الاتحاد

عربي ودولي

يهود يعادون الصهيونية ويناصرون القضايا العربية..

غادة سليم:

منذ أقدم العصور نشط اليهود في تضخيم تاريخهم وترديد أكاذيب تدعي أنهم وحدهم العنصر الأرقى والجنس الأذكى والشعب المختار· ومع مرور الوقت نجحت المنظمات اليهودية عبر تغلغلها في العديد من المجتمعات الغربية والمنظمات الدولية في وضع إستراتيجيات تجرّم أي شخص يعارض احتلال إسرائيل لفلسطين أو ينتقد اجتياح غزة، أو لا يوافق على إقامة المستوطنات أو يدين جدار الفصل العنصري أو يشجب حرب إسرائيل على لبنان؛ لأنّ تهمة معاداة السامية باتت جاهزة دوماً للتنكيل بكل من يجرؤ على معاداة إسرائيل حتى وإن كان يهودياً من أبناء جلدتهم· وفي الآونة الأخيرة ارتفعت أصوات كثير من المفكرين اليهود الذين يعتبرون الصهيونية العالمية وجوداً طفيلياً يفترس البشرية ويحاول السيطرة على العالم، ويتخذون من القضايا العربية مواقف منصفة، بل ويلعبون دوراً بارزاً في تنوير العالم بأساليب إسرائيل المخادعة في لي الحقائق وسلب الحقوق· إلا أن العرب لم يحسنوا استغلال هذه الورقة لصالحهم في الصراع العربي الإسرائيلي، ولم يحاولوا تقديم هؤلاء للعالم لكشف الوجه الحقيقي للممارسات الصهيونية، خاصة أن تلك الشخصيات اليهودية التي تغرد خارج السرب أصواتها مسموعة لدى الغرب وتتمتع بقدر كبير من الصدقية· ولا بد لنا هنا من وقفة لتوضيح الهدف من فكرة استعراض مجموعة من المفكرين اليهود المعادين للصهيونية فهي ليست من باب ''·· وشهد شاهد من أهلها'' أو من باب الترويج لفكرة الحوار مع الآخر أو الاختراق، ولكنها محاولة للعثور على المفاتيح المنسية واستخدامها لعل أحدها يساهم في فتح الأبواب المغلقة ·
عدو نفسه··!

لا يمكن لأي قائمة تتناول يهود جاهروا بالعداء للصهيونية أن تكتمل دون ذكر المفكر والفيلسوف اليهودي الأميركي الشهير نعوم تشومسكي، فهو الذي ينعته المتشددون الصهاينة بالعدو وبأنه أشد مواطني الولايات المتحدة الأميركية عداءً لإسرائيل·· ويفضلون أحياناً لقب اليهودي الذي يكره نفسه· و تشومسكي هو أحد أهم الأعلام الثقافية على مستوى العالم، فهو عالم لغويات معاصر وأحد أكثر العلماء تأثيرًا في علم اللغويات الحديث، وأحد أشرس الأقلام الناقدة للسياسة الأميركية الخارجية ودعمها غير المحدود لإسرائيل· وكان تشومسكي قد سافر من الولايات المتحدة للعيش في إسرائيل في الخمسينيات من القرن الماضي، إلا أنه سرعان ما انقشعت عن عينيه الغشاوة وترك إسرائيل عائداً إلى بلاده ليصبح من أشد المدافعين عن القضايا العربية في الولايات المتحدة، وهو على عكس الكثير من اليهود الذين ركبوا موجة معاداة الصهيونية لأهداف مختلفة، فإن أقوال تشومسكي كانت تتطابق دوماً مع أفعاله· ولم يدع فرصة تمر دون أن يصف السياسة الإسرائيلية بالضالة والمضللة، وأن يصف سياسة أميركا بالخادمة التي تكيل بمكيالين· وتغلب على تشومسكي نزعة متشائمة، ويحذر دوما من الدمار الكوني الذي سيحيق بالعالم من جراء الظلم الذي يقع على منطقة الشرق الأوسط· ولتشومسكي العديد من الكتب التي يعبر فيها عن موقفه الرافض للإرهاب الإسرائيلي ولدور أميركا في إشاعة الفوضى والظلم في العالم، ونرى أنه من الظلم أن يتم استعراض فكر تشومسكي في فقرة واحدة، لذا سنشير إلى عناوين بعض كتبه ومنها ''قراصنة وقياصرة'' و''ثقافة الإرهاب''، و''الديمقراطية المعوقة''، وكتابه المهم ''الهيمنة أم البقاء على قيد الحياة ·· بحث أميركا عن الهيمنة على العالم'' الذي قال فيه: ''لا يحق لأميركا أن تتبجح بالحديث عن دفاعها عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان؛ لأن حليفتها إسرائيل تدوس على هذه القيم يومياً وعلى مدى الخمسين عاماً الماضية والمصائب تتوالى على رأس الشعب الفلسطيني ولا أحد يجرؤ على التحرك لإنقاذه خشية القوة العظمى في العالم ·· الولايات المتحدة··!·

