الاتحاد

الملحق الثقافي

الغيمة والقبر

د·محمد لطفي اليوسفي

د·محمد لطفي اليوسفي

حين أقام الشاعر الإسباني لوركا في نيويورك سنة 1929 قلبت هذه الإقامة رؤيته للعالم ولقضايا الوجود والفن· لم يتعامل لوركا مع نيويورك تعاملاً أيديولوجياً، بل رصد ما أحدثته من زلزلة في كيانه· لذلك كتب في مقدمة الديوان اخترت عنوان ''شاعر في نيويورك'' وكان ينبغي أن أقول ''نيويورك في شاعر''· وعلّل ذلك قائلاً: ''إنني لن أحكي لكم ما هي نيويورك من الخارج··· إن ما سأقدمه هو ردّ فعلي الوجداني العاطفي بصدق وعاطفية''· ولذلك أيضاً جاءت جميع قصائد الديوان طافحة بشجن لا يطفأ، جاءت في شكل مراثٍ للإنسان والكون·
لكن الناظر في الصورة التي يبتنيها الشعراء العرب، يلاحظ أنها صورة ملتبسة لأنها تحمل في صلبها نقيضها· لكأن وعي الشاعر العربي يحرص على التفنّن في رسم أميركا باعتبارها مصدر الأفول الكوني المتربّص بالبشر والدنيا· أما لاوعيه الذي يتراءى في النصوص فيخفي افتتاناً بأميركا ومنجزاتها· وفي حين تبدو مواقف الشعراء من أميركا عدائية فاضحة لا تقبل التأويل لأنها بيّنة صريحة بموجبها يكاد الشعر يتحوّل إلى شعارات سياسية، تأتي المستويات العميقة من تلك النصوص محمّلة بالافتتان والإعجاب، حتى لكأن الشاعر الذي يرسم لأميركا صورة في منتهى القتامة يتمنّى في السرّ أن يخرج من جلده ويتماهى مع الأميركي ويصبح هو·
فمثلما خصّ لوركا نيويورك بديوان كامل، كتب أدونيس ''قبر من أجل نيويورك''، ثم عاد سنة 2008 وكتب ''غيمة من أجل نيويورك''، وما بين رمزية القبر ورمزية الغيمة ثمّة حكاية توبة وتكفير· عمد أدونيس في ديوانه الأخير ''ليس الماء وحده جواباً عن العطش'' إلى كتابة ستّ قصائد تحمل عناوين ''غيمة فوق نيويورك'' و''غيمة فوق البحر الميت'' و''غيمة فوق قرطبة'' و''غيمة فوق الإسكندرية'' و''غيمة فوق أغادير'' و''غيمة فوق قصابين''· هل جاءت قصيدة ''غيمة فوق نيويورك'' لتمحو ما كان الشاعر قد كتبه في قصيدة ''قبر من أجل نيويورك''· إن الغيمة مقترنة في الذهن البشري بمعان حافة رمزية تتعارض بالكلّ مع المعاني التي تحاط بها كلمة القبر وصورته· هل القصيدة كتبت استرضاء أو تكفيراً عما جاء في القصيدة الأولى من رغبات لجوج في تدمير نيويورك كلها· لقد انتشرت غيمات أدونيس من نيويورك ووصلت إلى قصابين التي شهدت مولده مروراً بمدن عربية موزّعة على الخارطة العربية مشرقاً ومغرباً وتاريخاً·
لم يكن أدونيس في السبعينات، تاريخ كتابة هذه القصيدة، يتكتّم على انتمائه الفكري لأن الانتماء إلى اليسار وقتها كان ميزةً وشرفاً ومجداً·
كانت نيويورك في نظر أدونيس غريماً أبدياً· فتآخت في ديوانه الأخير مع المدن العربية· بها يفتتح الكلام ثم يتفنن في ذكر مزايا المدائن العربية لينتهي إلى تمجيد قصابين وطفولة الشاعر· فإذا كانت أمجاد الدنيا قد أعلنت عن نفسها في نيويورك حضارة وعلماً وتقدّما فإنها تنتهي إلى قصابين شعراً وإبداعاً

اقرأ أيضا