الأحد 27 نوفمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

«المطلوبون الـ 18» مناضلون خفيفو الظل

«المطلوبون الـ 18» مناضلون خفيفو الظل
26 أكتوبر 2014 00:35
رضاب نهار (أبوظبي) يعود فيلم «المطلوبون الـ 18» (عرض ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية) في روايته، وهو من إخراج عامر الشوملي وبول كاون ومن إنتاج عام 2014 بدعم من صندوق سند، إلى عام 1988، عندما اشترى سكان بلدة «بيت ساحور» في فلسطين عدداً من الأبقار من أحد الإسرائيليين المناصرين للعرب، محاولين مقاطعة المنتجات الإسرائيلية من حليب وغيرها، الشيء الذي استدعى غضب السلطات الإسرائيلية التي فرضت حظر التجول مرات عديدة، ونشرت جنودها للبحث عن الأبقار، فصار الأمر مدعاة سخرية حتى على الصعيد العالمي. مستحضراً أزمة عدم دفع الضرائب والرد الإسرائيلي آنذاك، مروراً باللحظات الأخيرة من الانتفاضة الفلسطينية، معتمداً على شهادات عدد من الشخصيات الحقيقية ممن لا يزالون على قيد الحياة، سواء من الفلسطينيين أو حتى من الإسرائيليين. وقد وثق هذا الإنجاز مرحلة مهمة من تاريخ النضال الفلسطيني، لا تزال مستمرة حتى اليوم على الرغم من أن كثيرين اعتقدوا أن اتفاقية أوسلو قد خطّت نهايتها. اتخذ الشوملي دور الراوي في الفيلم. فكان راوياً من داخل وخارج الحدث. ترك مسافة بينه وما يحصل من وقائع، لكنه في الوقت نفسه ينتمي إلى القصة باعتباره أحد أحفادها. وما كان منه إلا أن بدأ القصّ من أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، عندما كان طفلاً صغيراً يسمع من والده قصصاً عن فلسطين تبلورت في ذهنه بطريقة فانتازية، فرضتها المسافة البعيدة. متخيلاً الناس في ذلك الوقت شخصيات مثل أفلام الكرتون شبيهة بـ«سبايدر مان»، ليرى بعد دخوله بالحكاية عن قرب أنهم شخصيات عادية كل ما في الأمر: كانوا يقدسون كرامتهم وحقهم في ترسيخ واستقلال دولتهم. كان «أنطون الشوملي»، محوراً أساسياً في «المطلوبون الـ18». إنه ابن الانتفاضة وأحد صناعها، مات بموتها ولا تزال روحه حاضرة مثلها تماماً. ففي الجنازة التي تمّ عرض صورها الحقيقية في نهاية الفيلم، علّق الشوملي كراوٍ، أنه لم يكن يدرك أن كل هؤلاء الذين جاؤوا لتشييع أنطون ابن عمه الذي لم يتعرف عليه إلا من خلال الملصقات، كانوا يعرفون هذا الشهيد شخصياً، أم أنهم جاؤوا لتشييع الانتفاضة بحد ذاتها. لم يكن الفيلم وثائقياً خالصاً، فسمات الروائي كانت تتخلله بسبب إعادة تمثيل مجريات القصة درامياً بأسلوب أضفى على العمل صفة متميزة جعلته مرناً، لطيفاً ومشوقاً، استطاع أن يجسد معاناة ومأساة الشعب الفلسطيني بروح خفيفة الظل أضحكت جمهور أبوظبي السينمائي كثيراً لكنها أبكتهم في النهاية. وأما الدراما الكرتونية التي شاركت الأبطال الحقيقيين مهمة استعادة الحدث كاملاً، فكانت خياراً فنياً موفقاً زاد من شدة الجاذبية والإمتاع من خلال المواقف الكوميدية البسيطة. فقد بنى المخرج سيناريو العمل ـ وكان من الواضح بالنسبة لنا أن كل الشخصيات شاركت في نسخته النهائية ـ على عملية «أنسنة» البقرات وجعل لكل منها شخصيتها الخاصة وعالمها الخاص. ففي حين كنّ في البداية إسرائيليات معلنات كرههن وعداءهن للفلسطينيين، تعلّقن في المشاهد اللاحقة بالوطن الجديد في مزرعتهن بـ «بيت ساحور». لكن وبعد قرار القضاء عليهن قالت إحداهن: «لقد خذلنا الفلسطينيون مثلما خذلنا الإسرائيليون». والنهاية كانت من المكان الذي بدأت منه الحكاية.. من الصحراء، من الكهوف هناك.. مفتشاً الشوملي عن «يارا» البقرة الصغيرة التي دفعتها أمها للنجاة إلى خارج الشاحنة، أثناء الرحلة الأخيرة نحو الموت الذي قرره الإسرائيليون كحكم نهائي على الأبقار. لتأتي بعد ذلك شهادات حية من الشخصيات الحقيقية ذاتها، ملخصة بعبارة أو أكثر ما حدث وما يحدث وما هم بانتظاره أن يحدث.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©