الاتحاد

الملحق الثقافي

الجمهور الرافض.. يقبل

في بعض الدراسات الفنية هناك من يقول أن مسرح العبث يرفض مناقشة فكرة “عبث الوجود” وتفاهته، ولكنه يقرّر هذه الفكرة فقط كحقيقة واقعة، ويحاول أن يصورها في هيئة مسرحية، ومن هنا يختلف هذا النّوع من المسرح عن التقرير النّظري الفلسفي وعن التعبير الشعري، ففكرة العبث قد تكون في نظر الفيلسوف جزءا من المعرفة، وعند الشّاعر نوعا من الإحساس الواعي، أمّا عند المؤلف المسرحي فهي “وجودية” قبل أي شيء. هنا نقدم قراءة نقدية معاصرة في تفاصيل المسرح العبثي او مسرح اللامعقول من جانب الفكر ورؤيا واعية للحياة، مع إطلالات من جوهر المسرح الطليعي وبعض كتّابه وبخاصة في المسرح الانجليزي كونه الأقرب الى فكرة هذه القراءة..


أحمد علي البحيري

ينبغي علينا ونحن نقرأ هذا المسرح قراءة خاصة ألا نربط بقوّة بينه وبين اتجاه يكاد يكون موازيا له في المسرح الفرنسي المعاصر، وهو اتّجاه أيضا يقبل النّظرية القائلة بأن الحياة البشرية عبث وشكّ، ونعني بذلك المسرحية الطليعية الشّعرية، فإن هذا الاتجاه المسرحي يقوم أصلا على الخيال والتّزاوج بين الحقيقة والحلم، وهو في الواقع يرفض القواعد التقليدية للمسرح تماما كما يفعل مسرح العبث. غير أنّ هذه الأعمال التي تصور هذا الاتجاه يسودها جوّ يختلف عن جوّ مسرحيات اللاّمعقول، فهي روايات غنائية الطابع قبل كل شيء، وهي لا تعكس هذا الجفاف وغرابة الطّعم اللّتين اعتدنا أن نربط بينهما وبين ومسرح العبث، هي روايات تعتمد في المقام الأول على الأثر الذي يحدثه التّعبير الشعري، إذ أنّها تسعى الى أن تعتبر شعرا، والى أن تخلق صورة يقوم اتساقها وتناسقها على التّنغيم الصّوتي والإيقاع اللّغوي، أمّا مسرح العبث فهو مختلف تماما عن ذلك، فالذي يحدث على خشبة المسرح يعني أكثر مما تنطق به شخصيات الرواية، بل نرى في بعض الأحيان أن الحركة على المسرح في واد وكلام الممثلين في واد آخر.
في مسرحية يوجين يونسكو “الكراسي” مثلا نجد أن المضمون الشعري لا يتجاوز بعض الكلمات الموحية بالكراهية، أمّا الاحساس القوي الطّاغي فإننا نشعر به لا من الكلمات نفسها، وإنما من الحركة ثم من صدى الكلمات أمام صفوف وصفوف من الكراسي الخالية التي على خشبة المسرح، والتي يخيل إلينا أن عددها يزيد زيادة مطردة.
من ذلك نجد ان مسرح العبث في مفهومنا يكاد يكون مرادفا لتحطيم الاتساق في اللغة الموسيقية، تماما كما يعمل على فصم عرى التناسق مع الترتيب المنطقي، بحيث يصبح الكلام على مستوى استخدام اللغة مفككا، لا ترابط بينه ولا اتّساق، وإذا أردنا أن نستخدم تعبيرا شعبيا، فلنقل أنّه كلام مضحك يدخل في باب هذيان المجانين. وقد شرح يونسكو مذهب العبث في مقالة له عن الكاتب العدمي كافكا فقال:
“إن العبث أو اللامعقول شيء لا هدف له ولا غاية، فحينما ينطلق الانسان ويحرر نفسه من الجذور الدينية والميتافيزيقية، فإنّه يشعر، وحينئذ تصبح آماله وتصرفاته كلّها خارجة عن المنطق، أعمالا لا قيمة لها ولا جدوى، ميتة وهي في المهد”.

