الاتحاد

عربي ودولي

"مقاربات".. أحلام الكلمات.. وجنة الإنسان القارئ..

ذياب شاهين:

يبتعد غاستون باشلار 1884- 1962 عن النفسي بوصفه تحليلاً إلى الظاهراتي أو الفينومينولوجي بوصفه فلسفة، وأطروحته ببساطة هي أن كل وعي لشيء هو نمو للوعي، ومعاصر لصيرورة نفسانية نشيطة· والوعي هو عمل حاد، وقصديته حاضراً أو رجوعاً نحو الماضي أو حتى امتداداً لما هو آتٍ، يجدها باشلار متمترسة في مجال اللغة، وتحديداً اللغة الشعرية·
الحلم ينأى بصورة مفارقة عن ظاهراتية الصور الخلاقة، واللاوعي هو غير المخيلة· وعندما يريد المحلل النفسي وثائق معينة سيجدها في سردية الحلم، أما الفيلسوف فإنه يجد ضالته في فينومينولوجيا المخيلة، وفي شاعرية أحلام اليقظة، التأملات تنشد حياة ومستقبلاً في الكون، ومن هنا تتوسَّم الكينونة في كون نعيش فيه·
يعتقد باشلار أن اللاوعي يفقد كينونته في حالات التأملات الشاردة، التي هي مادّة ليلية منسية في عز الظهيرة، ولكنها عند المحلل النفسي مادّة غامضة من دون تركيب أو تأريخ ومن دون ألغاز، وبالتالي فإن مجال النفس الإنسانية، وبهذه الثنائية المتصادمة، قد تشجع المحلل كي يزعم بأنها تحت سيطرة يديه، إلا أن الفيلسوف الظاهراتي يجد أن القضية أعمق من ذلك بكثير، فالتأملات لديه ظاهرة روحانية وطبيعية ولا يمكن تحليلها بوصفها تفرعاً عن حلم، بل للتمييز بينهما، أي بين الحلم والتأملات الشاردة، وهنا لابد من توظيف الظاهراتية لكونها حاسمة بفض الاشتباك بينهما· يرى شيلي أن المخيلة بإمكانها أن تجعلنا نخلق ما نرى، ويرى باشلار أن مقولة شيلي هذه تمثل مبدأً أساسياً في فينومينولوجيا الرسم، ولتكون ممكنة التطبيق على فينومينولوجيا الشعر ستحتاج إلى مزيد من التوتر· إن الانعزالية الحالمة تعزِّز ثقتنا بالكون، بل إنها ظاهرة تنمو جذورها في روح الحالم· كما أنها تنفي الزمن، حيث تمسك الروح على طمأنينتها في العوالم التي تتخيلها التأملات الشاردة· الروح إذن سوف تلح في طلب العوالم التي ترتاح إليها، والعوالم التي تستحق أن تعيش فيها من خلال نشاط مخيلتها ومن خلال رحلاتها ومعاريجها، المخيلة النشطة تجلب عوالم مختلفة والروح المتلهفة تلهب حماس مخيلتها في تنوع تأملاتها، التأملات العميقة تعني عوالم بعيدة واحة للوح وتفتت للزمن·
اللغة عند باشلار حالمة، بل إنها تستفزه نحو الحلم، والقراءة عملية مضنية، متعثرة، وطالما تستوقفه كلمة لتمنعه من إكمال القراءة والانغماس في تأملات تلهث إليها روحه، لذا لا نتفاجأ عندما نسمعه وهو يقول: أنا في الحقيقة حالم كلمات، حالم كلمات مكتوبة، أعتقد أنني أقرأ فتوقفني كلمة، أترك الصفحة، فتدخل في هيجانها أجزاء الكلمة، تنعكس الحركات الصوتية فتترك الكلمة معناها كحمل ثقيل يعيق عملية الحلم، وتأخذ الكلمات معاني أخرى كما لو أنه يحق لها أن تكون في ريعان الشباب عندها تروح الكلمات تفتش في أدغال اللغة وكلماتها عن رفاق جدد، عن رفاق سوء·
القراءة عند باشلار ليست خطية، بل هي دخول في عالم مجهول، كما أن الكلمات تغدو بوابات لعوالم مختلفة تصنعها المخيلة، الكلمات هنا تغادر مداليلها القاموسية، وترميها جانباً وكأنها حمل ثقيل· كما أن الفونيمات أو الصوتيات تتوتر وتنعكس الأصوات بحركة ارتدادية، مبتعدة وخالقة معنى آخر، وكأن الكلمة قد خلقت من جديد باحثة عن كلمات أخرى لتكوين جمل جديدة، إنها تجربة غير عادية تلك المتولِّدة عن القراءة وعن ميوعة الكلمات ورجراجية المعنى، أما العودة ثانية من هذه التأملات إلى عقلانية اللغة، فإنها تبدو وكأنها عودة المسافر الذي عاد محملاً بالحقائب واللقى والعطايا والهدايا·
إذا كانت القراءة تعود بالكاتب إلى تأملات بواباتها الكلمات، فإن الكلمات هنا ستكون عصية الاصطفاف، بل هي في مرحلة طفولة وولادة، وهنا ستكون الريشة التي يكتب بها الشاعر هي من يتكلم، يساعدها على ذلك بياض الورقة، إن قدر الكاتب هنا هو أن ينحت ويخيط ويُزخرف كي تكون أفكاره متناسقة،حيث ستتكلَّم التأملات، أما الكاتب فإنه هو من سيحلم في هذه التأملات على الرغم من أنه هو الذي سيقوم بنقلها ونسخها·

يرى باشلار أن الكلمات تحلم، بل هو يرى أن جنون تأملاته يقوده إلى حقيقة غير عادية تلك هي وجود ملفوظ مؤنَّث لكل ملفوظ مذكر، وهو إذ يجد في المؤنث وظيفة فرعية أو ثانوية فهو يعزوه إلى سلبية اللغة فهي التي تعطي الانحياز للمذكر· إن وظيفة التأملات أو ربما جوهرها هو في واقعه جوهر أنثوي، وهي إحدى حالات الروح الأنثوية· وهنا نلحظ وكأن باشلار يقر، من حيث لا يدري، أن الإنسان سواء أكان مذكراً أم أنثى ينشد عالم الآلهة الأم الذي ساد سابقاً قبل سيادة الإله المذكَّر؛ فالعالم الأول كان آمناً وهادئاً وشفافاً وأكثر راحة للإنسان، عكس عالم الإله الرجل، والذي كان عالم الحروب والقلاع والموت، بل إنه عالم عدائي وغير آمن·
الشاعر هو من يقودنا إلى تلك المتعة البعيدة من خلال نصوصه وصوره الشعرية، والشاعر حسب باشلار لا يقول ما يكتب، بل هو دخل في مملكة النفسية المكتوبة، ونحن كقرّاء نجد في القراءة بعداً للنفسية الحديثة؛ إذ يتكلَّم الكتاب معنا فسنكون نحن بحاجة إلى مزيد من الكتب وسنردِّد مع باشلار، ونحن نصلي لإله القراءة: أعطنا كفاف يومنا، وستكون أمانينا هي نفسها أمنياته عندما يتمنى أن تسقط عليه من السماء سلال مملوءة بالكتب، فهناك، أي في السماء، توجد الجنة، والجنة لدى الإنسان القارئ مكتبة هائلة، وهذا ما تساءل عنه باشلار عندما قال: أليست الجنة فوق السماء مكتبة هائلة؟

اقرأ أيضا