صحيفة الاتحاد

الإمارات

«خبراء»: مستقبل الغذاء في خطر عام 2050

 جانب من الجلسة (من المصدر)

جانب من الجلسة (من المصدر)

أحمد النجار (دبي)

ناقش نخبة من وزراء وخبراء ومتخصصين في التغير المناخي والأمن الغذائي، الكثير من المخاطر والأفكار التي تتعلق باستمرار الغذاء للأجيال القادمة، وقرعوا ناقوس الخطر حول مستقبل الثروة الزراعية في العالم، كما تحدثوا عن السلوكيات الغذائية الخاطئة والتوجهات العامة لأسواق الأغذية التي تصدر منتجات صناعية توصف بأنها «آفة تهدد الصحة العامة» وتكبد الدول الكثير من الخسائر في الأنفاق والموازنات الضخمة وفقدان الأرواح وتشوه بنية المجتمع.
جاء ذلك خلال جلسات تأثير التغير المناخي على الأمن الغذائي العالمي، ضمن جلسات اليوم الثاني من جدول أعمال القمة العالمية للحكومات 2017، والتي حملت عديداً من المحاور، وهي التغير المناخي وسلسلة إمداد الغذاء العالمي الذي قدمها توماس هومر ديكسون أستاذ ورئيس المركز الدولي للابتكار في الحوكمة بكلية بالسيلي، وتحدث في الجلسة الثانية كليب هاربر مفتش أول ومدير مبادرة الزراعة المفتوحة بمختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
كما تضمنت جلسة تناولت الهندسة الحيوية للغذاء قدمتها إيشا داتار الرئيس التنفيذي لنيوهارفيست، وعقب ذلك أقيمت جلسة خاصة حملت العديد من الرؤى والأفكار، وحاولت الإجابة عن سؤال «كيف نصمم مستقبلاً أفضل للطعام».
وأكد المشاركون خلال جلساتهم التي امتدت لأكثر من ساعتين، أن مستقبل الغذاء سيكون في خطر في 2050، ولا يمكن للحكومات مواجهة التحديات التي تهدد مستقبل الغذاء في العالم، أو تتحمل وحدها المسؤولية لإطعام شعوبها في العشرين عاماً القادمة، لكن يجب أن تتبناها كافة المجتمعات بمختلف أطيافها وقطاعاتها الزراعية، عبر تكثيف الجهود الدولية لإنتاج برامج ومشروعات عملية لتطوير أنظمة الغذاء ومنتجاته وتأمين سبل المحافظة على الثروة الزراعية وحماية الأراضي الزراعية من مخاطر التلوث الناجم عن الحروب والتغير المناخي وخفض الانبعاثات الكربونية وتقليص الهدر اليومي وتأمين استمرار إنتاجياتها لمستقبل الأجيال القادمة، وهذا لن يتم بمعزل عن تضافر كل الفاعلين والمؤثرين في صناعة الغذاء وإنتاجه وتصديره واستهلاكه، وتقع المسؤولية كاملة على جميع سكان الأرض، سواء أكانوا مزارعين أم مستهلكين أم طلاباً ومنظمات دولية ومراكز طبية وحكومات وبلديات مختلفة. جاء ذلك خلال جلسة حملت الكثير من الموضوعات الحسّاسة والأفكار المستقبلية التي تسهم في تغيير سلوكيات الناس تجاه الغذاء، كما أشاروا إلى بعض الحلول الابتكارية التي أدهشت الجميع من خلال تنويع مصادر الغذاء بدءاً من الاعتماد على الثروة الحيوانية.

الاحتباس الحراري والتلوث
وتحدث البروفيسور توماس هومر ديكسون أستاذ التغير المناخي في الجلسة الأولى عن التغير المناخي الذي وصفه بأنه أبرز القضايا التي تؤرق المتخصصين وتشغل الرأي العام، وتلقى اهتماماً دولياً واسع النطاق، وذلك لما لهذه الظاهرة من أثر سلبي على البشر، والبيئة، كما سلط الضوء في جلسته على تأثير التغيّر المناخي في أنماط الحياة بشكل مباشر لما له من تأثير على إنتاج واستهلاك المواد الغذائية.
وحذر البروفيسور توماس هومر ديكسون من ظاهرة الاحتباس الحراري وما يترتب عليها من تراكم الغازات، مشيراً إلى أن درجة حرارة الأرض على مدى المائة عام المقبلة سترتفع لتصبح أكثر سخونة بشكل يهدد حياة الإنسان، ونتيجة ذلك فإن الأرض جزء كبير من نظامها البيئي وتتغير أشكال الحياة البرية وتعاني معظم الكائنات من التكيف مع التغيرات، خاصة المحاصيل الزراعية التي تتأثر دورتها الإنتاجية بارتفاع درجات الحرارة.

التكنولوجيا وإنتاج المحاصيل
وقال هومر «أمامنا عقود قليلة فقط للتعامل مع التغيرات الجذرية في الأحوال الجوية ومنسوب البحار والتهديدات الخطيرة لصحة الإنسان، كما أن زيادة فرص حدوث السيول والفيضانات والعواصف والخسائر الزراعية قد تقوض الاقتصادات العالمية. مشدداً على أهمية توظيف الابتكار التكنولوجي لإنتاج المحاصيل المعدلة التي من شأنها التأقلم مع التغير المناخي». وأوضح هومر أن ندرة الموارد البيئية إذا تفاعلت مع عوامل أخرى يمكن أن تقود إلى اندلاع الصراعات، حيث تشكل الموارد الطبيعية محور العديد من النزاعات، ففي الفترة الممتدة من 1990إلى غاية 2002 شهد العالم نحو 17 نزاعاً، وكان التغير المناخي وندرة الموارد في صلب هذه النزاعات، كما شكّلت الموارد الطبيعية مصدر تمويل مادي مهماً للأطراف المتنازعة.

حلول لبيئة مستدامة
وقدم هومر بعض الحلول لتحقيق أهداف الاستدامة البيئية، مفيداً يجب تغيير أنماط الإنتاج والاستهلاك غير المستدامة، واتّباع طرق جديدة ومبتكرة تقوم على الترشيد في الإنتاج والاستهلاك معاً، وتفعيل ضوابط الإنصاف والعدالة، من أجل تمكين جميع الأجيال من الانتفاع والتمتع المتساوي بموارد الكوكب. وشدد على ضرورة أن تكون العلاقة بين الإنسان والبيئة علاقة منفعة متبادلة، فكما أن البيئة تمنح مواردها للإنسان وتلبي حاجاته بما يضمن أمنه وبقاءه على قيد الحياة.
وقال هومر إن سبل المحافظة على استمرارية الموارد الغذائية في المستقبل، سيتطلب من حكومات العالم إجراء تغييرات كبيرة فاعلة وسريعة. ودعا إلى ضرورة التحرك سريعاً لوضع حلول فاعلة تتبناها الحكومات وقادة العالم، للعمل على مناقشة التأثيرات الراهنة والمحتملة حول مستقبل الغذاء، بالإضافة إلى التغييرات الجذرية التي يجب التأكد من تنفيذها اليوم لتحقيق الأهداف التي ترسم مستقبل الأجيال المقبلة.

مشكلات تواجه حكومات ومجتمعات
وعرج كيليب هاربر في جلسته لمناقشة مستقبل الغذاء، وتناول خلالها العديد من المحاور المهمة التي تلعب دوراً كبيراً في صياغة هذا المستقبل وأبرزها، موضوع النمو السكاني، والعادات الغذائية لشعوب العالم وما يمثله تغيّر المناخ من تحديات خطيرة لإمدادات الغذاء في المستقبل. وقدم هاربر توصيفاً دقيقاً لآثار تلك المشكلات، محذراً من مردودها السلبي وانعكاساتها على حياة البشر، كما طرح بعض الحلول التي يجب على المجتمعات وحكومات البلدان تبينها لخلق مصادر جديدة للغذاء وتنويعها لتأمين احتياجاتها من الغذاء في المستقبل.

المزارع الرقمي
وكشف هاربر في حديثه عن دراسة أجراها عن المزارع الرقمي، وقد اعتمد في دراسته على فكرة إنشاء شبكة للمزارعين حول العالم تتسع لمليار إنسان، ويمكن لجميع البشر أن يكونوا أعضاء فيها كمزارعين فاعلين يزرعون ويحصدون ويقومون بأعمال كثيرة كما لو أنهم في مزرعتهم، وذلك من خلال شبكة معلومات كبيرة تزودهم بالتعليمات وتحيطهم بالأفكار اللازمة ليكونوا بعد ذلك منتجين يوميين، ولا يخشى على مستقبلهم الغذائي في المستقبل.

