الاتحاد

دنيا

أطفال اليوم ينامون في أحضان «الآي باد»

التكنولوجيا الحديثة خطر يهدد عالم الطفل

التكنولوجيا الحديثة خطر يهدد عالم الطفل

أزهار البياتي (الشارقة)

نتذكر كيف كانت قلوبنا ترفرف قبل أجفاننا على نبرات أصوات أمهاتنا الحانية، وهن يهدهدننا ويسردن علينا حكايات ما قبل النوم، دقائق معدودة من السحر والخيال تبحر بنا لعوالم نائية، نسبح بها بعيداً لنعيش أحداثاً مشوقة ومثيرة، نختتم بها يومنا، وندخل معها إلى فضاء الحلم، لنغفو ليلنا على أمل شروق يوم جديد.

هذا الواقع تغّير على وقع ثورة التقنيات الحديثة، والتي اقتحمت حجرات نوم الصغار لتخطف أفكارهم، وتصادر خيالهم، وتعزلهم عن أسرهم ومجتمعاتهم.
وتؤكد نتائج دراسات وبحوث متخصصة في مجال رعاية الصحة النفسية للطفل، ضرورة العودة إلى الأسلوب التقليدي في هدهدة الأطفال قبل خلودهم إلى النوم، مركزة على دور القصة الصغيرة التي يرويها أحد الوالدين للأبناء، وكيف أنها تساهم في تنمية مشاعرهم العاطفية وارتباطهم العائلي إلى حد كبير.

تقليد قديم

ويقول الدكتور أحمد العموش، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة الشارقة: «إن حكاية قبل النوم تعد تقليداً شائعاً مغرقاً في القدم عند معظم الشعوب، وهي تعد نمطاً متبعاً منذ أجيال وأجيال، ولها ارتباط وثيق بعوامل العادات والتقاليد والثقافة الإنسانية الخاصة بكل مجتمع، ولكنها عند الجميع تتعلق بفكرة واحدة تتلخص بمفهوم تقوية العلاقة بين الابن وذويه، حيث تشّكل هذه الدقائق المعدودة مصدراً خصباً لرصيد كبير من مشاعر الحب والألفة والمودة التي ينشئها مع أمه وأبيه، ليعيش معهما أوقاته الخاصة، ويتعّرف من خلالها إلى عديد من الأفكار، والعبر، والسلوكات، من تلك التي تتضمنها الحكاية، ويرمز لها الشخوص والأحداث، فيتحول إثرها إلى شخص أكثر سعادة وثقة وأماناً».

وأضاف أن حكاية قبل النوم ترنيمة عالقة في وجدان معظمنا، أو مجرد ذكرى عابرة من أيام الطفولة، إلا أنها تشّكل عاملاً مهماً، إذ تعّد بالنسبة للكثيرين مصادر للأفكار، والخيال، والإبداع، ففصولها محفورة في الذاكرة وأبطالها من الأصدقاء، تعرّفنا إليهم في طفولتنا وأخذونا معهم إلى رحلات مدهشة من المغامرة والتشويق، في عالم خيالي جميل صنعناه نحن لأنفسنا، قبل اقتحام ثورة التكنولوجيا وحمى الألعاب الإلكترونية، التي خطفت عقول الأطفال وخيالهم الخصب، مقلصة أفكارهم، ومشتتة تركيزهم، ومهدرة طاقاتهم الذهنية.

تحول كبير

وتقول ربة الأسرة نادية محمد «42 سنة»: «تربينا على حكايات الأمهات والجدات، وتلك الثقافة الإنسانية الجميلة التي أثرت في ذاكرتنا، وطبعت بصماتها عوالمنا الصغيرة، حتى إننا نتذكرها ونشعر بحنين خاص لسماع تلك القصص والأساطير، وقد يعود هذا الأمر لكوننا كنا نعيش ببساطة ونستمتع بأقل ما تقدمه لنا الحياة، إلا أن طفل اليوم المرفه والمحاط بأجهزة التكنولوجيا الحديثة يواجه معاناة في مقاومة هذه الإغراءات، فأمام غواية عالم الألعاب الإلكترونية وإثارتها المتسارعة، يتراجع دور القصة والحكاية التقليدية إلى الوراء، ولا تصبح ضمن أولوياته، ومعها يصعب على الوالدين جذب الطفل وإجباره على الإنصات، ما يفقد هذا التقليد الحميم الكثير من مؤثراته المعنوية والسلوكية».

وحول اتباع ثقافة «حكاية قبل النوم» وجعلها روتيناً يوميا للعائلة، يقول طلال عبد الله «34 سنة»: «إن تعويد الصغار منذ عمر مبكر على قصة قبل النوم، له كثير من الفوائد على كامل الأسرة، فهي تساهم في زيادة الرابط العاطفي بين الطفل وذويه، كما تدعمه نفسياً وذهنياً، وتجعله يشعر بالسكينة والأمان والحنان، بالإضافة إلى فضلها في إثراء عالمه المحيط، وتحفيز ذهنه الإبداعي على التصّور والخيال، ما يوّسع مداركه الذهنية، ويجعل أفكاره أكثر انفتاحاً، بالإضافة إلى إكسابه ميزة حسن الإصغاء، فتربي فيه عادات إيجابية، وتؤصل سلوكات قويمة، تخدمه في مراحل متقدمة من مستقبله».

ممارسة تربوية

وعن النمط الأمثل في استقطاب الطفل وإعادته إلى متعة الحكاية، تقول المعلمة إيمان جاسم: «إن أسلوب سرد حكاية قبل النوم يلعب دوراً مهماً في شد انتباه الصغير والاستحواذ عليه، حيث يساهم تغيّر نبرة الصوت حسب توالي أحداث القصة ومحاولة تقمّص شخوصها، مع توظيف تعابير الوجه والنظرات، وإضافة مزيد من عناصر التشويق والإثارة، في شحذ أفكار الطفل، واستفزاز أحاسيسه واستدرار عواطفه، لتترك في نفسه أثراً مهدئاً، وتجعله بعد ذلك أكثر استعداداً ورغبة في النوم».

ويوصي تربويون أولياء الأمور باعتماد حكاية ما قبل النوم، وجعلها ممارسة تربوية معتادة في مرحلة الطفولة خصوصاً، لما لها من أثر في غرس عادة القراءة في نفوس الأبناء، وكي تتحّول إلى أسلوب متبّع وثقافة وسلوك، بالإضافة إلى أهمية الاختيار الجيد لنوعية القصص والحكايات الملائمة، حسب الفئات العمرية للأطفال.


طغيان التقنية
يحذر الدكتور أحمد العموش من خطورة تراجع الدور التربوي لحكاية ما قبل النوم وطغيان عالم التقنيات على ذهنية الأطفال. ويقول «تغاضي أولياء الأمور عن اقتحام أجهزة «الآي باد» أسهم في تقهقر العلاقة العاطفية بين الطفل وأسرته، كما أن المحتوى التربوي والفكري الذي تتضمنه تلك الألعاب التقنية عادة ما تكون غير تربوية، وهي تسحب الأطفال من مجتمعاتهم الحقيقة إلى عوالم افتراضية، شخوصها مرئية على الشاشات فقط، ما يجعلهم أكثر عزلة، وربما تعمق لديهم مشاعر الغضب المؤدية إلى العنف».

اقرأ أيضا