الاتحاد

الملحق الثقافي

نجيب محفوظ وسلامة موسى

د· علي بن تميم

د· علي بن تميم

كان سلامة موسى أحد أهم العوامل الكبرى التي ساعدت محفوظ على أن يتخطى سمات الكتابة النوعية في عصره· وكان يعي ضرورة تجاوز النموذج السردي الذي قدّمه جيل محمد حسين هيكل، وهذا النموذج أثار سخطه، فتمنى أن يكتب أحد الأزهريين رواية؛ لأنهم الأقدر على القيام بهذه المهمة، وهذه الأمنية مردها إلى أن موسى كان يعي أن الروايات التي أنتجها جيل هيكل لا تقدم رواية مصرية؛ لأن حضور القيم الغربية يكاد يطغى على كل شيء، وفي ذلك يقول محفوظ: ''وأذكر أنني في إحدى زياراتي له ـ أي موسى ـ قال لي يوما إن أغلب الذين يكتبون القصة بمصر من المتأثرين بالغرب، فكيف يمكن كتابة رواية مصرية لحما ودما؟··· وأذكر للتاريخ أنه أجاب: ربما كان الأزهريون هم الأقدر على القيام بهذه المهمة، ليت أزهريا يكتب لنا رواية مصرية''·
ويبدو أن سلامة موسى نقل لمحفوظ الفكرة التي تعد النوع الأدبي مكانا للصراع والكفاح، وهو ما يفعله النقاد في تيارات مابعد الكولونيالية، فماري ليون ـ على سبيل المثال أحد أهم من درس الرواية العربية من هذا المنظور ـ تناولت قضية تفاعل العرب واليابانيين واليونانيين بالاستعمار الأوروبي الحديث، وناقشت لهذا الغرض كاتبين هما يحيى حقي وغسان كنفاني في روايتيهما ''قنديل أم هاشم'' و''رجال في الشمس''· وهي ترى أن النوع الأدبي يقدم نموذجا للصراع والكفاح، وتتحرى وتكتشف الأنواع السردية التي تسبق وصول الرواية، وتشكل لها أساسا للصمود ومناوشة الرواية، وهي لذلك ميزت الرواية العربية واليابانية واليونانية عن الرواية الاستعمارية· وبهذا المعنى فالرواية تعد تكنولوجيا متقدمة طورت وعدلت من خلال الممارسات خارج أوروبا الغربية والولايات المتحدة· وهذا يعني من وجهة نظرها أن الرواية تناط بموقع مهم في الصراع بين التقليد والحداثة في الثقافة· فهي عندما تناقش روايتي ''قنديل أم هاشم'' و''رجال في الشمس'' فإنها تسائل في الوقت نفسه قضايا ثقافية واجتماعية عريضة، لذلك فكتابها يرسم إلى حد ما حقلا خلافيا في الإنتاج الثقافي المابعد كولونيالي في العالم العربي·
وبهذا فإن سلامة موسى كان يشعر بمشكلة النوع، وبضرورة تزويده بلغة أخرى تحمل شروط التغيير والمقاومة، ويمكن تفسير اكتشافه لهذا النسق المسيطر على جيله كونه لا ينتمي إلى الأغلبية·
لقد استفاد محفوظ كثيرا من اتصاله بهذه الشخصية، وساعدته على الأقل في أن يرفض النسق المتحكم بالعصر، فهو في بداياته الفنية وقع فريسة التوقعات المسيطرة، فكتب رواية ريفية باسم ''أحلام القرية''، وأخذها إلى موسى لكنه رفض نشرها بعد قراءتها، وذلك لأن موسى كان رافضا الطريقة التي يصور فيها الفلاح والريف عند جيل هيكل، ويبدو أن محفوظ نقل الصورة والموقف نفسه· ومن ذلك الحين ومحفوظ يفكر بطريقة مختلفة، ويهدف إلى تحطيم أفق التوقعات باستحداث لغته الخاصة، حتى تجلى ذلك في أبهى صوره في روايته ''زقاق المدق'' التي كانت مرحلة حاسمة في تاريخ الرواية العربية·


a.tamim@kalima.ae

اقرأ أيضا