الاتحاد

تقارير

الحكم الذاتي لكتالونيا!

يدعي الرئيس الكتالوني «ارتور ماس» أن نتائج الانتخابات الإقليمية التي جرت الأحد الماضي، تمنح السياسيين الانفصاليين تفويضاً بالمضي قدماً نحو استقلال كتالونيا كلياً عن إسبانيا. هذه النتائج، في رأيي، لا تمنح تفويضاً أو شيئاً من هذا القبيل، وإنما هي، في حقيقة الأمر، إشارة قوية للحكومة الإسبانية في مدريد لإعادة الحكم الذاتي الموسع الذي استردته من الكتالونيين عام 2010.
في الانتخابات الأخيرة، فازت الأحزاب المؤيدة للاستقلال بـ72 مقعداً من أصل 135 هي مجموع مقاعد المجلس التشريعي لكتالونيا، وهو ما دفع «ماس» للقول: «بات لدينا تفويض قوي للمضي قدماً في هذا المشروع»، أي الفترة الانتقالية البالغة 18 شهراً الممهدة للانفصال، والتي يفترض أن يؤسس الكتالونيون خلالها مؤسسات الدولة الخاصة بهم.
والحقيقة أن أداء القوميين الكتالونين في الانتخابات الأخيرة لم يكن أفضل من أدائهم في انتخابات 2010 و2012. وأكبر حزب في انتخابات الأحد كان ائتلاف «معاً من أجل نعم»، وأهم حزبين فيه كانا «التوافق الوطني من أجل كتالونيا» الذي يرأسه «ماس»، وحزب «اليسار الشعبي لكتالونيا». والحزبان الانفصاليان الآخران اللذان دخلا المجلس التشريعي هما «مرشح الوحدة الشعبية» (لم يشارك في انتخابات 2010) و«التضامن الكتالوني من أجل الاستقلال» (شارك في انتخابات 2010 ونال بعض المقاعد).
ما زال من الممكن، مع ذلك، مقارنة أداء القوى المؤيدة للاستقلال عن إسبانيا، في انتخابات أعوام 2010، و2012، و2015.
والملاحظ هو أن تلك الأحزاب حققت عدداً أقل قليلاً من المقاعد في كل من تلك الانتخابات. أما الأصوات القومية المجمعة فكانت ثابتة لحد كبير حيث حقق الانفصاليون 48.7?، و47.9? و47.8? خلال الأعوام المذكورة على التوالي. وبتعبير آخر يمكن القول إن «ماس» لا يجب أن يكون أكثر سعادة اليوم مما كان عليه بعد انتخابات عامي 2010 و2012. فالدعم للاستقلال لاينمو، كما أن الدعم له شخصياً في حالة أفول مستمر.
الاختراق الكبير الذي حققته الانتخابات الأخيرة هو الأداء الأفضل لحزب «مرشح الوحدة الشعبية»، وهو ليس حزباً انفصالياً نمطياً أو قوة قومية، وإنما حزب ينتمي لليسار المتطرف، ومضاد للقوى الرأسمالية، وفي نفس الوقت مؤيد للاستقلال. وهذا الحزب يطالب أيضاً بالمزيد من الديمقراطية المباشرة، وطموحاته تتركز على المستوى البلدي والمجتمعي، المستوى الأقرب لاهتمام الناخبين العاديين الذين يؤيدون التشريع بالاستفتاء على الطريقة السويسرية.
ونوع الاستقلال الذي يريده الحزب يذهب إلى مستوى أعمق مما في ذهن «ماس»؛ حيث يريد أن تُنقل السلطة إلى المدن، والمواطنين العاديين، وهو ما يمثل في الجوهر مفهوما شعبياً في هذا الجزء من إسبانيا، حيث المشاعر الوطنية المحلية أقوى عادة من الولاءات المناطقية.
«ماس» وحلفاؤه يواصلون قرع رؤوسهم في جدار المقاومة الإسبانية آملين أن تكون هناك ذات يوم انتخابات تمنحهم أغلبية مطلقة. وليس أمامهم من خيار سوى مواصلة فعل ذلك، وإلا فإن قضيتهم ستتلاشى تدريجياً. وهم ليسوا أقرب لفتح ثغرة في جدار المقاومة الإسبانية مما كانوا عليه منذ خمس سنوات، وكل ما لديهم هو تعددية كبيرة وتنوعات متزايدة من الآراء داخل تلك التعددية.
«ماس» يعرف ذلك جيداً، ولا أعتقد أنه يخطط لاستقلال كتالونيا خلال الـ18 شهراً القادمة بحال من الأحوال. كل ما يريده هو الحصول على موقف تفاوضي أقوى في الانتخابات الوطنية المنتظرة في ديسمبر والتي يتمنى القوميون الكتالونيون أن يخسرها حزب رئيس الوزراء الإسباني «ماريانو راخوي» (الحزب الشعبي)، الحزب المناوئ للانفصاليين والذي استطاع من خلال القضاء الإسباني عام 2010 الحد من حكم كتالونيا الذاتي بالشكل الذي تمت الموافقة عليه في استفتاء 2006.
الحزب الشعبي لراخوي يتصدر استطلاعات الرأي قبل انتخابات ديسمبر القادم، لكن فوزه لن يكون مقنعاً بنفس الدرجة التي كان عليها عام 2011، كما لا يتوقع له الحصول على أغلبية مطلقة حتى لو قام، هو ومنافسه الرئيسي «الحزب الاشتراكي الإسباني»، بالدخول في ائتلاف مع الأحزاب القوية المعارضة للمؤسسة الرسمية –ائتلاف «الحزب الشعبي» مع حزب «بوديموس» (نستطيع)، و«الحزب الاشتراكي» مع حزب «سيودادانوس» (المواطنون).. وإن كان يتوقع لهذه التحالفات أن تقصر عن تحقيق الأغلبية المطلقة.
خلاصة القول هي أن الاستقلال التام ليس هدفاً مباشراً للكتالونيين في الوقت الراهن، لسبب بسيط، وهو أنه ليس مجدياً في حد ذاته، من دون تحقيق إجماع أوسع نطاقاً داخل كتالونيا نفسها.
لذلك فإن «ماس» يحتاج إلى الحصول على نسبة أصوات جيدة في الانتخابات القادمة لجعل قبضته أقوى مما هي عليه الآن.

ليونيد بيرشيدسكي
*كاتب روسي مقيم في برلين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا