الاتحاد

ألوان

.. ومعنا عقولنا

سيف علي العصري

سيف علي العصري

إنه سؤال وجهه الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أخبرهم أن بين يدي الساعة الهرج، فقالوا: وما الهرج، قال النبي صلى الله عليه وسلم: الكذب والقتل، حتى يقتل الرجل جاره، ويقتل أخاه، ويقتل عمه، ويقتل ابن عمه.

فقال الصحابة رضي الله عنهم سبحان الله ومعنا عقولنا‍‍‍؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنكم لترون أن معكم عقولكم، غير أنه تنزع عقول أكثر أهل ذلك الزمان، ويرون أنهم على شيء وليسوا على شيء. والحديث رواه أحمد وغيره بسند صحيح.
إنَّ العقل نعمة ربانية، وهبة إلهية، فالعاقل من حبسه عقله عن المعاصي والقبائح، وصرفه عن سفاسف الأمور، وقاده إلى الفضائل والكمالات والطاعات، وضبط تصرفاته، وأما الذي لم يوجهه عقله إلى الطاعات ولم يصرفه عن ترك المنكرات فما هو بعاقل، بل غلبت حماقته عقله، ولهذا لمَّا وصفَ الله أهل النار وسبب وصولهم إليها قالوا: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10].
والعقل هو الأداة الَّتِي تتلقى عَن الرُّسُل شرع الله، فتجتهد في فهمه وتدبره وإدراك معانيه، فوظيفة العقل أن يَعْقِلَ الشرع المُنْزَل، لا أنْ يصنعَ شرعاً.
فأنفع العقل ما دلَّكَ على الله وأرشدك إلى نعمه، وهداك إلى شكرها، فليس العاقل الذي يعرف الخير والشر، إنما العاقل مَنْ إذا رأى الخير انقاد له، وإذا رأى الشر أعرض عنه.
فالعاقل سريع التوبة، قريب الأوبة، مُعترفٌ بذنبه، يجود بما في يده، ويزهد فيما بيد الناس، لا يؤذي غيره، ويصبر على أذاهم له، وكيف يكون عاقلاً من شغل نفسه بالنظر في عيوب الآخرين، ولم يصلح عيوب نفسه.
قيل لعبد الله بن المبارك: أي خصلة في الإنسان خير؟ قال: غريزة عقل، قيل: فإن لم يكن؟ قال: فأدب حسن، قيل: فإن لم يكن؟ قال: أخ شفيق يشاوره، قيل: فإن لم يكن؟ قال: فصمت طويل، قيل: فإن لم يكن؟ قال: فموت عاجل.
وقال ميمون بن مهران: التودد إلى الناس نصف العقل، وحسن المسألة نصف الفقه. وكيف يقوم بخدمة دين الله من لا عقل له، فإن الخدمة للدين لا تكون إلا بعد فهمه، فجميع الأشياء لا تدرك إلا بالعقل، ومتى أردت خدمةَ دين الله فاعقل وتفهم الدين حتى تقوم بخدمته على ما يرضي الله، لا على ما يُمْلِيه الهوى.
إن هؤلاء الذين أخبرنا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يمارسون القتل والكذب، ونصَّ النبي صلى الله عليه وسلم على أنهم يبلغون في القتل أن يقتل الواحد منهم عمه وابن عمه، فسبحان من أجرى ذلك على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وكشف له ستار الغيب، ووصفهم لنا حبيبنا صلى الله عليه وسلم بأنهم يرون أن معهم عقولاً وتفكيراً، ويحسبون أنفسهم على هدى قويم، ومنهج سليم، وصراط مستقيم، ثم يُعَقِّبُ النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: (وليسوا على شيء)، إذاً ما هم إلا على ضلال وانحراف، نُزِعَتْ عقولهم، واستغرب الناس فعلهم، وأصبح الناس يرددون السؤال نفسه الذي وجه للنبي صلى الله عليه وسلم (أمعهم عقولهم). لطف الله بالمسلمين، وحفظ الله شبابنا من الأفكار الهدامة المشوهة.

اقرأ أيضا