الاتحاد

عربي ودولي

أي الشاربين يقودان الجنرالات في إسرائيل؟

خاص الاتحاد:

إذا كان من الضروري أن تنتج القضية الفلسطينية رجلاً مثل ''صائب عريقات''، وآخر مثل ''خالد مشعل''، فهل من الضروري أن تقاتل الدموع الدموع؟
في لحظة ما بدا الإسرائيليون على وشك المواجهة في ظل رئيس للحكومة يعيش نوعاً آخر من الغيبوبة· الذي حدث أنّ حرباً فلسطينية اندلعت في حين يبدو أنّ ''الرؤية'' الأميركية تبدّدت، لأن الأولويّة المطلقة الآن للوضع العراقي الذي يقفل الآن كل المنافذ الدبلوماسية·
والسؤال الآن: هل توقظ صدمة الدم مَنْ يمسك بالملف الفلسطيني، فيتوجّه الجميع إلى اللحظة الكبرى حيث تتشابك الأيدي بالأيدي، فيما الإسرائيليون، الضائعون أيضاً، يفكرون بالدولتين الفلسطينيتين لا بالدولة الواحدة، السبب معروف· الجنرالات ينتفخون وينظرون بـ''شراهة'' إلى الصيف··
تفجير اللقاء···
شاربان هائلان لإدارة الإمبراطورية···
هذا ما كتبه ''اسحق دويتشر'' الذي وضع كتاباً موسوعياً عن ''جوزف ستالين''· والعبارة إياها أوحت لـ''ناحوم ناربيا'' بالتساؤل: أي شاربين يقودان الجنرالات في إسرائيل؟
ثم يستطرد: أي دولة تلك التي تنتج ''دافيد بن غوريون'' ثم (ويا للهول!) تعود وتنتج··· ''ايهود اولمرت''؟
كثيرون سخروا من التاريخ على كل حال· المفكر الفرنسي ''ريمون آرون'' ردّ على الجدليّة التاريخية في الايديولوجيا الشيوعية بالقول ''إن التاريخ إمّا أنه يحمل العصا أو أنه يمشي على العصا''· ''ناربيا'' يعتبر أن ثمّة خللاً حدث في عقارب الساعة جعل ''ارييل شارون'' يذهب إلى الغيبوبة، و''ايهود اولمرت'' يذهب إلى رئاسة الحكومة·
تعليقات كثيرة أطلقت عقب حادثة رام الله، وحين كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يلتقي الرئيس المصري ''حسني مبارك'' في شرم الشيخ· هل كان هناك مَنْ يسعى لتفجير اللقاء؟ هل هناك مَنْ يريد أن يقول لمَن يعنيهم الأمر إن القرار موجود في مكان آخر؟ أسئلة كثيرة طُرحت، فيما كان هناك مَنْ يقول إنّ الرجل الضعيف لا يعرف أن يصنع السلام، ولا أن يصنع الحرب· ''مناحيم بيغن'' وقّع اتفاقية كمب ديفيد· ''اسحق رابين'' صافح ''ياسر عرفات''، ''ارييل شارون'' مَنْ فرض خطة الفصل، ولو بقي محتفظاً بوعيه لكان الوضع في الضفة الغربية مختلفاً تماماً الآن·
إذاً، ''ارييل شارون'' هو الذي ترك رجل منتصف الطريق في منتصف الطريق· داخل جلسات مجلس الوزراء لا يبدو أنه هو الأقوى· هناك، على الأقل، ''تسيبي ليفني'' و''افيغدور ليبرمان''، فيما الجنرالات سعداء بوزير الدفاع (عمير بيرتس) الذي يقولون انه يشبه ''طبق المعكرونة البارد''·