مقاربة في الرؤية
هذا الإحساس بالخوف الميتافيزيقي والضياع إزاء تفاهة الوجود الإنساني وخلوّه من كل معنى، هو الذي يتمثل فيه الموضوع الملحّ على رواد المسرح الطليعي الحديث، وكل كتّاب مسرح العبث يبدو أنّهم مقتنعون بأن وجودنا شيء لا معنى له، لأننا ولدنا دون أن يستشيرنا أحد، أو نبدي رغبتنا في الحياة، ونقذف في دوامة هذه الحياة مسلّحين بحواسنا وإرادتنا ومنطقنا، فنعتقد أنّنا أقوياء، وتنقل حواسنا هذه الأكذوبة الى تفكيرنا، ويوقظ التفكير حواسنا، ونحن في الحقيقة لا نعمل شيئا على نحو مفهوم، بل نعمل لكي نصل الى الامتياز والبقاء، ولكنّا لا نصل بعد ذلك إلاّ الى نتيجة واحدة: هي أنّ تقديراتنا كلّها كانت ناقصة خاطئة لا طائل من ورائها، وكل ما نقوم بخلقه وإبداعه مصيره الى الذبول والفناء، تماما مثلنا إذ أننا جميعا حكم علينا بالموت، نحن نبدع لكي يضفي علينا ذلك ضربا من البقاء والخلود، وهكذا فإنه كلما كافحنا في سبيل التّفوق والبقاء، كلّما أمعن كفاحنا في السخف والعبث. إذا كان ما سبق هو بؤرة ومركز الجذب لكتاب المسرح الطليعي، فإن هذا المركب الطبيعي من التناقض الذي يشعر به الانسان في قرارة نفسه، هذا التفكير الملحّ في الموازنة بين القوة والضعف، بين المعرفة والجهل، بين الوفاق والخلاف.. هو الموضوع الأثير الذي جذب اليه دائما كتاب مسرح العبث في جميع العصور، وهو موضوع لا نكاد نجد علاقة بين جوهره وبين الشكل والأسلوب اللذين عبر بهما الكتّاب عنه. والذين يشرعون في دراسة مذهب العبث ما زالوا في تقديري يعتقدون أن أساليب هذا المذهب قد تتنوع، غير أن مضمونه لن يتغير أبدا إلا إذا تغيّر جوهر الانسان، فأصبح مختلفا عمّا كان عليه حتى اليوم، إما أن يتحول الى “سوبرمان”، أو بأنه يفقد ملكة التفكير، فإنه حينئذ سيتحول الى مجرد حيوان.
الكاتب العدمي البير كامو يعرف العبث بقوله: “العبث نابع من المقارنة، من عقد موازنة بين الانسان والعالم، الانسان الذي يسأل والعالم الذي يلتزم الصمت كأنّه أمام شخص يهذي”، ومن هنا نرى أن مسرح العبث، إنّما هو المكان الذي يؤدى فيه طقس رمزي، حيث المتفرج أشبه ما يكون بالانسان الذي يسأل والمسرحية نفسها هي التي تمثل الحياة والعالم اللذين يلوذان بالصمت، إما إذا أجابا إجابتهما لا تخرج عن كونها من قبيل اللغو والعبث الذي لا يعني شيئا، فقط تعبر عن حقيقة واحدة مرّة هي أنّه ليست هناك حقيقة، وربما لا يبدو للمتفرج لأول وهلة ما قصد اليه المؤلف من تناقض الحياة وبعدها كل البعد عن المنطق، لأنه يقضي حياته في إطار ما يظنه نظاما منطقيا، ومن أجل هذا فإن المؤلف المسرحي لا يدركه اليأس أبدا مهما بدا ما يعرضه علينا فوق خشبة المسرح سخيفا لا تستعد عقول الناس لقبوله أو للاقتناع به، فالمؤلف لا يقصد أبدا الى السخرية من المتفرج، ولكن الى حمله على أن ينظر الى الحياة في “احتقار مأساوي” على حد تعبير يونسكو، لا من أجل ما يمثّل أمامه، أو ما يمكن أن يستخلصه منه، وإنما من أجل هدف واحد هو الحياة، ثم هو يسعى بعد ذلك الى أن يحمل المتفرج على القيام بهذا “الاحتقار المأساوي” من أجل نفسه هو، من أجل هذا الذي يلقي بالسؤال، فلا يتلقى عنه أي جواب، ولعبة المؤلف التي تصبح ضربا من التعذيب للمتفرج تتمثل دائما في محاولته إبراز النتائج، لا في الشرح الذي يقدم لنا أسباب سلوك الشخصيات ودوافعها، وبذلك يعمل المؤلف على استثارة غريزة المتفرج، واستثارة عامل الضحك عنده من سخف الوجود وخوائه من كل معنى، وعلى ذلك ما هي الفائدة التي قدمها الكاتب للمتلقي؟

