الاتحاد

عربي ودولي

محاكمة "الخليفة" بالجزائر.. إظهارُ للحقائق أم طيّ للملف؟

الجزائر- حسين محمد:

انطلقت يوم 8 يناير الجاري بصفة رسمية محاكمة المتورطين في فضيحة مجمع الخليفة المنهار في مايو 2003 بعد ثلاث سنوات كاملة من التحقيقات المستمرة· وينتظر أن تستمر المحاكمة أسابيع وربما أشهرا بالنظر إلى كثرة المتهمين والشهود ونوعية الملف وتعقيدات القضية، ولكن الأهم من هذا هو: هل ستفضي المحاكمة في الأخير إلى إظهار كل الحقائق المتعلقة بما يعرف بـ''فضيحة القرن'' في الجزائر؟ وأبرزها معرفة أسماء المتنفذين الذين قدموا تعليمات لمديري المؤسسات والهيئات العمومية بإيداع أموال ضخمة في بنك الخليفة الخاص ومن ثمة جرّهم بدورهم إلى المحاكمة؟ أم سيتم الاكتفاء بمقاضاة هؤلاء المديرين ومسؤولين آخرين وتقديمهم ككباش فداء على أساس أنهم قاموا بـ''أفعال معزولة'' ثم يُطوى الملف بعدها؟
غياب المتهمين الكبار
بدأت المحاكمة في غياب 10 متهمين كبار وفي مقدمتهم المتهم الرئيسي رفيق عبد المؤمن خليفة صاحب المجمع المنهار والموجود منذ صيف 2003 بأنجلترا حيث يقيم في فيلا تحت حراسة الشرطة البريطانية· وإضافة إلى عبد المؤمن وستة من أبرز مساعديه، اختفى فجأة وزير الصناعة الأسبق عبد النور كيرامان وابنته ياسمين وأخوه عبد الوهاب كيرامان المحافظ السابق لبنك الجزائر واتضح يوم المحاكمة أن الثلاثة فروا إلى الخارج وأرسلوا من هناك بياناً إلى وسائل الإعلام الجزائرية ووكالة الأنباء الفرنسية يقولون فيه إنهم قرروا عدم حضور المحاكمة لأنها موظفة ''سياسياً'' واستعملت فيها ''العدالة بشكل غير شرعي'' وتمت''فبركة'' التهم لهما وأخطرها الرشوة وتكوين جمعية أشرار والسرقة الموصوفة والتزوير· وقال الوزير الأسبق وأخوه إنهما لاحظا أن هناك ''إستراتيجيةً مخططاً لها منذ صيف 2004 لتوريطهما في هذه القضية السياسية وتقديمهما ككبشي فداء'' ومن ثمة قررا الفرار إلى الخارج·
بدأ بقية المتهمين يمثلون تباعاً أمام مجلس قضاء البليدة (50 كلم جنوب الجزائر) ماعدا الفارين العشرة الذين سيحاكمون غيابياً، وقد قررت المحكمة توجيه التهم لـ104 متهمين بعد أن استمعت إلى ''شهادات'' قرابة 4000 شخص طيلة ثلاث سنوات منهم وزراء ومسؤولون سامون بالدولة، بينما يبلغ عدد الشهود 280 شاهدا، أبرزهم وزير الدولة أبو جرة سلطاني، الذي أثار مؤخرا ضجة كبرى حول الفساد بتصريحه أن لديه قائمة لمسؤولين متنفذين متورطين في الفساد بالجزائر، ومن أبرز الشهود أيضا وزير المالية مراد مدلسي الذي أستدعي للشهادة بإصرار من الدفاع والوزير المنتدب للإصلاح المالي كريم جودي ووزير المالية السابق محمد ترباش ووزير السكن الأسبق عبد المجيد تبون، علما أن المحكمة سبق لها وأن استمعت إلى هؤلاء الوزراء سنة 2004 ورأت أن شهاداتهم مهمة فقررت استدعاءهم للإدلاء بها في هذه المحاكمة العلنية·
وبلغ عدد الضحايا الذين تأسسوا كطرف مدني 114 ضحية، بينما تكفل 150 محامياً بالدفاع عن المتهمين الـ104 الذين وجهت لهم 30 تهمة ثقيلة ومنها الإفلاس الاحتيالي، تكوين جمعية أشرار، السرقة الموصوفة، النصب والاحتيال، خيانة الأمانة، التزوير في محررات مصرفية، الرشوة، استغلال نفوذ المنصب والإفلاس بالتدليس·
