل عبق العصور السوالف، ونزق خيال شعرائها الأوائل؛ من ذلك ما يقوله نعيم بن عتاب الوالبي، وهو شاعر من فرسان العرب في الجاهلية، وله ذكر وشعر في أيامها المشهودة:

ياعين لا تستعجلي بمائكِ
واطوي الحشا طيا على حيائكِ
واعتصمي بالشيب من بكائكِ
فإن في الحي شفاء دائكِ
جنية من مالك بن مالك
عزّت على الحسن فلم تشارك
كأنها بين سجوف الحائك
على الحشايا وعلى الأرائك
في الخز والمعلمة الدرانك
بين حجال السندس الحوالك
دعصان من عجمة رمل عاتك
في الشرق بين الديم الركائك
فهو يدعو نفسه إلى التجمل والصبر ويهيب بعينه أن تكف عن البكاء، وتكتم عبراتها حياءً من وقار الشيب خاصة وأن في الحي من تشفي غلته؛ وهي صبية كالجنية، تنتسب إلى بطن مالك بن مالك، لا شريك لها في الحسن، وهي بالغة الترف والنعيم، ترفل بين السجف الساترة، والحشايا الوثيرة، والأرائك الحريرية المبثوثة، والبسط المفروشة، والقباب السندسية المنصوبة، فيبدو جسدها عند حقويها كأنها مجمع فرعين من كثيب رملٍ أحمر، ينهل عليه رذاذ المطر فيزداد تماسكاً ونعومة في وهج الضوء المشرقي·
ومن الواضح أن الشاعر في هذا الجزء الوصفي من المقطوعة الشعرية يقتصر على الجانب الحسي للمرأة الفاتنة، يستعير ألوان الطبيعة ومفرداتها لتجسيده، ملتزما بإيقاع موسيقي صاخب، يعتمد على التصريع والترصيع، اي توافق شطري البيت بقافية موحدة، حتى يصبح بوسع المتلقي أن يعتبر كل شطرٍ بيتاً بتمامه من قبيل المجزوء، فيقيم خيمة إيقاعية أخرى تظلل كلماته، كما تظلل الخيمة الوردية نحت صاحبته، لكنه لا يلبث أن ينتقل إلى خطابها مبرزاً هذه المرة تأثيرها عليه وهو يقول:
ويحك ياجنية هل بدا لكِ
أن ترجعي عقلي قبل ذلك
والله ما مدحيك من نوالك
ولا عطاءً من جزيل مالك
إلا امتلاء العين من جمالك
وحسبٌ تمّ إلى كمالك
ويلــــي عليــــــك، وعلــــى أمثالـــــــك
فتصبح أبياته مثل الرقية التي يتعوذ بها من مس هذا الجنون الذي يصيب المرء من فرط الجمال، وتستعيد طلاوتها الشعرية وهي تتبرأ من النزعة النفعية؛ فليس مديحه للمرأة كي تمنحه شيئا مما تمتلك من حسن وفتنة، ولا من أجل أن تهبه العطايا باليمين أو الشمال، حسبه أن يملأ عينيه من جمالها، حسبه أن يتمثل اكتمالها بالحسب والنسب لكي يعلن عذابه المقيم بما يفعله هذا الحسن منها ومن مثيلاتها، بنفسه وبنفس غيره من ذوي الوجدان الحي والشعور الصحيح منذ أقدم العصور إلى ما شاء الله لخليقته التي فطرت على تقديس الجمال وتعميده بالشعر الخالد

اقرأ أيضا