صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

محمد منير يدخل إلى السجين بعيداً عن القضبان

أدب السجون يمثل أحد أهم الأدبيات الموغلة في القدم· وأرباب هذا اللون من الأدب لجأوا إليه في الغالب للتعبير عمّا ألم بهم من جراء وجودهم خلف أسوار السجون لفترات من حياتهم، طالت أم قصرت، لأسباب عديدة·
هكذا كانت تتحدث كتب أدب السجون التي حققتها وأخرجتها وسائل صناعة الكتب على اختلاف أنواعها، وتداولتها الأيدي في كل مكان·
في كتاب ''السجين'' لمحمد منير، يسعى المؤلف إلى رصد الحياة خلف القضبان، التي عاشتها كوكبة من ذوي الرأي، وأصحاب الاتجاهات السياسية المختلفة في مصر، ممن أودت بهم معتقداتهم إلى تلك النازلة، التي ما من شك أنها حفرت داخلهم أخاديد من الألم، جرت فيها ذكريات امتزجت فيها دمائهم بأحبار أقلامهم·
في هذا الكتاب، يفسح المؤلف، احتراماً منه للوضعية التي عاشها بعض من مثقفي مصر داخل الزنازين، المجال أمام من حاورهم ليعيشوا مع هذه الذكريات ويعبروا عنها ما شاء لهم، فمثّلت كلماتهم نبراساً للكثيرين الذين أعجزتهم المغالطات المكتوبة وما بثته وسائل الأعلام التي يمتلكها هذا النظام أو ذاك، عن فهم ما كان يدور في كواليس السياسة والحكم، وكذا الدوافع التي حكمت التيارات الفكرية والسياسية المتلاطمة في مصر آنذاك·
وقد بذل المؤلف جهداً غير عادي في تجميع المادة التي مثلت النسيج المتين لمحتويات الكتاب، من حيث الجلوس إلى عدد كبير من صفوة أهل الفكر ممن ضجت بهم جدران السجون، ومقدرة المؤلف على وضع هذا الكم من الشهادات الحية بين دفتي كتاب واحد في تناغم فريد، لا يملك القارئ حياله سوى الاستغراق الممزوج بالمعايشة لهذه التجارب الإنسانية·
وما يعطي لتلك التجارب مصداقيتها هو أن أصحابها مازالوا فاعلين على الساحة الفكرية والسياسية في مصر، ومع القسوة التي عانوها، إلا أن أغلبهم لم يبد شيئاً من الندم على السنوات الطوال التي راحت من أعمارهم في السجون، بل ربما زادتهم تمسكاً بمعتقدهم، ومنهم من أنضجته التجربة ورسخت لديه مفاهيم إيديولوجية ربما لم تكن لديه في السابق، فاتخذ من العمل السياسي وسيلة لتطبيق هذه المفاهيم، غير مبال بما قد يحدث له ويتعرض إليه من غضب·
على الجانب الآخر، هناك من كانوا متشددين في اتجاهاتهم السياسية، ولكن التجربة كسرتهم، فخرجوا وهم يقسمون بأغلظ الإيمان بأن يبتعدوا عن كل ما يتعلق بالعمل السياسي·
ومن الأقطاب الفكرية ذات الحضور القوي في المشهد السياسي المصري، والتي ورد ذكرها بين دفتي هذا الكتاب، نجد المفكر الاسلامي فهمي هويدي، وهو من رموز تيار الوسط أو الاعتدال الإسلامي، حيث سرد واقعة دخوله المعتقل وهو لا يزال طفلاً يافعاً لم يتعد السادسة عشرة، بسبب تهمة قلب نظام الحكم التي يراها ''كوميدية''، فكيف لمن في هذا العمر المبكر، أن يشارك في مثل هذا العمل، أو أن يعرف معناه من الأصل، حيث تحدث عن وقائع التعذيب التي تعرض لها وعايشها التي وصلت لدرجة تعذيبه هو والده في نفس المعتقل، وفي ذات التوقيت، وهي مسألة لا مراء في أنها من الصعوبة بمكان ألا تترك مرارات في النفوس· ومع ذلك نجد أن هويدى، تحدث إلى محاوره، لافتاً إلى أنه عمل على أن يتجاوز هذه المحنة، وأن ينخرط في العمل السياسي، دونما أن يدع لها مجالاً للتأثير عليه في كيفية دفاعه عن المبادئ والمفاهيم التي يؤمن بها، وعن التصاقه بالقلم معتبراً إياه سلاحه القوى، واصفاً كلماته بأنها ''مدببة'' حتى يمكن أن يكون لها تأثير فعال في المعارك الفكرية العديدة، التي كان ولا يزال يخوضها·
على النقيض من فهمي هويدي، كان قطب الماركسية، المفكر المصري د·رفعت السعيد، الذي ألقي القبض عليه هو الآخر في سن الخامسة عشرة، بتهمة الشيوعية، وبدوره لم يكن يعلم ماذا يعنيه هذا المصطلح، الذي كان جديداً على الأذهان حينها، وبدأت رحلته مع السجون والمعتقلات التي أخذت من عمره أربعة عشر عاماً، خرج منها بمفهوم جديد يتمثل في ''تفوق الانسان على الحمار في القدرة على تحمل الضرب''، كما تحدث السعيد عن نظرة ''السجانين'' في المعتقل إلى الكيفية التي يتعاملون بها مع من هم خلف القضبان، معتقدين أن ضربهم وتعذيبهم مسألة عادية تفرضها مقتضيات ''أكل العيش''، وأنهم مع رفضهم للحكومات، مضطرون إلى تنفيذ أوامرها حفاظاً على مصدر رزقهم·
ثم ينتقل المؤلف في محاوراته إلى الأديب والروائي جمال الغيطاني، الذي استرجع بدوره ألوان القهر التي تعرض لها هو ورفاقه في السجن، والذي كان أخف وطأة مما كان يتعرض له معتقلو ''الإخوان المسلمون''، في نفس المكان، وهو ما يعتقد الغيطانى، أنه أفرز تيارات عنف غير عادية تمثلت في التنظيمات التكفيرية التي ظهرت في مصر في سبعينيات القرن الماضي، فكانت نتيجة طبيعية للأهوال التي تعرضوا لها داخل أسوار المعتقلات·
كما لفت إلى أن من أقسى ما تعرض له ''شتيمة أمه'' وهو الشيء الذي لم يستطع نسيانه·