ضد إسرائيل

ومن بين الذين غردوا خارج السرب اليهودي المؤيد لإسرائيل في أميركا الشمالية البروفيسور مايكل نيومان أستاذ الفلسفة بجامعة ترنت بأونتاريو كندا، والمحامي البارز في الدفاع عن قيام دولة فلسطينية ذات سيادة، وهو ابن لاجئين يهوديين هربا من ألمانيا في عهد هتلر إلى الولايات المتحدة، وله من الآراء والمواقف المؤيدة للحقوق العربية في فلسطين ما يشغل مواقع إلكترونية أميركية عديدة أهمها: ''كاونتر بنش''، وقد يكون من المناسب أن نتوقف هنا عند كتابه ''قضية ضد إسرائيل'' والذي لم يتم استعراضه في أغلب وسائل الإعلام الغربية بسبب محتواه الناقد للصهيونية، وكان نيومان قد تعمد نشره من خلال دار النشر ذاتها التي سبق ونشرت الكتاب الأكثر مبيعاً عام 2003 ''قضية من أجل إسرائيل'' والذي يروج لشرعية السياسات الإسرائيلية، ويقول نيومان في كتابه: ''لقد كان من الخطأ إنجاز المشروع الصهيوني بإقامة دولة إسرائيل، وكل ما قيل للدفاع عن مشروعية الدولة اليهودية غير منصف وغير عقلاني''، وأضاف: ''إن المشروع الصهيوني···غير مبرر كلياً، ومن المنطقي أن يعتبره الشعب الفلسطيني تهديداً خطيراً له·· فمن الذي يقبل هيمنة كاملة لجماعة عرقية واحدة على جميع الفئات الأخرى في المنطقة؟· وبالتالي أرى أن أي شكل من أشكال العنف لمواجهة هذا التهديد مشروعة''، ويرى نيومان أن عدم وقوف القانون الدولي إلى جانب الحق الفلسطيني أمر أخلاقي وسياسي وليس قانوني، فالأمم المتحدة مغيبة؛ لأن الدول القوية تستطيع إبطال مفعول أي قرار لا تريده باستخدام الفيتو''· وان هذه المستوطنات والنظام العسكري الوحشي الذي قام للدفاع عنها هما السبب في الاشمئزاز الشديد الذي يشعر به نيومان· وبالرغم مما يؤخذ على مايكل نيومان استخدامه أحياناً كلمات لا تتفق مع سياق أفكاره العامة، كأن يطلق على استيلاء إسرائيل على الأراضي العربية عام 1967 ''تحريراً''· إلا أنه يكفينا اعترافه العلني بالإرهاب الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في بيئة أميركية لم تسمع إلا نغمة ''الإرهاب العربي والإسلامي''، فلا أنكر أن هناك تلميحات تشير إلى خبث مايكل نيومان ولبسه ثوب الدفاع عن القضية الفلسطينية لكي يمرر من خلاله أرائه المؤيدة لإسرائيل، إلا أن ذلك لا يمنع أن يبحث العرب عما يدعم قضيتهم من خلال الوقوف على بعض ما يقول· ففي مقال لمايكل نيومان عن الإرهاب يقول: أولئك الذين يصفون المقاومة الفلسطينية بالإرهاب أود أن أسألهم سؤالاً: ما الخيارات المتاحة للفلسطينيين في مواجهتهم للحرب العرقية التي تشنها عليهم إسرائيل؟، إن الفلسطينيين لا يملكون أي خيارات، بينما إسرائيل لديها كل الخيارات ومن أهمها خيار الانسحاب من الأراضي المحتلة، ويضيف: أليس التعريف الأكاديمي للإرهاب هو: ممارسة عنف عشوائي ضد أناس عزّل ؟· أليس هذا تحديداً ما تقوم به إسرائيل يومياً تجاه الفلسطينيين؟· لماذا لا يطلقون عليه إرهاباً إذن؟· وطالب نيومان في أكثر من مناسبة بفرض عقوبات دولية واقتصادية على إسرائيل·