إنه أمام الملف الأصعب، فيما يقول باحثون أميركيون انّ الدينامية التي أظهرها الرئيس ''جورج دبليو بوش'' حين أطلق رؤيته حول الدولتين تراجعت حتماً· الأولوية الآن للعراق، فالرئيس ''الذي راح يتصرّف كما لو أنه فوق التاريخ''، حسبما كتب ''توماس فريدمان''، لا يريد أن يغادر البيت الأبيض وهو في الطبقة الدنيا من التاريخ· لا بد أن يحقق شيئاً ما للخروج من ذلك المأزق، إنه ليس ''جيرالد فورد'' الذي رحل منذ أيام، بل انه ينتمي إلى سلالة سياسية لا تستطيع أن تتحمّل الفشل، حتى أن ''لوس انجلوس تايمز'' تسأل ما إذا كان ''جورج'' قد قضى على مستقبل ''جيف'' (شقيقه الذي كان حاكماً لفلوريدا والذي قيل إنه أكثر ذكاء وأنه يتطلع إلى البيت الأبيض)· أين هي فلسطين في رأس الرئيس؟ لقد تبدّدت الرؤية (والرؤيا) على السواء· تسأل الصحيفة إياها ما إذا كان الرئيس قد نزل، أخيراً، إلى الأرض·

حجارة تطارد الصواريخ

الحليف الانجليزي ''توني بلير'' الذي بدأ يستعد لمبارحة 10 داوننغ ستريت، يدرك جيداً ماذا يعني ترك الملف الفلسطيني للرياح (وللدماء)· حاول أن يبذل جهداً ما، ولكن ليكتشف، وكما قال أحد معلقي ''الفايننشال تايمز'' إن هذه أزمة تحرق كل الأصابع، بما في ذلك الأصابع الكبيرة· آخرون حاولوا· ألم يقل انجليزي آخر هو ''ديفيد هيرست'': ''هذه أزمة لا يحلها سوى الله و··· أميركا؟''·

لكنه هو مَنْ يسأل أيضاً: ''هل أن الأميركيين يريدون فعلاً أن يأخذوا بهذه الأزمة إلى النهاية السعيدة؟''· الإسرائيليون، ورغم كل شيء، يعتبرون أنّ قيام دولة فلسطينية يعني استقطاب كل فلسطينيي الشتات دون أن يكون ذلك، بالضرورة، استقطاباً جغرافياً· هذه الدولة لا يمكن إلا أن تصبح قوية، وفاعلة، بعد تلك الاوديسه الطويلة من الآلام· لا أحد يستطيع أن يرغمها على البقاء ضعيفة، وهشة، والنتيجة أن الدولة العبرية، حتى ولو كانت تمتلك مئات الرؤوس النووية، ستبقى تحت رحمة الحجارة الفلسطينية· آن ''آمنون كابيلوك'' هو الذي كتب: ''حجارة تطارد الصواريخ''، ليلاحظ أن الفلسطينيين في حال صعود· الإسرائيليون في حال هبوط··

أين اللغز هنا؟

هل هذا صحيح فعلاً إذا ما نظرنا إلى تلك البانوراما الفلسطينية التي تثير الصدمة حقاً؟ لا ريب أن الواقع العربي الراهن يترك تداعياته الدراماتيكية على الحالة الفلسطينية، ولكن لماذا لا يكون العكس ما دامت القضية تختزن كل ذلك العذاب، وكل ذلك الغضب؟ هذه ليست مفردات أبداً، ولعل اللافت هنا أن مثقفين فلسطينيين بدأوا يتحدثون عن ''الأزمة الفلسطينية'' بلغة يائسة· بعد الطريق المسدود لا شيء· وحين كان ''اولمرت'' يزمع التوجه إلى القاهرة، كانت تل أبيب تعلن عن إنشاء مستوطنة جديدة في الضفة، فيما المسار الديبلوماسي، المشوّش جداً في هذه الأيام، يلحظ تقليص المستوطنات القائمة·
أين هو اللغز هنا؟ ولماذا تتعثر العملية التفاوضية إلى الحدّ الذي يجعل الفلسطينيين يخوضون الحرب ضد الفلسطينيين؟ الغريب أن هناك كتاباً غربيين يجدون حيثيات منطقية للوضع الفلسطيني الراهن، فحين تكون أزمة معقدة، وطويلة، ومفتوحة، دون إغفال البُعد الميتافيزيقي فيها، لا بد أن تتشكل صيغ، وأفكار، مختلفة للمواجهة، أي أنه من الطبيعي أن يخرج رجل مثل ''صائب عريقات''، وفي المقابل يخرج رجل مثل ''خالد مشعل''، هذا لا يعني بالضرورة ''أن تقاتل الدموع الدموع''، كما قالت سيدة من رفح لإحدى القنوات التلفزيونية، فالإسرائيليون كانوا على وشك أن يصطدموا بين بعضهم البعض، وهناك مَنْ كتب في هذا المجال، مستعيداً ما جرى للمملكة اليهودية إثر وفاة الملك ''سليمان'' في القرن العاشر قبل الميلاد، المملكة أصبحت مملكتين (إسرائيل ويهوذا) وخاضتا حروباً طويلة··

الجنرالات في الواجهة

الصورة انقلبت فجأة (هل جرى ذلك بالصدفة؟)، قبل أن تقوم الدولة اندلعت الحرب الفلسطينية ـ الفلسطينية· لا ضوابط سياسية، لا ضوابط على الأرض· ما هو دور الجنرالات الإسرائيليين في ذلك؟ بالتأكيد انّ ''ايهود اولمرت'' الذي يتحدث أصدقاؤه عن حنكته يمكن أن يكون صالحاً لرئاسة البلدية، وهذه مهمته السابقة، أما كرئيس للحكومة، فهو الأكثر هشاشة· إذاً، مَنْ يدير الخيوط في الدولة العبرية؟

خلال الاجتماع الأخير الذي حضره 600 ضابط كبير في قاعدة في الشمال لتقييم نتائج الحرب على لبنان، واستخلاص العبر، كتب ''زئيف شيف'' ''الجنرالات يعودون إلى الواجهة''· الساسة، وكما يبدو جلياً، أصبحوا مثالاً للتفكك، والاختلاف، وقصر النظر· ولكن ألا يشكك ''شيف'' أيضاً بكفاءة الجنرالات أنفسهم في ''إدارة الأوقات الصعبة؟''· المهم أنّ ''اولمرت'' في نوع آخر من الغيبوبة·· الذي كان يفترض أن يحدث هو أن يلتقط الفلسطينيون لحظة الضعف في إسرائيل· العكس تماماً هو الذي جرى· القادة يتبادلون التهم الهائلة· بعد كل ذلك الدم دم آخر يصبّ لمصلحة الدولة العبرية، حتى أن ''عوزي لاندو'' يقول ساخراً (أم أنها الجدية؟): ''دولتان للفلسطينيين، هذا أفضل، أفضل لماذا؟ دولة ضد دولة· إنها جدلية الأشياء''··
''شيف'' قال: ''الرجاء من الجنرالات ألا ينتفخوا كثيراً''· ولكن خلال الاجتماع، بدا واضحاً أنّ ثمّة مَنْ ينفخ في الأبواق، فالجيش لا يستطيع أن يحتفظ بتلك الذكريات اللبنانية· لا بد أن يقفز فوق كل الذي جرى· البعض تحدث عن حرب ضد سوريا، ليضيفوا أنّ الإدارة الأميركية قد ترى ذلك جيداً في الصيف المقبل، أي بعد أن تزداد المشكلة العراقية تعقيداً· بالتأكيد، الإسرائيليون يعدّون لعمل ما، الدبلوماسية مؤجلة، لم يبق من ولاية الرئيس ''بوش'' الثانية سوى سنتين على الأكثر، سنتين قد لا تلحظ فيهما ثانيتان للملف الفلسطيني، الرهان على أن تكون الصدمة الأخيرة··· صدمة الوعي·

''أورينت برس''

اقرأ أيضا

ترامب: أردوغان اعترف بخرق وقف إطلاق النار في سوريا