الاتحاد

تقارير

حظر الأسلحة الإلكترونية.. على غرار النووية!

عندما ناقش الرئيس باراك أوباما ونظيره الصيني «شي جين بينج» قواعد الطرق الخاصة بالأسلحة الإلكترونية في مؤتمرهما الصحفي الذي عقد مؤخراً في البيت الأبيض، فإن ذلك مثّل علامة بارزة في حقل جديد، حيث كان يعني أن الأمن الإلكتروني الدولي قد بلغ سن الرشد. فمنذ سنوات قليلة فقط، وعندما أدلى مسؤولو الاستخبارات الأميركيون بشهاداتهم أمام الكونجرس حول التهديدات الرئيسية للولايات المتحدة، لم يرد ذكر الحرب الإلكترونية إلا نادراً، أما الآن فإنها تتصدر قائمة هذه التهديدات. ففي أي مرة تواجه فيها البلاد تكنولوجيا جديدة ذات إمكانيات تخريبية، تجد نفسها غير قادرة على التحكم فيها، فإنها عادة ما تلجأ إلى عقد اتفاقيات للحد من الأسلحة. حدث هذا في العصر النووي ويحدث الآن في العصر الإلكتروني. ففي العصر النووي، لم يتم التوصل إلى مثل هذه الاتفاقيات إلا بعد انقضاء 18 عاماً على ضرب هيروشيما بالقنبلة النووية، واليوم نجد أن الأمن المعلوماتي يقف عند نقطة مماثلة تقريباً. فرغم أن شبكة الإنترنت الحديثة ظهرت إلى الوجود في سبعينيات القرن الماضي، فإنها لم تتحول إلى عنصر تمكين لا غنى عنه في النشاطين الاقتصادي والعسكري يحقق لنا الفائدة من ناحية ويجعلنا آمنين من ناحية أخرى، إلا منذ عقدين فقط.
ومع مقدم عصر «الحوسبة السحابية» و«إنترنت الأشياء»، فإن المساحة المعرضة للتهديد تتسع بشكل حثيث.
هل اتفاقيات الحد من الأسلحة هي الحل؟ الإجابة بالنفي، إذا ما تمت نمذجة هذه الاتفاقيات على غرار اتفاقات عصر الحرب الباردة. فتلك الاتفاقيات بينت بقدر كبير من التفاصيل الكيفية التي يتم بها تدبير أمور الأسلحة الكبيرة، والمكلفة، والقابلة للملاحظة. أما الأسلحة الإلكترونية فهي على النقيض من ذلك، يمكن أن تكون في مستوى بسيط قد لا يتجاوز عدداً قليلاً من خطوط الشفرة التي يمكن الحصول عليها بتكلفة زهيدة، وهي متاحة للدول وللاعبين غير الدول وقد يكون من الصعب تمييزها عن غيرها من الأنشطة الحميدة على شبكة الإنترنت. وعلاوة على هذا فإن الجزء الخاص بـ«التحقق» لأي اتفاقية تعقد للتحكم في الفضاء الإلكتروني، سيكون أمراً إشكالياً لأقصى حد.
لكن يمكن للدول المعنية على الأقل أن تتفق على عدم قيام أي منها بمهاجمة قطاعات معينة من البنية الأساسية للدول الأخرى في وقت السلم. والحقيقة أن هذه التوصية قد أدمجت في تقرير شهر يوليو الماضي، الذي أعدته مجموعة من الخبراء الحكوميين التابعين للأمم المتتحدة ووافق عليه الرئيسان أوباما و«شي»، واتفقا على تشكيل لجنة ثنائية من كبار الخبراء لفحصه.
وقد أوصت مجموعة الأمم المتحدة المذكورة بضرورة قبول الحكومات المسؤولية عن تقديم العون لأي دولة تطلب مساعدة عند تعرضها لهجوم ضار، وأن تتعهد بعدم التدخل في عمل فرق الاستجابة للطوارئ التي يتم تشكيلها من قبل دول أخرى للتعامل مع تلك الهجمات، وأن تسعى لبناء ثقة من خلال زيادة شفافية سياساتها الإلكترونية.
كما ناقش الرئيسان إنشاء خطوط ساخنة لتسهيل الاتصالات رفيعة المستوى أثناء الأزمات.
ويسخر النقاد عادة من عبارات مثل «التعهد بأنه لن يكون هناك استخدام أول» للأسلحة الإلكترونية ضد أهداف مدنية معينة. ويتساءلون: ما الذي يمكن أن يحول دون الغش؟ في رأيي أن الذي يمكن أن يحول دون الغش هو «المصلحة الذاتية.
فأي دولة إذا ما شعرت بأنها معرضة للخطر، وكان لديها مخاوف بشأن العواقب غير المقصودة لشن هجوم فضائي، قد تجد أن التعهدات وقت السلم الخاصة بـ«ضبط النفس» يمكن أن تحقق المصلحة المشتركة. كما أن العرف الخاص بكبح النفس يمكن أن يساعد أيضاً في معالجة «أيام الصفر» الخطرة، أو نقاط الضعف الكودية غير المكتشفة.
مثل هذه الخطوات لا تمثل علاجات ناجعة لكل التهديدات، ولا تكفي بحد ذاتها لتوفير الأمن المعلوماتي، حيث سيتعين علينا بالإضافة لذلك التعامل مع موضوع السرقة الإلكترونية للملكية الفكرية، وفساد سلاسل الإمداد لتوفير الرقائق التي تدخل في تركيب أجهزة الكمبيوتر والهواتف الشخصية، وتخريب الكابلات البحرية، والجواسيس المناوئين، وغير ذلك من التهديدات الأخرى.
ويشار هنا إلى أن أول اتفاقية للحد من الأسلحة النووية وهي اتفاقية حظر الانتشار النووي الموقعة عام 1963، واتفاقية عدم الانتشار لعام 1968، لم تحلا كافة المشكلات المتعلقة بالحد من الأسلحة النووية، وأن ما حدث بدلا من ذلك أنهما بدأتا مساراً عملياً، وعلى ما يبدو فإن بداية أوباما و«شي» المتواضعة ستفعل شيئاً مماثلا.

جوزيف ناي*
*أستاذ بكلية كينيدي لدراسات الحكم بجامعة هارفارد
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا