الاتحاد

عربي ودولي

مغاصات اللؤلؤ في الخليج.. ثروة اكتشاف الأجداد

سلمان كاصد:

عرف عن منطقة الخليج - والتي كانت تعرف بأسماء متعددة خلال العصور التاريخية المختلفة - أنها موطن اللؤلؤ· وقد عرف الخليج بأسماء متعددة أطلقها عليه المؤرخون منها: البحر الكبير، والبحر الأصفر، وبحر شروق الشمس ،وبحر الكلدانيين، والبحر المالح، وخليج البصرة، وخليج القطيف، والخليج العربي - أما المنطقة فقد كانت تسمى أرض البحر·
يندرج موضوع مغاصات اللؤلؤ في الخليج خلال الفترة التي دون فيها الجغرافيون والرحالة المغاربة والأندلسيون في تاريخ العصر الوسيط في إطار السياق التجاري العام للخليج العربي، ويمكن تحديد بعض الجوانب المتحكمة في هذا الإطار انطلاقاً من الثوابت التالية: من حيث الموقع،فقد اتفقت معظمهم إلى أن منطقة الخليج تعتبر من أهم المناطق الدولية التي يستخرج منها اللؤلؤ، وأن أجود أنواعه موجود بها، وأن شهرة المنطقة بإنتاجه كانت قديمة·
من جهة ثانية - إن مغاصات اللؤلؤ وتجارته هو المهنة الرئيسية للسكان الخليجيين، والمصدر الأول للدخل في هذه البلاد التي زاروها، فقد وجد اهتماما خاصاً من أولئك الجغرافيين والرحالة، فلم يكتفوا بالحديث عنه كمورد اقتصادي هام للدولة، ومصدر عمل للسكان، بل وصفوا كيفية استخراجه، والأماكن التي يوجد بها، وتجارته، ومواسمه، وأدوات العمل، والأشخاص الذين يعملون فيه ·
وإذ يستحضرالدكتور نواف عبد العزيز الجحمة الأستاذ بكلية التربية الأساسية في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب في الكويت في محاضرته التي القاها في المجمع الثقافي هذه الانطباعات والأفكار والمعلومات من خلال نصوصها، يجري التشديد هنا، وكهدف منهجي ،على أن قراءة الجغرافيين والرحالة لمغاصات اللؤلؤ في الخليج ، تتيح وعياً للتأريخ الاقتصادي والاجتماعي في تلك المدة التاريخية·
جغرافية المواضع
أقدم ما نجد من نصوص الجغرافيا الأندلسية حول مغاصات الخليج يرجع إلى القرن الخامس الهجري (11م ) ومنها كتاب '' المسالك والممالك '' - لأبي عبيد البكري الذي يقول: '' ومغاص اللؤلؤ في بلاد خارك، وقطر وعمان وسرنديب وغيرها من هذه البحار خاصة، وغيرها من البحار لا لؤلؤ فيها ··· ''
أما النص الثاني فذكره البكري في معرض ذكره للطريق من عمان إلى اليمن قال : ''من عمان إلى مسقط على الساحل، ثم منه إلى سقطرى ثم من هذه الجزيرة إلى موضع يقال له (معبث) به مغاص اللؤلؤ ·· ''
وفي أوائل القرن السادس الهجري (12م) - وصف الشريف الإدريسي مغاصات اللؤلؤ في كتابه '' نزهة المشتاق في اختراق الآفاق'' فأضاف إلى ما نقله البكري أشياء جديدة أنفرد بها فقال : '' وفي هذا البحر جميع مغايص اللؤلؤ، وأمكنته، ثم أن أمكنته نحو من ثلاثمائة مكان ، مقصودة كلها، مشهورة بالغوص '' ثم يحدد المواقع :'' صور وقلهات وصفها على ضفة البحر المالح، وهما مدينتان صغيرتان لكنهما عامرتان ، وشربهما من الآبار · ويصاد في هاتين المدينتين اللؤلؤ قليلاً ·
ويضيف الإدريسي ملاحظات أخرى فيتحدث عن جزيرة (آوال) محدداً موضعها بأنها على مسيرة خمس مراحل من بر فارس، وأربع مراحل من بر العرب· طولها ستة أميال وكذا عرضها، وأن حاضرتها هي البحرين ·وهي - كما يصفها مدينة عامرة يسكنها غاصة اللؤلؤ ويصل إليها تجار اللؤلؤ من جميع أنحاء الأرض، ومعهم الأموال، ويقيمون بها شهوراً طويلة حتى يكون وقت الغوص ·
يقول الجحمة: ما ذكره الإدريسي يؤكد تاريخية شهرة لؤلؤ البحرين منذ قديم الزمان ، وأشير إليه في سجلات الأشوريين قبل 2000 ق·م بعبارة
( عيون الأسماك ) الدلمونية ، كما اشتهرت تايلوس وهو اسم قديم عرفت به البحرين بكميات اللؤلؤ الهائلة في قاع بحارها، واستطاعت البحرين أن يكون لها تأثير كبير على تجارة اللؤلؤ في جميع أنحاء الخليج ، وحتى فترة أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين · هذا ويمتاز لؤلؤ البحرين بكبر حجمه، وصفاء لونه، وعدم تغيره ·
وبعد الإدريسي زار أماكن مغاصات اللؤلؤ الرحالة بنيامين التطيلي وهو يهودي أندلسي زار الشرق الإسلامي في أوائل النصف الثاني من القرن السادس الهجري (12م) وقد كتب رحلته بالعبرية، ووصف البلاد التي مر بها· وأصبحت رحلته مصدراً للرحالة الغربيين الرواد ممن اتخذ وجهة الشرق، وكذا لعلماء الآثار والمنقبين الذين توجهوا نفس الوجهة· ولا نغفل أنه تاجر وأنه يجمع إلى إلمامه بالتوراة والتلمود إلماما كافيا بالاقتصاد وفنون التجارة· يذكر بنيامين مدينة القطيف التي عرفت بمغاص اللؤلؤ · فاتخذته تجارة رائجة لها، يقول '' وفيها أيضا مغاص الجوهر المعروف بالدر - ففي الرابع والعشرين من شهر نيسان من كل عام ، تتساقط قطرت المطر الكبيرة على سطح الماء ، فيلتقها المحار وينطبق عليها ويغوص في قعر البحر ··· ''
وشهادة بنيامين تؤيد ما ذكره الإدريسي من توافر اللؤلؤ في الشمال الغربي للخليج، إلا أنه خصص مدينة القطيف دون ذكر للمغاصات الأخرى ويقدم لنا إحصاء بعدد اليهود الذين كانوا فيها بنحو خمسة آلاف يهودي · يبدو أن هذه الكثافة ترجع إلى نسبة الأرباح الطائلة من وراء صيد اللؤلؤ·
يبدو أن شيوع فكرة أصل اللؤلؤ الناشئ عن المطر ( الخرافة الجميلة ) جاءت من المدونات القديمة
( الهنود واليونان والفرس ) منذ القرن الثالث ق · م إلى العصور الوسطى · ومع أن هذه الفكرة قد بدأ العلماء في التخلي عنها ابتداء من القرنين ( 16 - 71م ) ، إلا أنها ظلت متداولة بين أوساط العامة إلى أوائل القرن العشرين ·
النظام والمهنة القديمة
كان وصف الشريف الإدريسي في القرن السادس الهجري (12م) للغوص على اللؤلؤ في منطقة الخليج من الأوصاف الدقيقة لهذه المهنة الأصيلة وأقربها إلى ما كان عليه الغاصة الخليجيون حتى وقت قريب ، فهو أحد أولئك الذين تناولوا كل صغيرة وكبيرة في موضوع الغوص · فهو يحدثنا أن جزيرة (آوال) بها مدينة كبيرة تسمى البحرين ،ويصل إليها تجار اللؤلؤ من جميع أصقاع المعمورة ، ومعهم الأموال، ويقيمون شهوراً طويلة حتى يكون وقت الغوص · ثم ينتقل إلى النظام الذي بموجبة يتم استخدام الغاصة ·'' فيكترون (يؤجرون) الغاصة مقابل أسوام (أجور) معلومة، تتفاضل على قدر تفاضل الغوص والأمانة ''، ثم تحدد مواعيد الغوص، التي هي بلاشك مواعيد الغوص الرئيسي (العود) · '' ويكون الغوص في أغشت (اغسطس) وشتنبر (سيبتمر) '' ·
وفي وصفه المفصل لأحوال مهنة الغوص يتحدث عن السفن التي يذهب عليها من يعملون في هذه المهنة ، فقال : '' (والدونج) أكبر من الزورق، وفي إنشائه وطاء ويقطعها التجار أقساماً في كل دونج منها خمسة أقسام وستة، وكل تاجر منهم لا يتعدى قسمه من المركب، وكل غواص له صاحب يتعاون به في عمله ،وأجرته على خدمته أقل من أجرة الغطاس ويسمى هذا المعاون المصفي (السيب) ·
'' ويخرج الغواصون من هذه المدينة وهي جملة في وقت خروجهم ومعهم دليل ماهر ولهم مواضع يعرفونها عياناً بوجود صدف اللؤلؤ فيها ، لأن للصدف مراعى تجول فيها وتنتقل إليها وتخرج عنها في وقت آخر إلى أمكنة أخرى معلومة بأعيانها · فإذا خرج الغواصون عن (أوال) تقدمهم الدليل والغواصون خلفه في مراكبهم صفوفاً لا تتعدى جريه ،ولا تخرج عن طريقه فكلما مر الدليل بموضع من تلك المواضع التي يصاد بها صدف اللؤلؤ تنحى عن ثيابه وغطس في البحر ونظر ، فإن وجد ما يرضيه خرج وأمر بحط قلاع دونجه وأرسى وحطت جميع المراكب حوله وأرست ، وأنتدب كل غواص إلى غوصه ،وهذه المواضع يكون عمق الماء فيها من ثلاث قيم إلى قامتين فدونها '' ·

اقرأ أيضا

إسرائيل تغلق معابر غزة وتقلص مساحة الصيد