هزيمة اللوبي الصهيوني

عندما قام الأكاديمي الأميركي ـ اليهودي نورمان فينكلشتاين بنشر كتابه المهم ''صناعة الهولوكوست ·· القوة الخارقة التي يتمتع بها اللوبي الصهيوني'' استطاع أن يحدث هزة في سائر القطاعات السياسية والأكاديمية والإعلامية في أميركا وأوروبا، فالكتاب الذي تطرق إلى سوء استخدام الصهيونية لتهمة العداء للسامية وتضمن العديد من الحقائق التي تفضح التجاوزات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين وشرح الدور الذي يلعبه اللوبي الصهيوني للتعتيم على الحقيقة كان كارثة على كل مؤيدي إسرائيل· واستدعى وصف صاحبه بالخائن والعدو، وبالمعادي السامية· ويقول فينكلشتاين وهو أستاذ في جامعة دي بول بمدينة شيكاغو الأميركية: ''إن اللوبي الصهيوني في أميركا يدرك أن الشرائع الدولية ضده، وأن محكمة العدل الدولية حكمت لصالح الفلسطينيين فيما يتعلق بالجدار الفاصل وعمليات الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، وان جميع المنظمات العالمية والمحلية لحقوق الإنسان تعلم أن إسرائيل تقوم بانتهاك اتفاقيات جنيف وميثاق الأمم المتحدة، ويضيف فينكلشتاين: ولكن قادة اللوبي يعتمدون خطة مدروسة لتضليل الرأي العام الأميركي والعالمي ترتكز على عدة توجهات، أولاً: تصوير القضية الفلسطينيةـ الإسرائيلية وكأنها مسألة يخيم عليها الغموض وأنها معقدة لدرجة لا يمكن إلا للخبراء المتعمقين بالأمور كشف حقائقها، وهو ما يدفع الناس إلى تأجيل اتخاذ الأحكام الأخلاقية بشأنها، فيصبح هدم منازل الفلسطينيين وقتلهم وتعذيبهم وبناء جدار فاصل فوق أراضيهم أمور مرتبطة بصراع معقد يصعب إصدار الأحكام عليه·
ثانياً: طرح هذا الصراع وكأنه فريد من نوعه ولا يجوز مقارنته بصراعات أخرى، حتى لا تكون إسرائيل مساوية لنظام جنوب أفريقيا العنصري أو للأنظمة الاستعمارية التي نكلت بالسكان المحليين وقمعتهم·

ثالثاً: إلصاق تهمة العداء للسامية وكراهية اليهود التي كانت تنسب إلى بعض الأوروبيين المسيحيين في الماضي بكل من يجرؤ على فضح اللوبي الصهيوني، حتى أصبحت هذه التهمة تلصق بكل الجنسيات والأعراق والديانات بمن في ذلك اليهود المنتقدون لإسرائيل''·
وفضح نورمان فينكلشتاين في كتابه الأكاذيب التي يروج لها اللوبي الصهيوني بأن الفلسطينيين لم يقاوموا الاحتلال الإسرائيلي وهربوا عام 1948 أو أن إسرائيل احتلت أرضاً من دون شعب· وقال: إنه بالإمكان هزيمة اللوبي الصهيوني في أميركا مهما امتلك من سلطة ومال، ومهما استخدم من وسائل دنيئة وقاسية لقمع خصومه· واختتم فينكلشتاين كتابه بتوجيه تهمة العداء للسامية إلى منظمة أمنستي انترناشونال ومنظمة هيومان رايتس ووتش و إلى صحيفة الجارديان وهيئة الإذاعة البريطانية· وقال: إن هذا اللوبي المنحاز لإسرائيل والذي يخشى عرض الوقائع والحقائق التي تدين إسرائيل خشية الاتهام بمعاداة السامية· ومن جراء نشره لهذا الكتاب تعرض فينكلشتاين لحملة ضارية من الأكاديميين والإعلاميين والسياسيين الصهاينة، فحاولوا منع كتابه من النشر ورفضوا عرضه في الصحف الأميركية البارزة والمجلات الفكرية·