في انتظار جودو
على الرغم من أن المرء يمكنه أن يلاحظ من جانب الجمهور المتفرج على مسرحية من هذا القبيل رد فعل معاد للمؤلف، فإن بعض مسرحيات هذه المدرسة من ناحية أخرى تعتبر في عداد المسرحيات الناجحة التي لقيت رواجا شعبيا حتى يومنا هذا، ويكفي هنا أن نشير الى إحدى روايات مسرح العبث واستقبال الجمهور لها، وهي رواية الكاتب الايرلندي صموئيل بيكيت بعنوان “في انتظار جودو”، وهي رواية لا يبدو لأول وهلة أنها على علاقة وثيقة بمسرح العبث، فقد استمر تمثيلها وعرضها أشهرا متوالية على خشبة مسرح فونيكس بلندن، وكان الجمهور يملأ مقاعد صالة المسرح كلها في أول كل عرض، ولكن لم تكد تأتي الاستراحة حتى نرى نحو خمس عدد الحاضرين قد تركوا المسرح في حالة غضب، وكانت هذه الظاهرة تتكرر كل يوم بصفة منتظمة، حتى أصبح من الواجب على عدد من رجال الشرطة أن يقفوا حول المسرح في موعد الاستراحة لكي يضطلعوا بتنظيم المرور في انتظار هؤلاء الساخطين الخارجين من ضحايا “جودو”، ومنذ هذا الاستقبال لمسرحية بيكيت أصبح لروايته هذه شهرة عظيمة وترجمت الى أكثر لغات العالم.

مسرحية الحارس
من المفارقات أن الجمهور بدأ يتحول الى قبول مسرح العبث على نحو تدريجي، حينما قدمت مسرحية هارولد بنتر بعنوان “الحارس” في دسلدورف، فإستقبلها الجمهور في ليلة العرض الأول بعاصفة من الصّفير وصيحات الاحتجاج، ولكن الممثلين كانوا في صلابة الجمهور نفسه وعناده، فوقفوا يحييون الجمهور الغاضب الساخط، منحنين أمامه في احترام، وحينما كانوا ينحنون للمرة الرابعة والثلاثين لم يكن قد بقي في صالة المسرح سوى متفرجين إثنين، كانا لا يزالان يواليان الصفير والاحتجاج، ومع ذلك فلم يمض وقت قليل حتى أعتبرت هذه المسرحية أحسن ما قدّم على أحد مسارح لندن عام 1960، وتمت ترجمتها الى أكثر لغات العالم.
ومنذ أكثر من 30 عاما كان يونسكو لا يكاد يجد مسرحا يقبل منه رواياته، أما بعد ذلك فقد كان هناك مسرحان في باريس يعرضان له اثنتين من رواياته لمدة شهور، بل لسنوات، وقامت فرقة الكوميدي فرانسيز بعرض إحدى مسرحياته بنجاح كبير، ومثل ذلك في إنجلترا حيث نرى المسارح تتسابق على عرض روايات هارولد بنتر وإزبورن، وفي الولايات المتحدة الاميركية حيث نرى لمسرحيات كاتب المسرح الطيعي إدوارد إلبي الأفضلية في العرض، بل إنه تأسست في واشنطن “جمعية الأبحاث المسرحية”، من أجل دراسة أساليب التمثيل والاخراج لمسرحيات الاتجاه الطليعي.

