الاتحاد

تقارير

أميركا: «حفل الشاي» تهدد الأسس الجمهورية

زعم جمهوريو حركة «حفل الشاي» في مجلسي الشيوخ والنواب أن «قانون الرعاية الصحية» المعروف باسم «أوباماكير»، بالغ السوء، كبير الضرر، ومدمّر للحريات المدنية الأميركية للدرجة التي تمثل تهديداً للأسس والثوابت التي تقوم عليها الجمهورية الأميركية برمتها.
هذه هي الخلاصة المنطقية الوحيدة التي يمكن للمرء أن يخرج بها من خلال آخر جولة من النقاشات التشريعية المحتدمة التي انتهت بإغلاق الوكالات الحكومية في عموم الولايات المتحدة.
فلماذا يحدث كل هذا؟
إنه يحدث لأن الجمهوريين المتشددين من حركة «حفل الشاي» ما فتئوا يعملون على استخدام كافة الأسلحة الفتاكة المتاحة في ترسانتهم التشريعية للإطاحة بهذا القانون والقذف به إلى رف القضايا التشريعية المنسيّة.
وينبغي أن ندرك الآن أن إغلاق الوكالات الحكومية يهدد مصير ومستقبل الولايات المتحدة كلها. فهو لا يعدو أن يكون مجرد طريقة لفرض الأمر الواقع على الديمقراطيين في مجلس النواب ومعهم أوباما، ودفعهم لرفع العلم الأبيض والخضوع لرغبة الجمهوريين. وهم يعتقدون أن قانوناً كهذا يجب التصدي له وإجهاضه مهما كلف الأمر. وإذا لم يكن مصيره الرفض والإجهاض في آخر المطاف، فإن من الضروري التصدي له بالطريقة القانونية. وإذا حظي بتأييد المحكمة العليا، فسيتحتم على الكونجرس إسقاطه أو حجب التمويل عنه. وهم لا يرون فيه قانوناً سيئاً فحسب، بل إنه قانون من صنع الشياطين.
وأنا أرى أن المشكلة تكمن في أن قانون «أوباماكير» ليس كما يتصوره هؤلاء. وهو ليس بالقانون السيئ أبداً بالنسبة للأغلبية الديمقراطية ولا بالنسبة للجمهوريين من ذوي الحس السليم مثلي أنا.
وعلى رغم أن الجمهوريين من ذوي الحس السليم -أو المتعقلين- يعتقدون أن القانون الذي يجبر الأميركيين على الاختيار بين الدفع للحصول على ضمان الرعاية الصحية، أو أن يدفعوا ضريبة اتحادية، والذي يتضمن العديد من العيوب التشريعية الأخرى، هو ببساطة قانون سيئ، إلا أنه أيضاً في نظري ونظرهم لا يشكل تهديداً مصيرياً إلى الدرجة التي تستوجب التعامل معه بمثل هذه الطريقة الخطيرة.
إن حرية العبادة والكلام والصحافة والانتخاب وحمل الأسلحة والاجتماع، تُعد جميعاً من المقومات الأساسية للجمهورية الأميركية. وحتى لو كان هناك بعض المتعقلين الذين لا يوافقون على بعض هذه الثوابت، إلا أنه ما من واحد ممن يشاركوننا قيمنا الدستورية يمكنه إنكار وجودها. وإذا ما كُتب لهذه الحريات أن تتلاشى أو يتم انتقاصها أو تعديلها من النواب المنتخبين فسنقتنع عندئذ بأننا أمام أزمة مصيرية تهدد كياننا الجمهوري.
وأنا أرى أن الادعاء بأن «قانون الرعاية الصحية» ينطوي على خطر يهدد الأسس التي تقوم عليها الجمهورية، هو الذي من شأنه أن يمرّغ شخصيتنا الوطنية في الوحل من خلال إغلاق الوكالات الحكومية، وأن مواقف حركة «حفل الشاي» هي التي تخلق الأزمات الحقيقية التي يمكن أن تواجهها أميركا قريباً.
إننا نواجه الآن زيادة متواصلة في الدَّين الفيدرالي من شأنها أن تشلّ أمتنا ذات يوم. ويبدو بوضوح أن بعض الجمهوريين من جماعة «حفل الشاي» يريدون تكرار جولة الجدل الكارثية المتعلقة بسقف الدين العام التي شهدناها العام الماضي، إلا أن رفض فكرة رفع سقف هذا الدين من أجل تهيئة الفرصة لاقتراض الأموال التي تم إنفاقها بالفعل، لا يختلف عن أن ترفض دفع فواتيرك المستحقة في نهاية الشهر. ومع أن هذه الطريقة تضمن بقاء الأموال في البنوك بشكل دائم، ولكنها ليست الحل المناسب لمشكلة الإنفاق المتزايد من طرف كلا الحزبين.
ونحن نحتكم إلى اقتصاد لا يوفر إلا القليل من فرص العمل للجادين، ويؤدي إلى الكثير من مظاهر عدم التكافؤ في الدخل بين مواطني القمة والقاعدة. وبغض النظر عن موقع كل منا في مراتب اقتصاد السوق، فإن أياً من هاتين الحقيقتين لا يمكن أن يحبذها أي إنسان في أميركا.
ونحن نعاني الآن مشاكل تطوير المدارس، والسجون المكتظّة، وديون الطلاب المتعثرة، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، ومحدودية أنواع المساعدة التي تغطيها. ولاشك أن حلول كل واحدة من هذه المشكلات ليست واضحة المعالم، ولكنها أيضاً لا تستحق أن نحرق كل شيء ونحن نحاول حلها.
إننا نعيش في جمهورية ديمقراطية. والشعب هو الذي ينتخب المشرعين الذين يتولون عملية صياغة مشاريع القوانين، والرئيس هو الذي يصادق في آخر الأمر على تلك القوانين. ومن طبائع الأشياء أن يكون هناك في مثل هذه الحالات رابحون وخاسرون. وأحياناً يربح حزب ويفوز المشروع الذي يقترحه. وأحياناً أخرى يحدث العكس. إلا أننا نبقى مختلفين في الرأي في أغلب الأحيان. ونحن نأخذ القليل في شأن معين ونعطي القليل في شأن آخر لأننا نعمل معاً. وأنا أشرح لكم الأمر وكأنني أب لخمسة أطفال، وهذا الذي نشهده الآن هو درس نتعلمه كل أربع سنين.
ولسوء الحظ، يبدو أن هذا الدرس قد غاب عن أذهان الجمهوريين من جماعة «حفل الشاي» المتمسكين بآرائهم، والذين يعيشون في ضباب ودخان الاستقطاب والصراع.
ولا شك أن الأزمة المهددة لوجودنا التي نشهدها الآن هي من صنع حركة «حفل الشاي». وهي الأزمة التي تجهض مبدأ «خذ وهات» التي تبنى على أساسها العملية السياسية برمتها، إلى الدرجة التي تجعل سمعتنا وتقاليدنا الوطنية في خطر أمام العالم أجمع.


جاستن هولبروك
محام وقاض عسكري أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا