الاتحاد

عربي ودولي

مفكر عراقي يؤكد أن الاعتدال طريق إنهـاء الاحتلال


محمد أبو الفضل:
تأتي ولادة الحكومة العراقية الجديدة في أجواء سياسية قاتمة، ووسط تقديرات داخلية وخارجية متلاطمة، وفي مناخ مليء بالتحديات على مستويات متباينة، لذلك تصبح الخيارات المعروضة أمامها محدودة وفي حاجة للتعامل معها بحذر، حتى يتسنى لها الخروج برؤية متوازية تواجه بها المعطيات الدقيقة، التي أفرزتها المرحلة السابقة وما خلفته من تداعيات على الحياة العراقية بصفة عامة، طالت الكثير من الثوابت الوطنية، التي نجح العراق في الحفاظ عليها خلال سنوات المحن الماضية· وبدون اظهار الحرص على وحدة البلاد وسيادة ثقافة التسامح والاعتدال سوف يحدث ما لا يحمد عقباه من نتائج كارثية، فى جو مليء بمعالم الاحتقان يسود معظم الطوائف العراقية·
فقد خرجت النعرات القومية من القمقم، وأصبح من الصعوبة عودتها بسلام إليه مرة أخرى، ما لم تكن هناك قيادات فاعلة فى الحكم والمعارضة تتصف بالاعتدال والروية، حيث أضحت جماعات كثيرة تلتحف برداء القومية على حساب الوطنية، وبات العراق وكأنه موزع بين طوائف وممزق على قوى تعمل لحساب أشخاص أو جهات لا تهمها مصالحه الوطنية، والموقف يحتاج الى قراءة حقيقية تقدم تصورا واقعيا لما يجري على الارض، دون تضخيم أو تهوين، بعد أن أصبح الخطاب السائد فى غالبية وسائل الاعلام مشبعا بكل عوامل الانسداد بين الشيعة والسنة والأكراد والتركمان والآشوريين، فى حين ان هناك قوى تتحرك الآن من وازع وطنى خالص نجهل رؤاها ويغض العديد منا الطرف عن سماع اجتهاداتها، مع أنها قطعت شوطا مهما فى نبذ العصبية والابتعاد عن الطائفية الضيقة، والاستفادة من المكونات الايجابية للتعدد العراقى فى الوصول الى شكل ديمقراطى يتوافق مع المعطيات الحضارية ويبرز كثيرا من القيم الغائبة حاليا·
وجمعنى لقاء مع المفكر العراقي الدكتور وميض نظمي فى الخامس والعشرين من فبراير ،2005 نظمه حلمي شعراوي رئيس مركز البحوث العربية والافريقية بالقاهرة، وحضرته مجموعة محدودة من المثقفين المصريين، استمعنا خلاله لشرح واف لما يدور داخل العراق من أمواج عاتية، وما يعتمل فى ربوعه من تمايزات سياسية هائجة ، تحاول بعض الدوائر الاستفادة من تجلياتها بصورة عملية· ولأهمية الكلام الذى طرحه الدكتور وميض رأيت من الضروري نقله لقارئ 'الاتحاد' للتعرف على رؤية مفكر له وزن وقامة كبيران، عاصر عهد الديكتاتورية واستطاع الحفاظ على استقلاليته العلمية، ويعيش فى كنف الاحتلال وتداعياته ولا يزال حريصا على التمسك بوطنيته ويدافع عن عروبته فى إطار التمسك بوحدة النسيج العراقى وعدم المغالاة ضد القوميات الأخرى، مبتعدا عن الطائفية وأشكالها الاجتماعية والدينية، لأنه يعتقد أن الاعتدال أقصر الطرق للاقناع، فى بلد مثل العراق حافل بالتيارات المتصادمة·
نواة لنبذ الطائفية
على هذا الأساس وضع هو ومجموعة من رفاقه داخل العراق نواة لما يسمى بـ'الجبهة الوطنية للتحرير' لابراز التلاحم بين مختلف القوى السياسية والدينية والاجتماعية، عقب ظهور مؤشرات كبيرة لتكريس الطائفية والمناطقية بصورة مخيفة، ويتولى أمانة سر الجبهة رجل دين شيعى وطنى مشهود له بالكفاءة والنزاهة، وبرغم عدم انتشارها على نطاق واسع حتى الآن، إلا أنها بدأت خطوات عملية لاثبات وجودها، من خلال تفاعلها فى القطاعات والأقاليم العراقية ونجاحها فى جذب مجموعة متميزة من المفكرين المستنيرين من هيئة علماء المسلمين الممثلة للسنة، وبعض المرجعيات الشيعية الوطنية مثل آيت الله جواد خالصى، ودعت الجبهة الى ادخال فصائل شيوعية معروفة بنزاهتها، وتحاول بشكل عام الاعتماد على القوى الديمقراطية، بصرف النظر عن انتمائها الأيديولوجى أو المذهبى، بغرض الحفاظ على وحدة البلاد وإبعاد شبح التجزئة عنها·
واذا قدر للفيدرالية أن تكون خيارا عمليا وحيدا للبلاد، فالدكتور نظمى أكد دعمه لها، شريطة أن تكون نزيهة وحقيقية، أى على النمط الهندى أو الألمانى أو الأميركى، لكن ما يطرحه الأكراد اليوم يتجاوز هذه الأنماط، بما يعطى مزايا للاقليم على الدولة وليس العكس، ما يكشف بجلاء عن 'غرور الأقليات' عندما تجد من يدعمها من الخارج، وفى هذا الخضم يتناسى الأكراد دروس الماضى المريرة، عندما تعرضوا للتضحية بهم من قبل الولايات المتحدة ذاتها لحساب نظام صدام حسين، بكلام آخر أفضل طريق للخروج من هذا المأزق الاعتدال فى المطالب والاقتصاد فى الطموحات، لأن هناك الكثير من المناطق الغامضة فى الرؤى الخارجية للعراق، واستمرار المقاومة وضغوطها وصعود دور القوى الوطنية، داخل الحكومة وخارجها، يمكن أن يفرض وقائع جديدة على الأرض يصعب تجاهلها فى المستقبل يمكن أن تساهم فى إنقاذ العراق واخراجه من محنته·
من هنا يعول الدكتور وميض نظمي على دور المقاومة الوطنية التى تواجه الاحتلال بوسائل مشروعة، فى تغيير المعادلات الراهنة ، فظهورها بطريقة سريعة بعد سقوط بغداد أثار تساؤلات متعددة لا تزال تبحث عن اجابات حتى الآن، لكن فى الحصيلة النهائية فان معظم الشعب العراقى يرتاح إليها ، سواء المحسوبون على الاحتلال أو الوطنيون ، لأن تسليم العراق بلا مقاومة حقيقية أشاع أحاسيس كبيرة بالمهانة الوطنية لدى الجميع ، ونجحت المقاومة فى التأثير على التوازنات التى أقامها الاحتلال ، فلا يمكن تجاهل أنها أجبرت الولايات المتحدة على إنهاء مهمة الحاكم الأميركى للعراق بول بريمر مبكرا ، وأفضت ، ضمن عوامل أخرى ، الى تكوين مجلس حكم انتقالى ثم حكومة انتقالية وصولا الى إجراء الانتخابات فى الثلاثين من يناير الماضى، وكانت قوات الاحتلال وبعض الدوائر الاقليمية أكثر قلقا من صعود سقف المقاومة المتمثلة فى ظاهرة مقتدى الصدر، التى تنطلق من موقف عربى، علاوة على أنها ضمت إليها المهمشين فى العراق، لذلك كان من الضرورى وأدها حتى لا تعم العراق وتزحف خارجه·
محك الانتخابات
بدأت مظاهر التحرك فى الشارع العراقى التى تقوم بها 'الجبهة الوطنية للتحرير' تنمو بصورة متدرجة ، وكان أبرزها إبان الانتخابات ، اذ طالبت الجبهة بلجنة دولية لمراقبتها بنزاهة ، وانسحاب القوات الأميركية والبريطانية إلى الثكنات العسكرية ، ولأسباب تتعلق بفهم الواقع وعدم المغالاة ، قال الدكتور وميض اننا لم نطالب بحل اللجنة المشرفة على الانتخابات ، بل طالبنا فقط بإلغاء النص القائل برفض أى قائمة أو اسم بلا مراجعة قانونية أو محاكمة دستورية ، ومع ذلك لم تتم الاستجابة لمطالبنا ، لكن بدأ المواطن العادى يشعر بتحركاتنا ونكتسب مواقع سياسية جديدة فى أوساطه ، لأننا نرفض التقتيل دون مبرر ونستنكر الاغتيالات التى يتعرض لها أى سياسى وطنى بلا جريرة ، فهدفنا الحفاظ على وحدة البلاد والاستفادة من الفراغ السياسى الحاصل برغم تعدد المعارضة والموالاة، عبر منطلقات هادئة وبسيطة تقوم على الاعتدال فى دعم المقاومة المشروعة ورفض أى حكومة مدعومة من الاحتلال ، إذا أصرت على تنفيذ جدول أعماله ، وكان تأثرنا بالغا الى حد الارتباك ، من جراء غموض فهم موقف السيستانى من الانتخابات ، واعطائها صفة الحلال والحرام ، حتى أن أحد الأشخاص أصدر فتوى تقول ان 'التصويت أهم من الصلاة والحج'، فهذه الدعوات غير المسؤولة هى التى تغذى النعرات المذهبية وتضاعف من صعوبات البحث عن الاعتدال ، الذى أصبح الطريق الوحيد للخروج من مأزق التناقضات الطائفية والخلافات المذهبية، حيث يجرى العزف على أوتارهما ، بينما المواطن العراقى أكثر تسامحا مما يتصور الكثيرون ، فقد عاش فى ظل هذه التركيبة عقودا طويلة بلا حساسيات أو مزايدات مشبوهة·