والملاحظ من خلال قراءة بسيطة في أسماء المتهمين ووظائفهم أن أغلبهم مديرون عامون للمؤسسات والهيئات العمومية التي أودعت أموالها في بنك الخليفة الخاص، وأبرزهم علي عون المدير العام لـ''صيدال'' الذي أعطى دفعا قويا لصناعة الدواء الجزائرية، إضافة إلى مسؤولي مجمع الخليفة الذي يضم 11 فرعا· ودفعت طبيعة تشكيلة المتهمين المراقبين إلى الإستنتاج بأنه لايمكن انتظار الكثير من هذه المحاكمة باعتبار أنها ستقتصر على مقاضاة مديري الشركات والهيئات العمومية التي أودعت أموالها في البنك الخاص عوض إيداعها في البنوك العمومية، وقد لا تتعداها إلى محاكمة الأطراف التي قدمت لهؤلاء المديرين ''أوامر'' للقيام بهذه الخطوة، وهو الأمر الذي دفع محامي المتهمين إلى المطالبة باستدعاء رئيس الحكومة السابق أحمد أويحيى كشاهد رئيسي في القضية باعتبار أن مجمع الخليفة أسس في عهده ومطالبته بالكشف عن أسماء المتنفذين الذين أصدروا ''تعليماتهم'' للمديرين بإيداع أموال مؤسسات الدولة في هذا البنك ''المبتدئ''·
بداية قوية
وبرغم غياب عبد المؤمن خليفة المتهم الرئيس في القضية، إلا أن بدايتها كانت قوية كما توقع المتتبعون؛ إذ تم اكتشاف أن العقد التوثيقي الذي أسس به عبد المؤمن إمبراطوريته المالية كان مزورا، وأنه أسس بنكه الخاص بقروض من البنوك العمومية ومن دون تقديم أي ضمانات· كما صرح جمال قليمي مدير ''الخليفة للطيران'' والذراع الأيمن لعبد المؤمن أنه كان يتوسط لعددٍ هائل من المسؤولين لدى صديقه لتوظيف زوجاتهم وأبنائهم وأقاربهم أو منحهم قروضا مالية لإنجاز مشاريعهم، وذكر أخَ وزير الدولة أبو جرة سلطاني الذي استقبله بباريس وتوسط له لتمكينه من منصب شغل هناك، إلا أن عدم إتقانه الفرنسية أخر العملية شهورا· ومعنى هذا ببساطة أن عبد المؤمن خليفة تعمد توظيف أقارب المسؤولين السامين في مجمعه الذي يوظف 20 ألف عامل،لكسب ولائهم! كما كشف قليمي أنه توسط لمنح 1,5 مليون يورو لابنة وزير الصناعة الأسبق عبد النور كيرامان قصد فتح فرع لـ''الخليفة للطيران'' بإيطاليا لكن الفرع لم يُفتح أبدا· وهو بذلك يؤكد ما جاء في قرار الإحالة من أن عبد النور كيرامان وابنته ياسمين تلقيا 1,5 مليون يورو من دون مقابل، فضلا عن تلقي الوزير السابق لمبلغ 2,286 مليون يورو في حسابه الخاص بسويسرا من ''الخليفة للطيران'' بذريعة دفع حقوق الاشتراك لسنوات في مجلة علمية متخصصة في الطاقة كان يصدرها الوزير الأسبق بإيطاليا حينما كان ممثلا لشركة سوناطراك هناك، وكان الآمر بالصرف هو خال عبد المومن الذي تربطه علاقة عائلية بعائلة كيرامان· ولا شك في أن الأيام المقبلة ستكشف الكثير من الحقائق في هذه القضية التي سببت للشركات والهيئات العمومية الـ111 المودعة في بنك الخليفة خسائر جسيمة علما أن قيمة ودائعها بلغت ما يعادل 17,394 مليار دولار، ولا يدري أحد على وجه التحديد ما إذا كانت هذه المبالغ الضخمة قد ضاعت كلها بعد الإنهيار المفاجئ للبنك في مايو 2003 أم أن المؤسسات استرجعت بعضا من ودائعها قبل الانهيار وهو الأمر الذي يبدو مستبعدا· ويبدو أن الجهات الرسمية تتكتم على القيمة الحقيقية للخسائر لتخفيف الصدمة عن الرأي العام ؛حيث اكتفى أحمد أويحيى رئيس الحكومة السابق بالتصريح في صيف 2003 بأن قيمة الخسائر بلغت 2,1 مليار دولار، علما أن عدد المودعين الصغار بلغ 1,5 مليون زبون وقد قررت الدولة منحهم تعويضات لا تتعدى 600 ألف دينار جزائري مهما كانت قيمة ودائعهم بينما قررت عدم تعويض المودعين الكبار وأغلبهم من الشركات العمومية·
هل يُسلّم الخليفة؟
حقائق كثيرة قد تنكشف في هذه المحاكمة بتشكيلتها الحالية من المتهمين والشهود، ولكنها قد تنتهي من دون أن يشعر الجزائريون بأي طعم لها إذا لم تقم بريطانيا بتسليم صاحب ''فضيحة القرن'' عبد المؤمن خليفة للجزائر للمثول أمام المحكمة وقول ما عنده· وإلى حد الساعة يصر عبد المؤمن على التزام الصمت، ولم يمنح سوى تصريح صحفي واحد لمجلة فرنسية في الصيف الماضي قال فيه إنه قرر الصمت ''رأفة بالجزائر''وإن لديه الكثير ليقوله ''حينما يحين الوقت المناسب'' وأضاف عبد المؤمن أنه ''ضحية الحكام الذين يعجزون عن فعل شيء إيجابي للجزائر''· وكانت الجزائر قد أصدرت أمراً دولياً للقبض عليه في 14 يونيو 2003 وخاضت مفاوضات شاقة مع بريطانيا حول تسليم المطلوبين وأمضت معها في يوليو 2005 أربع اتفاقيات للتعاون القضائي والقنصلي وتسليم المطلوبين، وبموجب هذه الاتفاقيات يمكن تسلم عبد المومن من بريطانيا، ويبدي محمد الصالح دمبري سفير الجزائر ببريطانيا ثقة كبيرة بتسلم الجزائر''الفتى الذهبي'' من لندن في ''الأسابيع القليلة المقبلة'' ويعطي الانطباع بأنها مسألة وقت فحسب؛ فحينما تصدر الاتفاقيات الأربع في الجريدة الرسمية لبريطانيا يمكن حينئذ تسلم الخليفة خصوصا وأن التنسيق بين البلدين يتم بـ''وتيرة سريعة وجدية'' كما أكد دمبري· ويأمل الجزائريون أن يتم تسلم الملياردير الشاب عبد المؤمن فعلا ليأخذ جزاءه العادل من العقاب بعد أن كان يتصرف في أموال المودعين وكأنها أمواله الخاصة ويبعثرها ذات اليمين وذات الشمال وينفقها على الفنانين العالميين والجزائريين والفرق الرياضية المحلية والأجنبية من دون حساب، ولكن أيضا ليكشف ما عنده من ''أسرار'' حول بنكه الشهير الذي أنشأه في 27 يوليو 1998 بالتزوير والاحتيال على البنوك العمومية ثم حقق نجاحا منقطع النظير وشهرة قياسية وأنشأ 10 شركات أخرى في سنوات قليلة منها شركة للطيران وفضائيتان تبثان من لندن وباريس علما أنه من مواليد عام 1966 ولا يملك خبرة كبيرة في إدارة المال والأعمال· ولعل أكبر سرّ يريد أن يعرفه الجزائريون هو: من هم الذين كانوا يقفون وراءه من المتنفذين في الدولة؟ لماذا شجعوه بتلك الطريقة حتى أصبح ''عملاقا'' ماليا في وقت قصير ثم تخلوا عنه لينهار بنفس السرعة القياسية؟ ولكن إذا لم يتم تسليم عبد المومن لسبب أو لآخر، فلن يكون للمحاكمة الحالية أهميةٌ كبيرة ولاسيما إذا تم تقديم ما قام به مديرو 111 مؤسسة وهيئة عمومية من إيداع أموالهم في بنك الخليفة على أنه نِتاجُ قرارات فردية دافعها الرغبة في الاستفادة من معدلات الفائدة المرتفعة على الودائع المالية والتي بلغت 17 بالمئة مقابل 6 إلى 7 بالمئة فقط في البنوك العمومية، إذ سيتم طيّ الملف بعدها بصدور عقوبات بالسجن والغرامة على الذين ستثبت في حقهم التهم، ولكن من دون إقناع الجزائريين المقتنعين تماماً أنه لايمكن أن تكون خطوة هذا العدد الكبير من مديري المؤسسات العمومية نتاجَ تصرفات فردية معزولة، بل إن وراء الأكمة ما وراءها· يرى متتبعون أن السبب الرئيس لفرار وزير الصناعة الأسبق عبد النور كيرامان وابنته وأخيه عبد الوهاب محافظ بنك الجزائر يعود إلى عدم قدرتهم على دحض التهم الموجهة إليهم؛ فالوزير متهم بأنه تلقى في حسابه الخاص بسويسرا مبلغاً يناهز 2,3 مليون يورو من ''الخليفة للطيران'' وابنته متهمة بتلقي 1,5 مليون يورو من دون مقابل وأخوه متهم بغض الطرف عن تجاوزات بنك الخليفة منذ 1998 بينما كان يجب أن يتدخل لوضع حدّ لها في الوقت المناسب والحؤول من دون حدوث نزف مالي كبير للمؤسسات العمومية التي أودعت ما يعادل قرابة 17,4 مليار دولار من أموالها بالعملة الجزائرية في هذا البنك''المبتدئ''·
أويحيى مطلوب للشهادة
كشف خالد برغل أحد محامي المتهمين إنه تقدم بطلب إحضار ثلاثة شهود أساسيين في القضية وهم أحمد أويحيى رئيس الحكومة السابق ووزير المالية مراد مدلسي ومحمد لكساسي المحافظ الحالي لبنك الجزائر لأنهم يملكون إجابات وافية عن أسئلة الدفاع، وبخاصة أويحيى الذي أطلق وصف ''احتيال القرن'' على فضيحة الخليفة، مما يدل على أنه كان يملك معلومات عما يجري في البنك من تجاوزات، ودعا إلى كشف المستفيدين غير المعروفين من البنك·

اقرأ أيضا

ترامب يعلن بقاء عدد محدود من الجنود الأميركيين في سوريا