رؤية العبثيين
إن مؤلفي مسرح العبث يكتبون بطرق مختلفة، ولكن هناك قاعدة فلسفية مشتركة بينهم، ومنها أنهم بحسب هارولد بنتر أنّهم يرفضون في المقام الأول التّمييز بين المأساة والملهاة كما صوّرها اليوناني أرسطو في كتابه الشهير “فن الشعر”، فهم يرون أن موضوع هذه وتلك واحد، وأن الفارق الوحيد إنما هو في قيمة العمل المسرحي، وكتاب العبث يرون أن كل شيء في الحياة مدعاة للسخرية حتى وإن كان في غاية الجدّ وبهذا كانت قوته التراجيدية، وهم غير ذلك يؤيدون رأيهم قائلين أنّه ليس هناك خط فاصل بين ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي، وبين ما هو صادق وما هو مزيّف، فالأشياء عندهم ليست صادقة ولا زائفة وإنما قد تجمع بين الصّفتين، وبناء على ذلك فإن المهزلة والمأساة شيء واحد. أما ثاني الأشياء فإنهم يرون باعتبارهم مؤلفين مسرحيين يعتمد فنّهم على قاعدة نظرية فلسفية، فإنهم يوجهون جلّ اهتمامهم الى علاج الموضوعات، ولهذا فإن رواياتهم تشتمل دائما على مضمون فكري وعقلي، وهم يمثلون دائما تحللهم من المفهوم الأرسطاطاليسي اليوناني الذي أصبح في نظهرهم تقليديا متعارفا عليه بين رجال المسرح، ويقول هارولد بنتر في ذلك “إن المسرحية ليست مقالا يعرض نظريات منطقية، ولهذا فإن المؤلف يستطيع بسهولة أن يتخلى عن التمسك بمبدأ معين واحد في رسم وتصميم شخصياته”.
كما يتعمد كتّاب العبث أن تتميز رواياتهم بغموض المعاني، كما أنّهم ليس لهم أدنى ثقة في الألفاظ باعتبارها وسيلة نقل الأفكار، وهم يبدأون في ذلك بقضية يعتبرونها مقدمة لتلك النتيجة، هي أنّه ليس هناك تطابق كامل بين ما يدور في الذّهن والكلمات التي يعبر عنها اللسان ولا بين التعبير الذي يدور بين متخاطبين والمفهوم الذي يستقر في نفس مستمع ثالث من ذلك التعبير، وهم يصلون الى حل تلك المشكلة بإساءة معاملة الألفاظ، ولهذا يرون أنفسهم مضطرين الى التعبير عن أنفسهم باستخدام الرموز وهذا في الواقع ما يجعل فنّهم أكثر استعصاء على المتفرج البسيط.
في هذا الجانب نلاحظ الصّلة بين آراء مؤلفي مسرح العبث وما نادى به جورج شنايتر في كتابه “موت التراجيديا”، من أنّه ليس من المفارقات أن نفترض أن حقائق اليوم تبدأ الى حد بعيد خارج نطاق الكلمات وفيما وراءها، والواقع أن هؤلاء المؤلفين المسرحيين الذين تحرروا من كل القواعد الاجتماعية المتعارف عليها، والذين وضعوا أنفسهم خارج نطاق الزمان والمكان، ولم يكن أمامهم سوى اللغة باعتبارها وسيلة للتعبير، ولكن لغتهم خاوية من الجوهر والمعنى، اللغة في أيديهم لا تلبث أن تفقد كل فاعليتها وفحواها المنطقية، ولا تصبح إلا شيئا يشبه أنّه لا يدري أحد لها وظيفة ولا معنى، شيئا لا نكاد نجد فيه أدنى علاقة بواقع الحياة، والأفكار التي تعبّر عنها يمثل هذه اللغة لا تصل الينا باعتبارها تقريرات مرتّبة ترتيبا منطقيا، بل مجرد إشارات أو توريات ترمز الى المعاني، وإن كانت العبارات تبدو في أسماعنا حينما تنطق كأنّها تركيبات موسيقية.
وعلى هذا النحو الذي نجد فيه مسرح العبث مجريا هذا التغيير الجذري على وظيفة اللغة، فإن المؤلفين يصبحون مضطرين الى التركيز على عوامل وملحقات مسرحية أخرى مثل الضوء والصوت والاشارات والايماءات وغير ذلك من المؤثرات الخاصة التي ملأوا بها فراغ المسرح، ونلاحظ هنا فارقا كبيرا بين استخدام المسرح الواقعي لتلك العوامل واستخدام مسرح العبث لها، فالمسرح الواقعي يهدف منها الى تقليد محكم لواقع الحياة، أمّا مسرح العبث فهو يريد أن يهيئ بها الجو لكي يصبح المتفرج أكثر استعدادا للتجاوب الميتافيزيقي، ولتلاحظ في المجال التقني كثرة الأبواب التي تظهر في مسرحية “الكراسي” مثلا، والشجرة الجافة التي تظهر في مسرحية “في انتظار جودو”، والنافذتين في مسرحية “نهاية اللعبة” لصموئيل بيكيت.
هناك اتجاه آخر يشترك فيه كل مؤلفي مسرح العبث بلا استثناء، هو محاولة التأثير على المتفرج من طريقة السخرية اللاذعة، هم يواجهون الحياة، والمسرح نفسه بسخرية تبدو في الوقت نفسه سخرية من الجهد المستيئس الذي يبذله المتفرجون لكي يصلوا الى فهم ما يمثّل أمامهم. وتشير بعض الدراسات الى أن هؤلاء المسرحيين في الغالب كانوا قد اتخذوا نقطة البدء في فنّهم من الاتجاهين التعبيري والرمزي، بل على نحو كأنهم متنكرون مقنّعون ومن السخرية مضيفين اليه بعض العناصر الفلسفية والاجتماعية، وهم بعد ذلك لا يزاولون عملهم الفني بطريق مباشرة، بل على نحو كأنّهم متنكرون مقنّعون، هم يأخذون من التعبيريين اتجاها الى التعابير العسيرة على فهم المشاهد حتى تبدوا كأنّها ضرب من الهذيان، كما أنّهم يسرفون في استخدام هذه الوسيلة بصورة تفوق أستاذهم المخرج الالماني برتولد بريخت، الذي أدخل هذا العنصر في روايته “إيسلين” وروايته “طبول الليل”، ولا يبقى بعد ذلك أمام المتفرج الذي يشاهد حركة المسرحية تدور في جوّ رمزي تسوده العناصر الايديولوجية أكثر مما تلحظ فيه العناصر السيكولوجية أو الواقعية، إلاّ أنّ ينظر الى المسرحية بروح إيجابية تحليلية.

تقنيات فن الكتابة
ولما كان رواد مسرح العبث من جيل الشباب التالي للجيل الأول، حريصين على تجنّب “النّاحية الوصفية” في مسرحهم، وهذه في الواقع مشكلة حيوية على خشبة المسرح، فقد حاولوا أن يجدوا لها حلولا عدّة منها: أن يضغطوا الرواية ويركّزوها في فصل واحد، وهذا هو الاتجاه الذي بدأ به كل من يونسكو وجان جينيه كتابتهما للمسرح، غير أن الملاحظ بوجه عام هو أنّ مؤلفي مسرح العبث لا يتمكسون أبدا برأي واحد ثابت، ونحن نرى معظمهم يستخدمون التّكرار الملحّ بعض الجمل والمفردات أو الحركات أو المواقف، وكل ذلك فنّيا يثير مشكلات ضخمة بالنسبة للتمثيل، ولا يمكن بالنسبة لأولئك الممثلين الذين يطمحون الى الالتزام بالمؤلف التزاما دقيقا، بحيث يوضعون في موقف لا يحسدون عليه عندما يتصرفون نتيجة ذلك غير ما قصد اليه المؤلف.
بقيت الاشارة هنا الى أنّه من الأسماء التي أطلقت على مسرح العبث هو كونه “شيئا مضادا للمسرح” وهو تعبير ربما اعتبره من لم يتعمقوا دراسة مسرح العبث وصفا صحيحا منطقيا عليه، على أنه يجب أن نذكر بان مؤلفي هذا الاتجاه قد نظروا الى المسرح على أنّه عالم بأسره، ولكنهم لم يريدوا لهذا العالم أن يكون “ديكارتيا” يبث الهدوء والاطمئنان في النفس كما جرى المسرح التقليدي على أن يصور العالم، وإنما رأوا فيه تحطيما للواقع بكل ما ما يترتب على هذا العمل التخريبي من نتائج.

اقرأ أيضا