الاتحاد

الإمارات

الوراثة والبيئة والغذاء والحالة النفسية أهم أسـباب البدانــة

من منطلق مسؤوليتنا الإعلامية تجاه التعامل وقضايا الوطن. تطلق «الاتحاد» مبادرات التوعية الشهرية، وتتفاعل من خلالها مع مختلف القضايا والموضوعات التي تهم الناس في حياتهم العامة بمختلف مستوياتها ومجالاتها. نتناول هذا الشهر قضية السمنة وزيادة الوزن على اعتبار أن حالة الوعي الاجتماعي التي نتوخاها هي الحصيلة المثمرة للإدراك العميق للواقع الذي نعيشه والمستقبل الذي ننتظره.
خورشيد حرفوش (القاهرة)
الحلقة الأولى


العلماء تعرفوا إلى جينات عديدة تسهم في حدوث السمنة، إلا أن العوامل البيئية «الاجتماعية، ونمط الحياة»، من أهم أسباب السمنة المفرطة، ومسؤولة كثيراً عن زيادة الوزن، والجزء الأكبر من المشكلة يعود إلى التوافر السهل والمتاح للأطعمة «المرتفعة السعرات الحرارية»، مع غياب الممارسات الرياضية المنتظمة، إلى جانب انتشار الوظائف الخاملة التي تشكل جانباً آخر نتيجة التقدم التكنولوجي، والتأثيرات الاجتماعية الشاملة، وصناعة الأغذية، والمكان الذي يعيش فيه الناس، كما تساهم في ذلك أيضاً أنماط الحياة الشخصية، والضغوط المتزايدة، وقلة النوم، وكل هذا يمكن أن يسبب تخريباً في توازن النظام الداخلي للجسم، وفي زيادة الوزن.

فالطاقة التي يستمدها الجسم من الأكل، يستهلكها الجسم بشكل طبيعي، وهي: طاقه أساسية تقارب ثُلثي الطاقة التي يستهلكها الجسم يومياً، ويحتاج إليها لنشاطه اليومي غير الإرادي، مثل دقات القلب والتنفس والهضم، وغيرها، وطاقة النشاط والحركة التي يستخدمها الجسم في حياته اليومية كالمشي والسباحة والحركة وأي نشاط بصفة عامة، ثم طاقة للحفاظ على حرارة الجسم، وهي ثابتة في التغيرات المناخية. وإذا كان الجو بارداً يحتاج الجسم إلى زيادة في استهلاك الطاقة لزيادة حرارة الجسم.
فما يتناوله الفرد يومياً، ومقدار التمرينات والأنشطة التي يقوم بها تتأثر بالتالي بمجموعة من العوامل المتشابكة. منها العوامل الشخصية، وتشمل السنّ والجنس والعِرق، وأيضاً المسائل النفسية، وكيفية التفاعل عاطفياً مع الأشخاص الآخرين ومع الضغوط المحيطة. ثم المؤثرات المجتمعية، مثل الأسرة والمدرسة ومكان العمل والأصدقاء، وأيضاً أين يذهب الشخص كي يحصل على الرعاية الطبية، وهل يستطيع ممارسة النشاط البدني خارج المنزل، أم لا؟ ومن أين يحصل على الطعام؟ كذلك المؤثرات الاجتماعية الأخرى «الثقافة الصحية والغذائية» السائدة في المجتمع، وتشمل دور الحكومة، والصحة العامة، والثقافة، والتسوق، وتصميم المجتمع، ونطاق الصناعات، والطعام والمشروبات والنشاط البدني والترفيه. وأخيراً، العادات والقيم الاجتماعية، التي ترتبط بالثقافة الصحية، مثل التعريفات الثقافية للرشاقة والجمال، والجسم المثالي.

مشكلات الإفراط
الدكتورة أماني كمال، اختصاصية التغذية في مستشفي النور في أبوظبي، تؤكد «أن الإفراط في تناول الطعام يزيد الوزن أو ينقصه، نتيجة لزيادة أو قلّة الأكل عمّا يتطلبه الجسم من السّعرات الحراريّة، فكلما حصل الفرد على كمّية أكبر من السْعرات الحرارية فإنَّ هذه السّعرات الزَّائدة تتحول إلى دهون، وتخزن على هيئة شحوم في الجسم. أما إذا تناول كمّية من الغذاء تحتوي على سُعَرَات أقل فإن الجسم يُحوّل جزءًا من دهنه إلى طاقة.
 
تطور علمي
الدكتور يوسف شوقي حسن، استشاري أمراض الغدد والسكري في مستشفى النور في أبوظبي، يوضح أن الباحثين في مجال الصحة العامة وعلوم التغذية لم يتوقفوا عن محاولة التفسير العلمي الدقيق للسمنة، وفهم علاقة حدوثها لشخص من دون آخر حتى داخل أفراد الأسرة الواحدة – والتأثير الجيني لمسبباتها.
وقام باحثون بوصف الجين الأول الذي يساهم في أنماط شائعة من السمنة، ويطلق على الجين المرتبط بكتلة الدهون والسمنة (FTO). هم لا يعرفون بالضبط ما الذي يقوم به الجين للجسم، ولكن الأشخاص الذين يحملون طرازين محددين من هذا الجين، يزنون 3 كيلو جرامات أكثر، وحوالي 70% أكثر عرضة للسمنة مقارنة مع أولئك الذين يفتقرون إلى البديل.
وقال الدكتور شوقي: «في عام 2010 وجدت دراسة دليلاً على أن النمط الغذائي العام في منطقة البحر المتوسط – الذي يبدو مساعداً على تعزيز فقدان الوزن يمكنه مواجهة الميل الوراثي لزيادة الوزن بين الأشخاص ذوي التباين في جين FTO. فقوة التأثير الوراثي على الوزن تختلف بصورة طفيفة جداً من شخص إلى آخر».
وعملية توارث الخلايا الدهنية الزائدة على الحد من الآباء والأجداد إلى الأبناء من الأسباب المهمة وصعبة العلاج في التخلص من السمنة. 
وهناك أيضاً عوامل وراثية تجعل عملية إفراز هورمون الأنسولين بشكل كبير تشكل خطراً في تراكم دهون الجسم وعدم التخلص منها. وهناك العديد من الأفراد يرثون من آبائهم القدرة الهائلة على تناول كميات كبيرة من الطعام، فكثير من الدراسات الحديثة تشير إلى أن  الوراثة من أهم الأسباب التي تؤدي إلى السمنة، حيث توصلت الدراسات التي ارتكزت على أنماط الوراثة بدلاً من جينات بعينها إلى أن 80% من أطفال والدين يعانيان من السمنة جاءت مصابة بالسمنة أيضاً، مقابل أقل من 10% من أطفال والدين يتمتعان بالوزن الطبيعي، ومن تلك الأسباب أيضاً كسل الغدة الدرقية الذي ينتج عن نقص في إفراز هرمون الثيروكسين الذي يؤدي إلى بطء في عمليات الحرق الداخلي في الجسم، مما يسبب زيادة في الوزن، كما تلعب الحالة النفسية دوراً كبيراً في زيادة الوزن، حيث أن الحالات النفسية كالغضب والملل والاكتئاب والحزن والشعور بالذنب تزيد الشعور بالحاجة إلى التهام الطعام بشراهة، إضافة إلى بعض الأدوية كالكورتيزون وحبوب منع الحمل، ومن أكثر الأسباب شيوعاً، والتي تؤدي إلى السمنة لدى معظم النساء، هي سكر الحمل، وتسمم الحمل، وعدم الإرضاع بعد الولادة.

المولود أولاً
كشفت دراسة بريطانية شملت 13400 زوج من الشقيقات البنات أن الأخوات الأصغر لديهن احتمال أكبر ليكن أنحف وأصغر حجماً، وأن ترتيب الولادة يلعب دوراً مهماً في تحديد وزن الأبناء، وحذرت الأبحاث أن البنات الأكبر لديهن خطورة أكبر في التعرض لمشكلات صحية خطيرة بسبب زيادة الوزن.ووجدت الدراسة أن الشقيقات الأكبر سناً معرضات لزيادة الوزن بنسبة 29% أكثر من الشقيقات الأصغر، ولديهن احتمال أكبر من أن يعانين من السمنة بنسبة 40% أكثر من الشقيقات الأصغر سناً. وأجريت الأبحاث نفسها على الأشقاء من الرجال، ووجد العلماء النتيجة نفسها، الأشقاء الأكبر أكثر عرضة لزيادة الوزن من أشقائهم الأصغر.

نموذج حي للتأثيرات الثقافية
«البلوح».. «لا جمال دون بدانة»
ظاهرة «البلوح» عند المرأة الصحراوية، خصوصاً في موريتانيا، نموذج حي لتأثير الثقافة السائدة في المجتمع التي تكرس لظاهرة «السمنة أوالبدانة»، واعتبارها أهم مقاييس الجمال عند المرأة الصحراوية. فالجمال هناك يساوي السمنة، ولا جمال دون بدانة، حتى أن الرجال رفعوا شعار عدم الارتباط بالفتاة الرشيقة، ذلك أن الصحراوي بطبعه يفضل ذات القوام الجميل والذوق، وهذا لا ينطبق إلا على المرأة المكتنزة التي تبدو عليها مكامن الجمال بجسدها، والأغرب من ذلك الارتباط والتشبث الدائم بالعادات والتقاليد على الرغم من التطورات الفكرية والثقافية التي اكتنفت الحياة الصحراوية. ويذهب الباحثون في التراث الشعبي الصحراوي إلى أن فكرة التخلي عن الذوق المتداول -السمنة- مسالة مستبعدة، وستبقى واردة ما لم تتغير الظروف الزمنية، لذا يعتبر الجسد المملوء أحد أهم مواصفات فارسة الأحلام، بالإضافة إلى الوجه المملوء المستدير، والملامح الحادة، والأسنان البيضاء المتراصة، والبشرة السمراء.
تشير مريم بنت ملا سيدي إدريس، الباحثة  المتخصصة في التراث الشعبي، إلى أن عادة «البلوح» - تعني التسمين القسري للنساء - في موريتانيا، فهي عادة متوارثة ومترسخة في الثقافة الموريتانية منذ القدم، وتبدأ طقوسها للبنات منذ سن السادسة. وتخصص الأسر برنامجاً غذائياً خاصاً يعتمد بشكل أساسي على شرب نحو خمسة ليترات من اللبن يوميًا، بغرض تسمينهن استعدادًا لمرحلة الزواج، على اعتبار أن الفتاة البدينة هي المرغوبة من قبل الرجال، فكما يقال هناك: «المرأة تأخذ من قلب الرجل على قدر ما تأخذ من مقعدها». ولضمان تنفيذ مثل هذا البرنامج في أقصر وقت ممكن (1-5 سنوات) تلجأ بعض الأسر، خاصة الميسورة، بالاستعانة ببعض النساء المتخصصات في هذا العمل، والتي يطلق عليها «البلاحة»؛ حيث تتولى متابعة تغذية البنات تحت عينيها، وتسمح لها الأسرة بإنزال أشد أنواع العقاب على غير الملتزمات؛ حيث إنهم يرون أن الفتاة النحيفة عار على أسرتها، أما الأسر الفقيرة فتلحق بناتها بالرعاة لمدة تتراوح من شهر إلى أربعة، حتى يتغذين على لبن الإبل أو البقر، ومع تطور وسائل التسمين بدأ البعض يستخدم الحبوب الهرمونية، والتي تعرف بـ«حب البقر»، والتي تعمل على حبس الماء في الوجه والفخذين والرقبة، وهو ما يطلق عليه السمنة الكاذبة.
وتضيف: «وفق هذه الثقافة، لا يسمح للفتاة الصحراوية بالشعور بالجوع بل يفرض عليها شرب حليب الإبل بشكل متواصل إضافة إلى شرب الحساء والتمر والحلويات، كما يقدم لها بين الفينة والأخرى شراب أعشاب يساعد على تنظيف الأمعاء، وتوسيع الجهاز الهضمي، ليستطيع احتواء المزيد من الأطعمة. كما، تقضي أغلب ساعات يومها ما بين النوم أو تطبيق وصفات العناية بالبشرة والشعر وذلك بغية الظفر بفرصة زواج».
وتقول: «أما الرجل الصحراوي فيرى أن المرأة النحيفة تعكس المستوى المادي، فالضعف البدني يساوي الفقر في أسرتها، لذلك يستحيل عليه الزواج بها مهما ما توافرت عليه من محاسن الجمال، ولهذا تعيش فتيات الصحراء منذ فترة المراهقة على هاجس وحيد، وهو الحصول على أكبر قدر من الكيلوجرامات، بغرض الحصول على زوج مقتدر مادياً».
وهذا المعتقد له جذور ضاربة في التاريخ، حيث ينظر للعائلة التي تضم نساء سمينات على أنها عائلة غنية، وقادرة على تأهيل بناتها للزواج، وتحقيق رغبات الرجل في الاقتران بزوجة سمينة.
وفي إطار هذا الموروث الصحراوي أصبحت السمنة قناعة داخلية لدى العديد من النساء في المجتمع الموريتاني تحديداً، حيث تفضل الكثيرات أن يكُنَّ بدينات بمحض اختيارهن ورغبتهن ويخترن أسلوباً خاصاً، ونظاماً غذائياً صارماً، وهو «البلوح أو التبلاح»، بالإضافة إلى عصارة بعض الأعشاب التي تفتح الشهية، مع الحرص على الراحة، وعدم بذل أي مجهود يؤثر على وزنهن.

كسل الغدة الدرقية يساعد في زيادة الوزن
يوسف شوقي

البداية استقبال سعرات زائدة عن حاجة للجسم
أماني كمال


اقرأ أيضا

الإمارات: ندعم جهود ألمانيا لإحلال السلام في ليبيا