الاتحاد

ألوان

علماء الدين: العائدون من الحج عليهم واجب ديني كبير

د. آمنة نصير

د. آمنة نصير

حسام محمد (القاهرة)

بعد عودة الحجيج إلى ديارهم، بعد أن وفقهم الله تعالى لأداء شعائر الحج الركن الأعظم في الإسلام، يجب على كل مسلم وفقه الله في أداء هذه الشعيرة أن يأخذ على عاتقه عهداً بعدم العودة إلى ما كان فيه من التساهل في العبادات والطاعات، فبعد هذه الرحلة الروحانية، التي التزم فيها الحاج بطاعة الله في كل أوامره ونواهيه وقف خلالها على المشاعر المقدسة وذكر الله تعالى كثيراً وسأل الله تعالى حاجاته ودعا لنفسه ولأهله بالخير وتضرَّع إلى ربه في مغفرة ذنبه وستر عيبه، يعود إلى أهله طاهراً من سيئاته، وهو ما يطرح سؤالاً مهماً، وهو كيف يحافظ الحاج على نفسه طاهراً نقياً بحيث يتحقق له هدفه من الحج؟ سؤال طرحناه على علماء الدين ورصدنا إجاباتهم في التحقيق التالي:

فرصة جديدة

تقول الدكتورة آمنة نصير أستاذ الفقه بجامعة الأزهر: «الحج نعمة من الله سبحانه وتعالى ومن رزقه الله الحج فقد رزقه فرصة الخروج من ذنوبه والعودة نظيفاً نقياً كيوم ولدته أمه، لهذا فعلى كل من حج هذا العام أن يحمد الله ويشكره على تلك النعمة العظيمة، حيث وفقه الله تعالى لأداء هذه الفريضة العظيمة التي تهفو لها النفوس المسلمة في مشارق الأرض ومغاربها، وهكذا فقد اختار الله حجاج بيته الحرام بأن يسر لهم الذهاب للأراضي المقدسة وإتمام طقوس الحج كاملة، والحاج عندما يشكر الله أن يسر له الحج لابد أن يصحب هذا الشكر بالحفاظ على الثواب الذي حصل عليه بأدائه الركن الأعظم، ولهذا فعليه أن يحفظ ثواب الحج من الضياع، ويلتزم الطاعة لله تعالى، ويحرص على أداء كل أمور الدين والتماس الاستقامة طوال الوقت».

و تضيف : «إذا كان الحاج قد نجح في إتمام شعائر الحج من دون رفث ولا جدال، متحلياً طوال فترة حجه بالأخلاق الفاضلة والحميدة، فعليه أن يستمر على ذلك إلى آخر يوم في حياته، بحيث يخالق الناس بالخلق الحسن، ويتذكر دوماً أن الله أكرمه بالحج، وأن جزاء الحج المبرور هو الجنة إن شاء الله، فعليه ألا يشوه حجه بأي عمل يخالف تعاليم الإسلام، فكما اتقى الله في حجه فليتق الله بعد رجوعه من حجه، ولتكن أعماله الصالحة بعد الحج خيراً منها قبل الحج، فالمسلم إذا كان بعد أدائه فريضة الحج على خير خلق وأحسن عمل وسيرة، فهذا الذي يُرجى له بتوفيق الله أن يقبل الله حجه».

رزق من الله

الشيخ سالم عبد الجليل، وكيل وزارة الأوقاف المصرية والداعية الإسلامي المعروف، يؤكد من جانبه أن المسلم الذي رزقه الله الحج لبيته الحرام، وزيارة قبر نبيه صلى الله عليه وسلم، عليه أن يدرك أن الله تعالى مَنَّ عليه بمنة عظيمة عليه أن يحافظ عليها بكل قوته، وقد اتفق العلماء على أن للحج المبرور علامات، من أهمها الثبات على الطاعة والاستقامة التامة، وأن يتحول حال المسلم إذا كان مستهتراً قبل الحج للالتزام الكامل بتعاليم الله عز وجل، وقد قيل للحسن البصري: الحج المبرور جزاؤه الجنة.... فقال: «آية ذلك أن يرجع زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة»، فمن أهم مقاصد الحج أنه يقوي الإيمان، ويعين على تجديد العهد مع الله تعالى، ويخلّص النفس من ذنوبها، ويحفزها على المزيد من الطاعة لله تعالى، بحيث تستحضر عظمة الله في كل وقت، وتخشع خشوعاً تاماً وكاملاً له سبحانه وتعالى، فالمسلم الذي حج لبيت الله الحرام، وزار الأماكن المقدسة، استحضر بلا شك في تلك الأماكن العبق الروحاني لها، وكيف كان يتجلى الوحي الإلهي للنبي سبحانه وتعالى، وكم التضحيات التي قدمها المسلمون الأوائل للحفاظ على الدين، حيث يعيش الحجاج أياماً مع عبق الوحي الإلهي، وفي أماكن نزول القرآن الكريم، فتتجه النفوس في روحانية غامرة نحو مزيد من التدين الحق المحسوس، والخضوع الكامل لله تعالى، والالتزام الصادق مع أوامره ونواهيه، ولهذا نجد الحجيج عقب العودة لبلادهم لابد أن يزيد تدينهم الحقيقي، ويبتعدون عن معالم التدين المغشوش، وترتقي سلوكياتهم، ويتجنبون التساهل في أحكام الدين، وفاءً بالعهد الذي عاهدوا الله تعالى عليه وقطعوه على أنفسهم أمام البيت العتيق.

من هذا المنطلق - يضيف د. عبد الجليل - على كل مسلم رزقه الله حج بيته الحرام أن يعي أهمية الحفاظ على حجه مبروراً خالياً من الشوائب، وعليه أن يستحضر دوماً الآية الكريمة التي قال فيها الله عز وجل في سورة المؤمنون: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)، «سورة المؤمنون: الآية 60».

بداية جديدة

أما الدكتور الأحمدي أبو النور، وزير الأوقاف المصري الأسبق عضو هيئة كبار العلماء، فيقول: «إن الحج لابد أن يكون بداية لكل حاج، بحيث يكون نقطة تحول إيجابي في حياته، بحيث تنعكس آثار الحج على قلبه وسلوكه وأفعاله وأقواله، ويداوم على العمل الصالح، ويعتبر أن الحج أدبه، فالذي حج إلى بيت الله الحرام، وامتنع عن ارتكاب الآثام بامتناع عن مباشرة زوجته وهي حلال له، ولكنه التزاما بأوامر الله اعتزلها طيلة أيام الإحرام، فإذا كان قد فعل ذلك فحري به أن يترك الفواحش والذنوب بعد الحج ما ظهر منها وما بطن، وكما ترك الرفث والجدال والفسوق أيام الحج، فعليه أن يتركهما للأبد بحيث يرجع من الحج عفيف اللسان لا يخوض بأي شكل من الأشكال في أعراض المسلمين ولا يغتب أحداً ليعود إنساناً جديداً.

و يضيف : «من فضل الله تعالى على هذه المسلمين أن جعل لهم مواسم خير يغتنمها المسلم العاقل ليكفِّر عن سيئاته وليزداد ثوابه، وبلا شك، فإن الحج هو من أعظم مواسم الخير وأعمال الطاعات، والمسلم العاقل يغتنم فرصة الحج لا ليعود بعد تلك الأعمال ليبدأ من جديد في المعاصي، بل ليفتح صفحة جديدة في صحيفته ويشكر الله سبحانه وتعالى أن يسر له فرصة الحج، ومن الشكر أنه لا يعود إلى ما يغضبه.


د. سالم عبدالجليل

اقرأ أيضا