الاستغناء عن لحوم الحيوانات
بينما تناولت إيشا داتار في جلستها كيفية الهندسة الحيوية للغذاء، وتوفيره على الأرض والحد من هدر الطعام، لافتة إلى حجم الهدر الذي وصفته بأنه أحد أكبر التحديات التي يعيشها العالم اليوم، والمتمثلة في هدر الموارد والتوزيع غير العادل لنسب الطعام بين شعوب العالم. وناقشت إيشا الحلول لتبني الممارسات السليمة في توزيع واستهلاك الطعام، كما سلطت الضوء على الحلول والإجراءات التي أثبتت جدواها بخفض معدلات هدر الطعام في بعض دول العالم المتقدمة. وقالت إيشا إن مستقبل الغذاء سيتغير، ولن تعود الحيوانات تمثل جزءاً كبيراً من عناصر غذائنا اليومي، ولن نعتمد على اللحوم أو الحليب أو الأجبان أو الزيوت المستخلصة من جلدها، بل سيتم إنتاجها من خلال خلايا مستخرجة من تلك الحيوانات عوضاً عن تربية ملايين من المواشي والأبقار في مزارع ضخمة، وأشارت إلى إمكانية العمل في إنتاج تلك الخلايا لتكون بديلاً عن أنواع مختلفة من الطعام الذي نأكله مثل منتجات اللحوم والبيض والأجبان وغيرها.

نشر الوعي الصحي
وأضافت: لابد من تغيير أسلوب الزراعة وتنويع مصادر الغذاء الذي نستهلكه، والتركيز على الزراعة الصحية والطعام الطازج والتشجيع على استهلاك المنتجات الصحية. وقد دعمت ذلك بفيديوهات لنماذج شركات تنتج الغذاء العضوي والصحي في بعض بلدان العالم، كما نوهت إلى أهمية التقليل من هدر الطعام، مشيرة إلى دور التكنولوجيا الرقمية والتطبيقات على الهواتف الذكية التي تقدم لنا أفكاراً ونصائح مهمة فيما تحتاجه أجسادنا من طعام ونوعية الأكلات التي يجب أن نستهلكها أو نبتعد عن تناولها. لهذا يجب تطويع التكنولوجيا في نشر ثقافة الوعي الصحي واستهداف الملايين من خلالها، واستشهدت في ذلك بأمثلة قدمتها عبر فيديوهات قصيرة نقلت عبرها تجارب عن نمط الحياة الصحي والرياضي والغذائي، وقدمت فيها نصائح ومعلومات قيمة لنشر الوعي بأهمية الغذاء الصحي.

تأثير السياسة على الزراعة
واتفق المشاركون في الحوارية على أن مدينة دبي بإمكانها أن تكون مثالاً يحتذى به على مستوى الأمن الغذائي الصحي، ويمكن بناء هذا النموذج وتعميمه للعالم من خلال سياسات وبرامج استراتيجية يمكن استخدامها لضمان الأمن الغذائي، وقال الوزير الأميركي السابق دان جليكمان إن السياسة والزراعة تربطهما علاقة متكاملة، موضحاً أن السياسة تلعب دوراً مؤثراً في رسم سياسات الغذاء في العالم، وقال إن جميع البشر يدركون أهمية الغذاء لكونه جزءاً من حياتهم ومستقبلهم، وأضاف: «نحن ننام ونأكل ونعمل، هذه هي حياتنا، لذلك فإن الغذاء مهم لاستمرارنا في الحياة».

الأمن الغذائي مطلب عالمي
وبسؤاله هل بإمكان الإمارات بصفة عامة ودبي بصفة خاصة أن تؤمن مصادر الاكتفاء الغذائي للخمسين عاماً المقبلة، قال جليكمان إن الأمن الغذائي مطلب تسعى إليه كل بلدان العالم، لكنه ليس بالأمر السهل، حيث يجب أن ترافقه الكثير من الدراسات والبحوث الزراعية، مع تأمين موازنات مالية ضخمة تكفل لها إنتاج حلول لتنمية غذائية مستدامة. ثانياً يجب مقاومة التغير المناخي الذي يشكل تهديداً لقطاع الزراعة في العالم، ويشكل خطراً محدقاً على ملايين الهكتارات من الأراضي الزراعية التي تشهد تقلصاً بسبب التغيرات المناخية والتلوث والحروب والكوارث الطبيعية وغيرها.

الثقة بين المستهلكين وصناع الغذاء
ولفت إلى أن أغلب كليات الطب في بلدان العالم، لا تعلم الطلاب كل ما يرتبط بالغذاء، لهذا يجب أن تلعب التكنولوجيا اليوم دوراً في هذه المهمة، كما يجب استغلالها أيضاً في تشغيل القطاع الزراعي. وأضاف: نحتاج إلى الكثير من الوقت والنقاشات لتعزيز الثقة بين المستهلكين وصناع الغذاء ولا نتوقع أن نشهد تغييراً في السنوات الخمس المقبلة، ما لم تتدخل القيادات السياسية في هذا الأمر، وتضطلع بدورها في تتبنى رؤى واضحة وتقدم دعماً سخياً.

