الاتحاد

دنيا

«تتارستان».. طبيعة بكر في أحضان التاريخ

image193 - Copy

image193 - Copy

أحمد السعداوي (قازان)

خمس ساعات هي المسافة التي قطعتها طائرة «فلاي دبي»، الجهة المنظمة للرحلة، من الإمارات إلى بلاد التتار المعروفة حالياً باسم جمهورية «تتارستان»، إحدى الكيانات الفدرالية في روسيا، الواقعة على السفوح الغربية لجبال الأورال الفاصلة بين آسيا وأوروبا، وتحديداً إلى العاصمة «قازان» ذات الطبيعة الساحرة، والتي تتوزع مساحتها الإجمالية البالغة 452 كيلومتراً مربعاً على مسطحات خضراء، يزداد تألقها بإطلالتها على نهر الفولجا، أطول أنهار أوروبا، الذي استوطنت حوله قبائل التتار قبل مئات السنين، ومن هنا جاء اسم الدولة «تتارستان»، أي أرض التتار.

قبلة سياحية

العاصمة «قازان» تحفل بفنادق فئة خمس نجوم الراقية ومناطق سياحية ومزارات ذات طبيعة خاصة، جعلت منها قبلة سياحية يقصدها عشاق الهدوء والجمال البكر الذي يعد السمة الغالبة على مدينة هي الثالثة أوروبياً والثامنة عالمياً من حيث الإقبال السياحي، نظراً لثرائها التاريخي والثقافي والمعماري الذي جعل من التجول فيها سيراً على القدمين متعة فريدة.

وزائر «قازان» يمكنه الاستمتاع بالإطلالة الخلابة على المدينة عبر تناوله الطعام الفاخر، في الطابق الأخير من فندق «كورستون»، الواقع وسط العاصمة، وهو واحد من أهم منشآتها السياحية، مستمتعاً بألوان الطعام الشهي والخدمة الراقية وصولاً لتوفير أقصى درجات الراحة لزائري هذه البقعة الجغرافية ذات التاريخ العريق.
وفي المدينة يقع «جامع قول شريف»، ثاني أكبر المساجد مساحة في أوروبا، وهو تحفة معمارية إسلامية، ويعد أبرز الشواهد التاريخية في الجمهورية التي وصلها الإسلام قبل نحو ألف عام وتحديداً في عام 922 ميلادية على يد العالم المسلم أحمد بن فضلان، برفقة خمسة آلاف مسلم شاملين مختلف العلوم والمهن الحرف، أرسلهم الخليفة العباسي المقتدر بالله إلى هذا الجزء من العالم ليؤسسوا وجوداً إسلامياً متميزاً لا زالت آثاره بادية في تعداد المسلمين الذين يشكلون نصف عدد سكان قازان البالغ مليون ومائتي ألف شخص.

الكرملين

يقع الجامع ضمن ما يعرف بـ«الكرملين»، الذي أعلنته اليونسكو عام 2000 ضمن مواقع التراث العالمية، كونه نموذجاً معمارياً متفرداً للقلعة القديمة تم إنشاؤه في القرن الثاني عشر عند تأسيس المدينة.

ويقع الكرملين في قلب المدينة، ويضم إلى جوار الجامع، كاتدرائية «بلاجوفسشينكي»، وبرج «سيويومبايك» الشهير، الذي يحمل اسم آخر ملكة لمدينة قازان، والذي بناه لها القيصر الروسي «إيفان الرهيب» كـ«مهر» لها حتى تقبل به زوجاً لها بعد أن وقع في هواها كما تروي الحكايات الروسية.
أما شارع «باومانا»، المؤدي إلى الكرملين فيعد واحداً من أقدم الشوارع الغنية بالمناظر في مدينة قازان، وصولاً إلى ميدان توكاي.

وتحفل هذه المنطقة بأشكال العمارة الفريدة والمحال التجارية ومرافق الترفيه والتسلية والاستجمام، كما تضم متاجر ومطاعم ومقاهي ونوافير ونصباً تذكارية، وعادة ما يستضيف الشارع المناسبات القومية وفاعليات الرقص والمسرح والموسيقيين الذين يفضلون الغناء في الهواء الطلق.

بولغار العظيمة

ومن الأماكن بالغة الأهمية والواجب على زائري تتارستان التوجه إليها منطقة بولغار العظيمة، وهي مدرجة على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي، وتقع على الضفة اليسرى لنهر الفولجا، على بعد 170 كيلومتراً من قازان، ويمكن الوصول إليها عبر طائرة مروحية تختصر وقت الوصول إلى الجزيرة لنصف ساعة، حيث تقع بقايا المدينة العتيقة، والتي تعبر عن قوة المدينة، التي تحولت اليوم إلى مزار يزوره المسلمون من مختلف بقاع العالم، وعلى أراضيها تنتصب آثار قديمة تعود للقرنين الثاني عشر والرابع عشر، مثل المسجد العظيم، والمئذنتان الكبيرة والصغيرة، والضريحان الشمالي والشرقي، وقبر عائلة خان.

والهندسة العصرية يجسدها مجمع «المسجد الأبيض»، والنصب التذكاري الذي أقيم تخليداً لدخول الإسلام إلى هذه البقاع، والذي يحتضن أكبر مصحف مطبوع في العالم، والذي تم صنعه في إيطاليا ويزن 800 كيلوجرام، وعدد صفحاته 632، وغلافه مصنوع من الذهب والفضة والمرمر ومرصع بأنواع من الأحجار الكريمة، والنصب التذكاري نموذج حي للعمارة البولغارية القديمة، وتم تزيين قبته ذهبية اللون بآيات القرآن الكريم، ليعكس اهتمام أهل تتارستان بجذورهم الإسلامية العريقة وفضل الإسلام في إقامة دولة قوية في هذه المنطقة قبل ألف سنة اسمها دولة البولغار.

معالم هندسية

تقع مدينة «سفي يا شيزك» في جزيرة عند ملتقى نهري «سفي يا جا» و«الفولجا»، على بعد 60 كيلومتراً من قازان، والتي أسسها القيصر إيفان الرهيب لتكون مركزاً عسكرياً متقدماً من أجل السيطرة على قازان. وفي وقت لاحق أصبحت «سفي يا شيزك» أول مدينة أورثوذكسية على أراضي تتارستان ومركز المسيحية في المنطقة.

واليوم، تحتضن منطقة صغيرة 26 معلماً هندسياً مهماً، تعبر عن درر العمارة المسيحية الروسية القديمة. ومن بين الكنائس والأديرة القديمة التي تم الحفاظ عليها يمكن للزائر رؤية كنيسة الثالوث المقدس الخشبية التي بنيت في يوم واحد، وتعد الأقدم في منطقة الفولجا، وكنيسة ساينت نيكولاس، وكاتدرائية إسبانسكي، التي تزخر بصور جدارية فريدة من القرن السادس عشر من بينها صورة إيفان الرهيب.


متحف الخبز
لأن الخبز يحمل قيمة عظيمة لدى البولغار، أقيم في المنطقة «متحف الخبز» ذو الطاحونة الهوائية، والذي يقدم لزائريه طقوس أكل الخبز، وأشهرها تناوله مع الملح، ما يعكس قوة العلاقة مع ضيوف المنطقة كون الملح والخبز هما أهم عناصر الحياة وتستحيل من دونهما تبعاً للعرف الثقافي الشائع في هذه المنطقة.


روح السلام
للتأكيد على روح السلام التي تميز الشعب التتاري، أقيم معبد «كل الديانات» ذو الطابع المعماري الفريد، ويضم مسجداً وكنيسة أرثوذكسية وأخرى كاثوليكية، وكُنيس يهودي، ومعبد بوذي. إضافة إلى عديد من الأيقونات من ديانات العالم، ومن بينها رموز من الحضارات المفقودة الآن، لذا يعد المبنى رمزاً معمارياً أكثر منه مكاناً للعبادة، ولا تقام طقوس دينية في هذا المعبد الذي يستحق المشاهدة لأنه ليس له مثيل في العالم.

اقرأ أيضا