تمرد في الجيش

ومن المفارقة أن الأصوات الأكثر انتقاداً للسياسة الإسرائيلية تأتي من داخل إسرائيل نفسها، فهناك أصوات تقر بأن إسرائيل لا تملك غرفاً غازية ولا محارق جماعية وإنما لديها أساليب أخرى للتطهير العرقي، ولقد ترددت كثيراً قبل أن أضيف اسم يوناتان بن أرتزي إلى قائمة اليهود الذين عادوا الصهيونية وأنصفوا القضايا العربية فهو ليس مفكراً ولا أستاذاً جامعياً ولا عالماً ولا كاتباً، إنما مجرد جندي إسرائيلي من بين آلاف الجنود الصهاينة الذين يمثلون آلة التنكيل بالشعب الفلسطيني، إلا أن ما قام به وما قاله أثناء محاكمته يشكل إدانة صريحة للأوامر الإجرامية التي يتلقاها الجنود الإسرائيليون من قادتهم لإبادة الشعب الفلسطيني، وكان على العرب استغلال هذه الاعترافات العلنية لإدانة هذا الكيان أمام الرأي العام العالمي، فلقد قاد يوناتان بن أرتزي حركة عصيان واسعة داخل صفوف الجيش الإسرائيلي أدت إلى تمرد مئات الجنود والضباط الإسرائيليين على الأوامر العسكرية الإجرامية تجاه الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة· وكان يوناتان قد أرسل في مهمة عسكرية غير أخلاقية لاجتياح غزة عام 2003 عندما صدمته الأوامر العسكرية التي تصدر من قادته والتي تقضي باستهداف سيارات الإسعاف والفرق الطبية وقتل الصحافيين وسحق الأطفال واعتقال وتعذيب الشباب الفلسطينيين الذكور ما بين سن 15 و50 عاماً ومداهمة المنازل عشوائياً ومنع الماء والكهرباء والمساعدات الطبية عن المدنيين· ولم يتصور شارون رئيس وزراء الكيان آنذاك أن حالة العصيان ستستشري من الجنود إلى جنود الاحتياط إلى ضباط سلاح الجو، فلقد انضم 27 طياراً إسرائيلياً إلى حركة العصيان ورفضوا أوامر بقصف جوي عشوائي للأحياء الفلسطينية وكتبوا رسالة احتجاج رسمية تسربت لاحقاً إلى وسائل إعلام غربية وتناقلتها المنظمات الحقوقية· وفي المحاكمة العسكرية التي عقدت لأربعمائة من العسكريين المتمردين وقف يوناتان بن أرتزي بملابس مدنية قائلاً للقاضي: ''لا يشرفني أن أرتدي الزي العسكري لدولة إرهابية تتجسد فيها النازية اليهودية بأبشع صورها''· وكان كلامه واعترافاته أثناء المحاكمة فضيحة كبرى تسببت في إحراج الحكومة الإسرائيلية على المستوى الدولي خاصة أن خال يوناتان بن أرتزي هو سيء الذكر بنيامين نتانياهو والذي كان يشغل منصب وزير المالية في حكومة شارون· وفي الحلقة القادمة نقف عند المزيد من الأسماء لشخصيات يهودية عادت الصهيونية وقدمت لنا مفاتيح لنصرة القضية الفلسطينية·

اقرأ أيضا

مجلس الأمن يمدد مهمة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان