الاتحاد

الاقتصادي

التمويل الإسلامي كمدخل لتنمية مستدامة

Hussain AlQemzi، head of IEA Jury

Hussain AlQemzi، head of IEA Jury

يحق للعالم أن يتساءل، لماذا بعد كل هذا الضخ من السيولة المالية في الأسواق من خلال القروض والتمويل والاستثمارات في الفترة التي سبقت الأزمة المالية الأخيرة، لم يأت بنتيجة غير تشكّل الأزمة وتفاقمها، وزيادة نسبة الفقر والبطالة وحالة اللااستقرار التي تشهدها المجتمعات في بلدان مختلفة من العالم.

وكأن هذا العالم كان يستثمر جاهداً في انتاج أسباب أزماته وفقره!

إن الإجابة الشافية العميقة والعلمية على هذا التساؤل، لا شك ستؤسس لمسيرة جديدة للاقتصاد العالمي تؤدي الى الخروج من تداعيات الأزمات، ومعالجة آثارها بشكل جذري.
إن مدخل الإجابة يكون بتوضيح الفرق ما بين الكم والكيف، أي ليس المهم كمية المال المتداولة في الأسواق بقدر أهمية الكيفية التي توظف فيها هذه الأموال، بل قد يكون ضخ السيولة العالي في الأسواق بالكيفية غير المضمونة وللأهداف غير المناسبة لتحقيق دورة مال صحية وحقيقية من حيث تأثيراتها التنموية، سبباً أكبر في تسريع الأزمات من ضخ سيولة بمقدار أقل.

فقد أدى التركيز على تحقيق أرباح سريعة ووقتية من قبل البنوك والممولين الى تقليص حجم السيولة في القطاعات الإنتاجية الصناعية منها والزراعية، وتركيزها في أسواق الأسهم والمضاربات والإتجار بالعملات وعمليات الإقراض عالية المخاطر، فالبنوك التقليدية تعلم أنها ستبيع مخاطر هذه القروض من خلال بيع سندات الدين للمستثمرين وترحيل المخاطر خارج نظامها المالي، لكن هذا الشكل من إدارة المخاطر لا يوفر حلولا جذرية للمشكلات التي تعاني منها الأسواق بل يزيد في تفاقمها، مما أحدث خللاً في دور ووظيفة المال تجلى في ضعف القطاعات الإنتاجية الرئيسية.

ومن ثم تفاقم هذا الضعف الى مستوى الضعف العام في أداء الأسواق، وبالتالي تأثرت سلباً مقدرة الشركات والأفراد على الإيفاء بمستحقاتهم للبنوك.

هكذا باختصار، حدث ما اتفق على تسميته فيما بعد بأزمة الرهن العقاري، مع أنها في الحقيقة أزمة رؤية لوظيفة التمويل كقائد وموجه لباقي القطاعات الاقتصادية.
لذا يعتبر مبدأ الكيفية والهدف في التمويل الإسلامي أحد المبادئ الأساسية لعمل البنوك الإسلامية وأحد نواظم العمل الاقتصادي السليم للحفاظ على دورة منتجة لحركة المال في الأسواق، ولضمان أن يؤدي هذا المال دوره في الاستمرار بدفع عجلة التنمية نحو الأمام.
ولو استعرضنا الجزء المتعلق بالكيفية وهو صيغ التمويل من البنوك الإسلامية، سنجد أن القاسم المشترك بين كافة الصيغ هو التركيز على الأجزاء المفقودة في صيغ التمويل التقليدي.
وللعلم فإن هذه الصيغ لم تأت وليدة تجربة الأزمات المالية الناجمة عن صيغ التمويل التقليدية، مع التأكيد على أن الاقتصاد الإسلامي استفاد بشكل عام من مراجعة وتحليل التجربة الاقتصادية التقليدية، لكن تبقى الحقيقة أن هذه الصيغ منصوص عليها منذ عقود، أي منذ فجر التعاملات الإسلامية المالية منذ كانت في صورتها التقليدية البسيطة.
بعد استيفاء هذه البنود الأساسية لتنفيذ صيغة التمويل، يشترط بالمشروع المراد تمويله أن يكون في مجال العمل الحلال، وأن يتسم بكافة المواصفات الاقتصادية العلمية السليمة التي تضمن إسهامه بشكل حقيقي في عملية التنمية الاقتصادية من ناحية وتعميم الفائدة على أوسع قاعدة اجتماعية من ناحية أخرى.

هذا من حيث الكيف، أما الهدف فهو ما أكدت عليه النصوص الشرعية، على اعتبار أن المال هو المقابل للجهد ولقيمة الأصول المادية، وليس سلعةً بحد ذاته، تحقق الربح بإقراضها او تجارتها، أو الرهان على اختلاف قيمتها.

فكل أشكال مراكمة الربح عبر هذه العمليات لن تعود على الناتج الوطني ولو بدرهم واحد حتى لو صنعت العديد من الأثرياء، بل إنها تلحق أضراراً بالغة بالاقتصاد الوطني وبمنظومة القيم والأخلاق الاجتماعية التي يجب أن تكون أحد روافد عملية التنمية المستدامة.

إن مشروعية تداول المال في الاقتصاد الإسلامي، مشروطة بوظيفته كأداة للتنمية وتنظيم جهود الأفراد ومكافأتهم وتحقيق الاستقرار والازدهار في المجتمعات وليست أداة للهيمنة والتفاوت الاجتماعي أو الاستعباد بكافة أشكاله.

إن الحفاظ على جوهر الكيفية والهدف في عمليات التمويل الإسلامي لا يمكن أن يتحقق بدون توفير نظام رقابة ومحاسبة مستقل في مصالحه عن المؤسسات المالية التي يديرها.
وبالعودة الى البحث في أسباب الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، سنجد أن ارتباط مصالح هيئات الرقابة والمحاسبة أو ما يعرف بوكالات التصنيف بالمؤسسات المالية وعدم استقلاليتها، قد أثر على دقة وصوابية تصنيفاتها، فبعض المؤسسات والبنوك العالمية التي انهارت بالكامل على أثر الأزمة، كانت تتمتع بتصنيفات عالية من وكالات عريقة في التصنيف الائتماني العالمي.
لذا فإن المرجعيات وكافة الهيئات التي تمارس الرقابة في النظام المالي الإسلامي تتمتع باستقلالية وحرفية مستندة على أرضية عقائدية إسلامية صلبة، تجعل بوصلتها لا تحيد عن توجيه الاقتصاد في المسار التنموي السليم.
إن التمويل الإسلامي بأدواته وآلياته الصحيحة هو جوهر رؤيتنا لاقتصاد إسلامي يحقق التنمية المستدامة.
وتتجلى هذه الرؤية بكل أبعادها في أجندة القمة العالمية للاقتصاد الإسلامي التي تعقد في دبي في الأيام القليلة المقبلة حيث تكرس الإمارات ريادتها في قيادة هذه المنظومة بأهدافها السامية إلى نهضة شاملة مقاومة للأزمات.

*الرئيس التنفيذي لنور بنك، عضو مجلس

إدارة مركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي

اقرأ أيضا

محمد بن راشد يشكل مجلس إدارة «دبي للاقتصاد الإسلامي»