وأخشى من الاستمرار فى تغذية نار الطائفية فى الحكم ، التى ظهرت ملامحها منذ البداية ،لاسيما أن الحديث عن القوميات ، كردية وتركمانية وآشورية ، يتواصل ويجد من يدعمه ، فى الوقت الذى لا يجرى الحديث عن القومية العربية التى تمثل حوالى 80% من الشعب العراقى ، وأصبح الدفاع عن الأقلية يتم على حساب الأغلبية ، وهو ما يعزز التكهنات الرائجة بأن هدف الاحتلال اقتلاع العراق من عروبته وجره الى منحى فى نهايته التجزئة· وفى هذا السياق تدخل المفكر المصرى الدكتور سمير أمين مؤكدا أن الهدف الجوهرى هو تدمير الدولة وتفكيكها والمجتمع وعزله عن جذوره العربية ، ورفض الدكتور أمين الانسياق وراء التحليلات القائلة بامكانية الاستفادة من إعمار العراق وإعادة بنائه على أسس ديمقراطية كما حدث فى المانيا واليابان ، عقب الحرب العالمية الثانية ، موضحا أن النظام العالمى مختلف فى الحالتين ، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة ترغب فى انعاش هاتين الدولتين كركيزة لصد المد الشيوعى ، أما الآن فلا تهتم واشنطن بانشاء ركائز وهى تدرك أن القواعد الأساسية للمجتمع فى غير صالحها ، لذلك من الواجب هدم هذه القواعد وإعادة البناء بشكل يغير ملامحها تماما ، وهذا المشروع طموح وله تعرجات اقليمية بدأت مكوناتها فى الظهور أخيرا·
وفى اعتقاد الدكتور سمير أمين والدكتور وميض نظمى ومعهما الدكتور فوزى منصور الذى حضر اللقاء (مؤلف كتاب العرب خارج التاريخ) أن الموقف يحتاج الى الدمج بين الوطنية والديمقراطية ، والاستفادة من الأجواء العالمية الداعمة للحريات ، وبالتالى فمنهج الاعتدال الذى تتبناه 'الجبهة الوطنية للتحرير' يمكن أن يكون مفيدا من الناحيتين الداخلية والخارجية ، فعلى المستوى الأول يجذب قطاعات واسعة ترفض العنف العشوائى ولا تثق فى التيار الذى يتعامل مع الاحتلال وافرازاته ، وعلى المستوى الثانى (الخارجى) من الراجح الحصول على تعاطف من بعض الدول الأوروبية ، التى يمكن أن تضغط على الولايات المتحدة لتصويب مسار توجهاتها ، وبالفعل حصلت تطورات أفضت الى تغيير فى كثير من الحسابات الأميركية ، لم تكن لتحدث لو استمر التيار المتطرف الداعم لها فى الصعود ، ولو تواصل الاتجاه الرافض لها فى الهبوط ، لكن الاعتدال وما يمثله من وسطية واقتصاد فى التكهنات وما ينطوى عليه من توازنات من العوامل التى تؤدى الى مكاسب حقيقية على الأرض ·
وأكد الدكتور وميض استعداد جبهته للتعامل مع الحكومة الجديدة برئاسة ابراهيم الجعفري فى حالة استجابتها لشرطين أساسيين ، الأول تثبت أنها وطنية باحتفاظها بمسافة واضحة عن الاحتلال وتعلن عن موقف واضح من انهاء وجود قواته خلال فترة محددة ، والثانى تتعهد أمام جماهير الشعب العراقى بعدم التوقيع على اتفاق استراتيجى قبل نهاية العام ، فى المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية ·
ومن خلال الرؤى والتقديرات التى عرضها الدكتور وميض نظمى يمكن التوقف عند ثلاثة محددات رئيسية، أولها وجود تخطيط متعمد لإشعال نيران الطائفية بلا هوادة ، وفى ظل الفراغ السياسى والأمنى أصبحت هى العاصم والملاذ للحصول على الحقوق والابتعاد عن الخسائر ، وثانيها الاعتدال يمثل صيغة مثلى لتخطى العقبات الحالية فى مختلف مناحى الحياة ، فهذا الطريق ليس 'طوباويا' كما يتخيل البعض ، فهو لا يرفض الحكومة ومعطياتها ، ولا يقبل أى انفلات فى المقاومة وتداعياتها، وثالثها لدى الحكومة الجديدة فرصة مواتية لتقديم نموذج للاقتراب من نبض الشارع وإعادة صياغة منظومة وطنية واعدة ، اذا نجحت فى استقطاب القوى الوطنية وابتعدت عن الشعارات الطائفية وتبنت أجندة واقعية تتولى التوفيق بين الخيارات المتصادمة فى البلاد، وصولا الى تبنى منهج الاعتدال ·

اقرأ أيضا

السودان: قتلى وجرحى في انفجار قنبلة في أم درمان