ألوان

الاتحاد

ماذا بعد الحج؟

DR. YOUSEF SALAMA

DR. YOUSEF SALAMA

من فضل الله عزَّ وجل على عباده ورحمته بهم، أن جعل لهم مواسم للعبادة والطاعة، لمغفرة ذنوبهم ومحو آثامهم، إذا سارعوا لأدائها وتنافسوا على تقديمها، طاعة لربهم وزلفى لخالقهم، فإذا ما انقضى شهر رمضان المبارك شهر الصيام والقيام والقرآن، أعقبه الله سبحانه وتعالى بأشهر الحج، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ)، «سورة البقرة: الآية 197».

إن لربنا في دهرنا نفحات، تُذَكِّرنا كلما نسينا، وَتُنَبِّهنا كلما غفلنا، فهي مواسم للخيرات والطاعات، يتزود منها المسلمون بما يُعينهم على طاعة الله سبحانه وتعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)، «سورة البقرة: الآية 197».
إن نفحات الخير تأتينا نَفْحَةٌ بعد نَفْحَة، فإذا ما انتهينا من أداء الصلوات المفروضة، تأتي النوافل المتعددة المذكورة في كتب الفقه، ولئن أدينا الزكاة المفروضة فإن أبواب الصدقات النوافل مفتوحة طيلة العام، ولئن أدينا فريضة الحج، فإن أداء العمرة مُيَسَّرٌ طيلة العام، وهكذا الخير لا ينقطع وهذا فضل من الله ونعمة.
فلذلك يجب علينا أن نواظب على الطاعة في كل وقت، وأن نحرص على التزود بالتقوى، فنحن مخلوقون لعبادته وطاعته سبحانه وتعالي،

الحج وحدة للأمة

لقد أنعم الله سبحانه وتعالى على عباده بتحديد بيته الذي يجب أن يتوجهوا إليه، وبصفة العبادة التي يجب أن يأتوا بها أفعالاً وأقوالاً، ومَنَّ على حجاج بيته بأن يشهدوا منافع لهم.

فهل هناك بعد أن نطقوا بكلمة التوحيد ومارسوها قولاً وعملاً أولى من منفعة العمل على اتحاد كلمتهم؟، وهذا قول ربهم جل شأنه: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)، «سورة آل عمران: الآية 103».
إنَّ الوحدة الإسلامية أساس كل خير في دنيا المسلمين وآخرتهم، وإن الفرقة أخطر الآفات التي تقضى على سعادتهم، وترديهم في مهاوى التهلكة، وتجرهم إلى وحل المعصية، ومن المعلوم أن قوة المؤمنين في وحدتهم، وأن ضعفهم في تفرقهم لقوله - صلى الله عليه وسلم-: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً»، (أخرجه البخاري)، ومن أجل أن يكون المؤمنون قوة واحدة، لا بُدَّ أن يتآلفوا ويتعارفوا وأن تسري روح التعاطف والتراحم فيما بينهم، ليصبحوا كالجسد الواحد فيشعر كل منهم بشعور الآخر، يفرح لفرحه ويحزن لحزنه .أخي الحاج: تذكر أيام الحج، هذه الأيام المباركة، حيث كان ضيوف الرحمن يلبسون لباساً واحداً، ويؤدون أعمالاً واحدة، ويهتفون بهتاف واحد، هذه هي الأمة الإسلامية، أمة الوحدة والتوحيد،
فما أحوج أمتنا في هذه الأيام إلى الوحدة والمحبة والتكاتف .

المحافظة على الصَّلاة

الصَّلاة صلة بين العبد وربه، صلة بين العبد الضعيف، وبين الإله القوي، صلة بين العبد الفقير، وبين الربِّ الغني (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، «سورة الفاتحة: الآية 5»، صلة يستمد منها القلب قوة، وتحسّ فيها الروح طمأنينة، وأقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد، لذلك كان الصادق المصدوق - عليه الصلاة والسلام - إذا اشتدت به الأمور لجأ إلى الصَّلاة.

والصلاة عمود الدين، وهي أول فريضة فرضها الله على العباد بعد التوحيد، وكانت هدية السماء إلى الأرض في ليلة الإسراء والمعراج، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وهي آخرُ وصية وَصَّى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمته عند مفارقته الدنيا حين حضرته الوفاة: «الصَّلاَةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ»، (أخرجه ابن ماجه).
أخي الحاج: إياك أن تتكاسل عن أداء الصلاة في وقتها، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لما سُئِل عن أفضل الأعمال فقال - صلى الله عليه وسلم-: «الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، (أخرجه البخاري)، ومن المعلوم أن الحجاج كانوا حريصين على أداء الصلاة جماعة في جميع الأوقات، لذلك عليك أن تستمر في هذه الطاعة، وأن تحافظ على صلاة الجماعة.
إن الثبات والاستمرار على الطاعة من أخلاق المؤمنين،
فعليك أخي الحاج أن تعلم بأن الطاعات والمسارعة فيها ليست مقصورة على موسم الحج فحسب، بل عامة في جميع الأوقات.

اقرأ أيضا