الاتحاد

تقارير

ما الذي يجعل «الكيماوي» مختلفاً؟

بدأ المفتشون الدوليون المكلفون بالإشراف على تدمير ترسانة الأسلحة الكيماوية السورية عملهم، ولكن بمجرد أن بدأوا تنفيذ عمليات التفتيش في دمشق، تواصلت الاشتباكات الدامية بين القوات الموالية لنظام الأسد ومقاتلين من «جبهة النصرة» المتطرفة، التي ترتبط بتنظيم «القاعدة»، على حافة المدينة.
وتذكرنا عمليات التفتيش التي تجرى على أرض الواقع في ظل خلفية من عنف الأسلحة التقليدية، التي تحصد هي أيضاً عدداً كبيراً من القتلى المدنيين، بواحد من أكثر التناقضات وضوحاً وإثارة للجدل فيما يتعلق بالاستجابة العالمية للصراع السوري، ألا وهي الاهتمام المكثف للمجتمع الدولي - وعلى الأخص الحكومة الأميركية - بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية، واللامبالاة النسبية تجاه العنف الذي يرتكب باستخدام الأسلحة الأخرى التقليدية، والذي راح ضحيته حتى الآن عدد هائل من القتلى يزيد على 100 جراء الصراع الدائر في سوريا.
وفي تعليق نشر على موقع الشؤون الخارجية الأسبوع الماضي، تتساءل باتسي جوسي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة كولورادو عما إذا كان المجتمع الدولي يركز على المعيار الخاطئ في سوريا، أو على الأقل يغفل عن أبعاد أخرى أكثر إلحاحاً في الصراع. وعلى أي حال، أليس الاستهداف المتعمد للمدنيين، بأي شكل من أشكال الأسلحة، يعتبر أيضاً انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي؟
إن النظر إلى حالات الضحايا بين المدنيين من خلال جريمة استخدام الأسلحة الكيماوية ينبغي أن تصحبه أيضاً نظرة أخرى إلى القتل بغيره من أسلحة، خاصة إذا تعلق الأمر بالمدنيين من نساء وأطفال ومسنين وجميع الفئات غير المعنية بالانخراط في الصراعات المسلحة. لقد قتل المدنيون لأن سوريا انتهكت ما هو ممنوع في القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وهو الهجمات المتعمدة على المدنيين وقتلهم بدم بارد وبشكل جماعي.
وقد أشار البعض إلى أن الضعف العام وعدم الفاعلية أو الصرامة في الإدانة الدولية عقب القيام بهجمات أخرى متعمدة ضد المدنيين السوريين قد مهد الطريق أصلاً للقيام بهذا العمل الوحشي الأخير. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه ينبغي على المجتمع الدولي أن يبذل قصارى جهده لحماية قاعدة الحصانة المدنية وعدم استهداف المدنيين في زمن النزاعات والحروب كما يحمي حظر استخدام الأسلحة الكيماوية، بذات القوة وبذات الفاعلية أيضاً.
في مدونة ذائعة تطرح تاشرلى كاربنتر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ماساتشوستس، سؤالاً محورياً هو: لماذا يتم يتعامل القاعدة المتفق عليها ضد استخدام الأسلحة الكيماوية بصورة أكثر جدية من تناول القاعدة الأساسية ضد قتل المدنيين أصلاً.
وتشير كاربنتر إلى أن استخدام الأسلحة الكيماوية يلقى إدانة عالمية «ليس في المقام الأول بسبب شبح عدد القتلى من المدنيين، وإنما بسبب الطريقة التي تهدد بها الأسلحة من هذا النوع النظام الدولي وسيادة الدول»، بشكل خطير.
وبصرف النظر عن كونها غير شرعية، فإن هذه الأسلحة غير قابلة للسيطرة، وعلى هذا النحو فهي لا تهدد فقط المدنيين وإنما أيضا واضعي السياسات وحلفاءهم.
والدول، على مدار التاريخ، تصاب بالرعب من الأسلحة التي يمكن، فور انتشارها، أن تأتي بنتائج عكسية عليها أو تقع خارج السيطرة السيادية أكثر من رعبها من الأسلحة التي تثير الذعر بنفس القدر ولكن انتشارها وآثارها يكونان أكثر خضوعاً للقيود التي تفرضها الدول عليها.
ومثلما هو الحال في القاعدة التي تعارض اغتيال زعماء النظم، بحسب ما تقول كاربنتر، فإن الأسلحة الكيماوية تعتبر أيضاً «خطاً أحمر» لأنها تعتبر تهديداً لما هو قوي وحساس للغاية، وليس لأنها تهدد المدنيين البسطاء، الذين لا حول لهم ولا قوة، ويفترض أن يكونوا أصلاً هم الأولى بالحماية.
كما أن الأسلحة الكيماوية غير عادية أيضاً لجهة تاريخ حظرها، لأن القاعدة الدولية التي تعارض استخدامها تسبق التاريخ الفعلي لبدء هذا الاستخدام أصلاً. فقد طالب إعلان لاهاي لسنة 1899 الدول «بالامتناع عن استخدام القذائف القابلة للانفجار والغازات الخانقة أو الضارة».
وبالطبع، فقد فشلت هذه القاعدة في منع استخدام هذه القذائف في ساحة المعركة خلال الحرب العالمية الأولى، غير أن الجهود الرامية إلى حظر هذه الأسلحة بشكل دائم بدأت تؤتي أكلها بعد الحرب. غير أن البعض قد أشار إلى التناقض في الغضب العام حول استخدام هذه الأسلحة إلى جانب ذلك.
وقد كتب «إيرل جي أتكيسون»، قائد الوحدة العسكرية الأميركية الأولى للغاز في الحرب العالمية الأولى، في عام 1925 يقول «إن الحرب تمثل أمراً بغيضاً للفرد، ولكنه يقبل تفجير الرجال إلى قطع متناثرة باستخدام متفجرات شديدة، أو حتى إغراق سفينة حربية في وسط المحيط وعلى متنها ألف أو 500 رجل يحملون إلى موت محقق... إلا أن حرق جلد إنسان يثير كل الغرائز المتحضرة».
إن الأسلحة الجديدة عموماً تصدم العامة بشكل فذ، ولكنهم قد يقبلون في الغالب شرعيتها بمرور الوقت. وقد مر ما يقرب من قرن على استخدام الأسلحة الكيماوية، وعلى رغم ذلك فإن منع وحظر استخدامها لا يزال قائماً على نحو قوي. ومن دون تقليل خطر استخدام هذه الأسلحة أو المعاناة التي تسببها بأي شكل من الأشكال، فالأمر يستحق النظر لمعرفة السبب في كون هذه الأسلحة بغيضة بشكل فذ، ولماذا لا يطبق هذا الاتجاه على أساليب القتل الأخرى.


جوشوا كيتينج
كاتب ومحلل سياسي أميركي


ينشر بترتيب مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا