الاتحاد

ثقافة

جمال مطر ينغمس في شغفه العميق بالمتنبي

جمال مطر

جمال مطر

جهاد هديب (دبي) - كم باتت ممارسة الحريّة الداخلية في «الكتابة» العربية في هذا الزمن ضيقة، إلى حدّ أنها تجف من كتابات كثيرة، وتحديدا في الكتابة الأدبية بأنواعها. إنما في نصه السردي - روايته «رب واحد يكفي» التي صدرت مؤخراً عن الدار الإماراتية «كتاب للنشر والتوزيع» في مائة وسبع وسبعين صفحة من القطع المتوسط، يرفع المخرج المسرحي والكاتب جمال مطر السقف إلى أعلى درجة خيال ممكنة ثم يمشي - يكتب من دون أن يضطر حتى لخلع قبعته.
وهذا ما منحه جرأة عالية في الكتابة في روايته التي هي حصيلة تخييلية لشغف بشاعر كلاسيكي عربي عظيم هو المتنبي، وذلك بدءاً من عنوانها الإشكالي وتصنيفها الأدبي، فهل هي رواية بالمعنى المتعارف عليه نقديا؟.
ردا على ذلك قال جمال مطر لـ«الاتحاد» إنه كتب دون أن يفكّر في الشكل الذي سيأخذه النص إلى حد أن من الممكن اعتباره مقالة مثلا، لذلك كنت أمارس نوعا من الكتابة التي أحبها عن شاعر أعتبره أكبر شعراء العربية إلى الآن، وقد قرأته وما زلت أقرأه وأستمتع بقراءته، ربما هذا ما تقصد به أنني كنت جريئا».
الرواية على مستوى البناء ليست معهودة في الكتابة الروائية كما هي في الرواية العربية الراهنة، إذ يستفيد الروائي ها هنا من جملة أنواع من تقنيات الكتابة الأدبية، أحيانا يشعر المرء أنه أمام مونولوج طويل لعمل مسرحي، حيث هناك الكثير من التداعيات والتدفق في المشاعر والأفكار، وفي مكان آخر من فصول روايته يبدو المتنبي شخصية مسرحية تقف على الخشبة، وقد جرى استدعاؤها على نحو ما وصورتها التاريخية، وفي جزء آخر تشيع تقنية كتابة المقالة الصحفية ليجلب الروائي إلى متن نصه شخوصاً روائية أخرى من العصر الحديث وعلى صلة بالمتنبي وشعره سلبا وإيجابا.
هذا كله، جعل الرواية أقرب ما تكون إلى نص سردي تجريبي يحاول أن يقول صاحبه ذلك «الشغف» بالمتنبي من دون الانتباه إلى التصنيف الأدبي أو ما الذي من الممكن أن يفكر فيه ناقد أو رقيب عربي عندما يمسك بالرواية للوهلة الأولى.
هناك شخصيتان رئيسيتان في الرواية: السارد، وهو هنا الكاتب الذي لا يفصح عن اسمه، أي جمال مطر القارئ والمثقف، وشخصية المتنبي، ولا يتبادلان السرد بل يبقى السارد ممسكاً بخيوط اللعبة الروائية التي تسير في اتجاه واحد، بدءاً من الصفحة الأولى وحتى الأخيرة. ما يعني أننا أمام سارد مختلف هو مسرحي، مخرجاً وممثلاً وكاتباً لأعمال مسرحية قام بإخراجها، يعيد قراءة المتنبي في شعره، كما في المرويات التاريخية بتركيز على سيرته الشخصية في المفاصل الإشكالية من حياته.. ويؤكد جمال مطر أنه لا يسمي ما كتبه «رواية بل هو نص تجريبي تخييلي أو ليسمه القارئ ما يشاء، أعتقد أنني أردت كتابة رواية، لكن للنص شكلا آخر».