أكبر مزرعة للزراعة العمودية
وفي مداخلته، قال مارك زورنس الرئيس التنفيذي «WINNOW»، حرصنا في مشروعنا بوصفه أكبر مزرعة في العالم للزراعة العمودية، أن نساهم في صياغة مستقبل غذائي أكثر أماناً واستقراراً، معتبراً بأنها فكرة جديدة يمكن تعميمها في العالم، وهي مثالية لحصد المحاصيل، كما أن لدينا أبنية شاهقة الأبراج لإنتاج المواد الغذائية، ونعتمد على التكنولوجيا في زراعة ما نريد لنحافظ على الأمن الغذائي، وقد نجحنا من تقليص من نسبة هدر الغذاء والمياه.

الخضراوات بديلة للكربوهيدرات
تحدث كل من وديفيد روزنبرغ الرئيس التنفيذي لـ AEROFARMS، وجريج شوميكر مؤسس FUTURE+FOOD، عن أهمية استثمار منصة بيانات ضخمة حول تقليل هدر فضلات الطعام، ومحاول وضع خريطة عن النفايات الموجودة في المنازل والمطاعم والشوارع وغيرها ليمكن إداراتها والتحكم بها في المستقبل، وهذا يتطلب الكثير من البحوث والدراسات لتطبيق هذه الفكرة والانطلاق على ضوئها. وشددوا إلى ضرورة إنتاج الخضراوات والفواكه بكثافة لتحل بديلاً عن أنماط غذائية أخرى مثل الكربوهيدرات التي تعود عليها البشر.

تحديات لإطعام 8 مليارات إنسان بعد 33 عاماً
في جلسة حوارية، حملت أسئلة عن كيفية تصميم مستقبل غذائي أفضل للأجيال المقبلة، والتي قدمتها ليندا ديكن، بمشاركة وزير الزراعة الأميركي السابق دان جليكمان، ومارك زورنس الرئيس التنفيذي «WINNOW»، وديفيد روزنبرغ الرئيس التنفيذي لـ AEROFARMS، وجريج شوميكر مؤسس FUTURE+FOOD»، تحدثت ليندا ديكن عن كيفية خلق مستقبل غذائي أفضل للعالم، وقالت يجب أن يتغير أسلوب تناولنا للطعام مع الوقت، ويجب أن ندرك جيداً ماذا نزرع وكيف نزرع ولمن؟، أسئلة كثيرة جملتها ليندا، وأشارت إلى أن العالم في السنوات الخمس الأخيرة أصبح يفكر بشكل جدي حول مسألة الأمن الغذائي، وأصبح صنّاع الغذاء يدركون الخطر الذي يداهم مستقبل ويهدد حياة الأجيال القادمة، لهذا يجب صياغة سياسات جديدة للغذاء تتحكم بإنتاجه وتصنيعه وتصديره واستهلاكه، وعرضت ليندا ثلاثة تحولات غذائية من شأنها أن تسهم في صياغة مبادرات عالمية. أبرزها دور الأنظمة الصناعية المؤثر في تغذية البشر إلا أن هذا التحول الصناعي يؤثر على أمننا الغذائي من الناحية الصحية لذلك يجب إصدار قوانين لفرض آلية للتحكم على الأسواق العالمية لتصنيع الغذاء الصحي، وهذا يعتبر عائقاً معقداً لكن يجب الاهتداء إلى حلول لهذه المشكلة في جدول زمني قصير. كما تطرقت إلى تحديات الأسواق الصينية كونها المنتج الأكبر لمعظم الأغذية التي تغزو بها أسواق العالم، وقالت بأنه يجب أن نهتم بتوصية كبار منتجي الغذاء بالتوجه إلى صناعة الغذاء الصحي كونها ستكون مسؤولة عن الأضرار الصحية التي قد تهدد حياة ملايين البشر. وأوردت في ذلك أمثلة على المطاعم العضوية والصحية التي يجب توسعة نشاطاتها وتشجيع 8 مليارات إنسان في كافة المجتمعات. ولفتت إلى أهمية سنّ أنظمة غذائية قوية تسري على كافة البلدان في العالم، تستطيع على المدى البعيد أن تؤمن المستقبل الغذائي للبشرية، ليثق بها الناس وتكون مسؤولة عن إطعام 8 مليارات إنسان في العام 2050، ويجب الإيفاء باحتياجاتهم وتوفير الغذاء لهم، ولابد أن يكون الغذاء صحياً ومفيداً.