فيقدم السارد تأويلاً آخر لمواقف المتنبي بوصفها أحداثاً وحوادث أصبحت روائية الآن، تختلط فيها الأزمنة خارج أي نسق كرنولوجي، أي أنه سرد يرتبط فيه الروائي بما هو تاريخي ومثبت في الكتب، بعد أن تناقلته الألسن زمناً طويلاً، فيختلط الواقعي بغير الواقعي والمنطقي باللامنطقي، ويأتي هذا السرد في قالب تأويلي أو قرائي آخر مختلف يقترحه جمال مطر على قارئه.
إن أبرز القضايا التي ارتبطت بشخصية المتنبي هي نسبه وادعاؤه النبوة، وبالتالي اسمه، وهوسه بالسلطة إلى حدّ أن تسعة أعشار شعره قد ارتبط بالمديح، بالإضافة إلى هذا كله يذهب «سارد» جمال مطر إلى أن المتنبي الذي تجول كثيراً بين المدن هو «شاعر جوّال» أو كما يُقال اليوم هو نوع خاص من «التروبادور»، هنا يمكن القول بأن السرد هو إعادة صوغ لسيرة المتنبي الذي حظي بصور كثيرة مختلفة ومتباينة في تاريخ النقد الأدبي الكلاسيكي. لكنها لم تكن منصفة في أغلبها باستثناءات نادرة مع كتاب «معجز أحمد» لأبي العلاء المعري. وإعادة خلط الروايات التاريخية ومنح المتنبي مساحة للقول، هي من أدوات المسرحي جمال مطر في كتابة الرواية، أي أنه يقوم بتظهير صورة أخرى للمتنبي تماما كما يفعل المصور الفوتوغرافي في مختبره الخاص إنما الصورة ذاتها تظهر صورة على خشبة مسرحية، لنتخيل مصوراً فوتوغرافياً في غرفته المظلمة ينتزع صورة التقطها من الأسيد ثم يغسلها بالماء فيعلقها على الحبل لتظهر الصورة غير جامدة إنما متحركة وتدور أحداثها على خشبة مسرحية تتناول المتنبي شعراً وحياة.
وهذه الصورة المتحركة في الرواية، أي على الخشبة أيضاً، تظهر تفاصيلها في السرد شيئا فشيئا، تماما مثلما يفعل مخرج مسرحي على خشبته عندما يريد إبراز شخصية من شخصياتها عبر إبراز أفعالها وردود أفعالها، وكذلك قسماتها، فيسلط ضوءاً عليها، ويترك الشخصيات الجانبية للعتمة الرقيقة. إنما ما يفعل جمال مطر هنا أن يطرد كل الشخصيات الأخرى الجانبية والمجاورة فتبقى شخصية المتنبي هي المضاءة. هذا ما يفعله جمال مطر إذ يقترح علينا، روائياً، صورة جديدة للمتنبي.
تبقى الإشارة إلى عنوان الرواية، فهي تحمل عنواناً واحداً من فصولها، يناقش فيه جمال مطر أمر ادعاء المتنبي «النبوة»، التي أورثته اسما خالداً، فيرى – جمال مطر – أن هذا الادعاء «كان خطأ ما لأن المتنبي هو (خطأ الصبا)، أما العنوان الذي اخترته وأصررت عليه فكنت أفكر فيه بالقياس إلى ربّات الشعر التسع في الوعي الميثولوجي الإغريقي اللواتي كن يلهمن الشعراء والموسيقيين، هو (آلهة) أولى وكافية ومكتفية بذاتها وملهمة للشعراء منذ عصره إلى الآن تبعا لذلك الوعي الميثولوجي الإغريقي وليس تبعاً للوعي الشعري في الثقافة العربية والإسلامية أو حتى في الحضارات القديمة للمنطقة السابقة في ظهورها على الإسلام».

اقرأ أيضا

«الفريج».. ذاكرة المكان الأليف