الاتحاد

الملحق الثقافي

غزة أولا.. لماذا؟

الطيب بشير

يجزم جان بيار فيليو، وهو أستاذ علوم سياسية ومؤرخ فرنسي، في كتابه “تاريخ غزة” الصادر هذه الأيام عن دار” فايارد” للنشر بأن أي حل عادل ودائم للنزاع العربي ـ الاسرائيلي لا بد أن يمر عبر غزة.
ويبين المؤلف، وهو يتقن اللغة العربية، إن قطاع غزة كان منذ 1948 موقع نشأة الحركة التحررية الفلسطينية، وأنه قد أوى بين عامي 1948 و1949 ربع اللاجئين الفلسطينيين على مساحة لا تمثل سوى 1 في المائة فقط من الأراضي الفلسطينية، ذلك ان غزة كانت المكان الوحيد الذي لم تحتله إسرائيل، ولم يتم إلحاقه بالأردن، مشيرا بأن الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939 قد ألحقت ضررا كبيرا بالعائلات الفلسطينية الوطنية الكبرى في القدس، مما دفع بالبعض منها الى الهجرة الى غزة.
ويرى المؤلف أن الباحثين والمؤرخين أهملوا قطاع غزة ولم يولوه الأهمية التي يستحقها، وذلك لغياب الأرشيف الذي يمثل المصدر الأساسي لكل بحث موضوعي، ثم لأن اهتمام الباحثين المعاصرين توجه نحو الفلسطينيين الذين استوطنوا غزة منذ سنة 1948، ولم تتم دراسة الفترة السابقة لهذا التاريخ وهي فترة هامة.
ويحلل جان بيار فيليو الكثير من الأحداث التي عاشها القطاع على امتداد تاريخها ليستنتج ان غزة كانت دائما في قلب الأحداث، وإنها كانت نواة لنشأة المقاومة وظهور الحركات الفلسطينية المختلفة المشارب والاتجاهات، ويقارن المؤلف في كتابه بين الحرب التي شنتها إسرائيل على القطاع في ديسمبر 2008 والحصار الذي فرصته إسرائيل على بيروت عام 1982، مبرزا نقاط التشابه بين الحربين.

الوزن السياسي
ويرى الكاتب ان الحرب التي شنتها اسرائيل على غزة ساهمت في منح الفلسطينيين صيتا ووزنا رغم خسارتهم للمعركة... ولكنهم ـ من وجهة نظر المؤلف ـ ربحوا مواجهة مباشرة مع إسرائيل وهو ما أكسبهم قيمة ووزنا سياسيا. ويرى جان بيار فيليو أنه ليس من باب الصدفة اندلاع أول انتفاضة فلسطينية في مخيم اللاجئين بـ”جباليا” بقطاع غزة، ذلك أن أسبابا موضوعية مهدت لذلك، فثلثي سكان قطاع غزة هم من اللاجئين.
وفسر المؤلف في كتابه الصادر في اوائل شهر سبتمبر 2012 باللغة الفرنسية، خلفية نشأة حركة حماس والتي قال إنها تعود إلى فترة ظهور حركة “فتح” وهي حركة ـ كما جاء في الكتاب ـ نتجت عن انشقاق حركة “الإخوان المسلمين”، وقد اختارت حركة “فتح” المقاومة المسلحة، ولأسباب مرتبطة بقمع إسرائيل وجد مناصرو “فتح” أنفسهم أمام خيار الهجرة والخروج لقيادة المقاومة من الخارج، ومنذ تلك الفترة ظهرت بوادر حركة “حماس” التي نشأت في الداخل.
وسعى المؤلف جان بيار فيليو إلى شرح أسباب تسامح إسرائيل في بداية نشأة حركة “حماس” إزاءها، قائلا أنه ورغم غياب وثائق إسرائيلية تمكن من إيجاد تفسير لذلك، فإنه يرى أن هدف إسرائيل قام وفق شعار “فرق تسد”، وهي إستراتيجية كل القوى الاستعمارية في العالم، وقال إن ظهور حركة “الجهاد الإسلامي” كان بداية تغيير إسرائيل لإستراتيجيتها التي اتبعتها بغض النظر عن حركة “حماس” اعتبارا للعداء الشديد الذي أظهره هذا تنظيم ـ أي “الجهاد الاسلامي” ـ ضد إسرائيل.
وفي فصل آخر من كتابه حاول المؤلف جان بيار فيليو شرح الخلاف الحالي بين حركتي “فتح” و”حماس” وفشل كل محاولات المصالحة بينها منذ خمس سنوات، وقال إن الحرب الأهلية الناتجة عن النزاع بين الحركتين والتي تواصلت عاما ونصف العام شهدت عنفا لا مثيل له ومثلت منعرجا هاما، وكانت سببا رئيسيا في تأخير نشأة دولة فلسطينية.

الخلاف والمصالحة
وجاء في الكتاب أن ما يسمى حركة “الربيع العربي” تجد صداها لدى أهل غزة الذين يبدون إعجابا وحماسا لها، وقد غذى هذا التطور الجديد الرغبة في إتمام المصالحة بين “فتح” و”حماس”. وهذه النزعة نحو المصالحة، بحسب المؤلف، هي أقوى في غزة منها في الضفة وذلك بسبب ما يعانيه أهل غزة ـ نتيجة الانقسام بين “حماس” و”فتح” ـ من مصاعب في حياتهم اليومية.
ويرى المؤرخ والباحث جان بيار فيليو بأنه لإنهاء النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وإيجاد حل عادل ودائم، يجب البدء بقطاع غزة وليس بالضفة الغربية. ويفسر المؤلف رأيه هذا بأن أن قطاع غزة لا يضم مستوطنات وليس به أماكن مقدسة، وبالتالي فإن البداية به لإيجاد حل أيسر.
ويجزم المؤلف من منطلق مشاهداته وتحليلاته ان أهل غزة اليوم يعيشون ما يسميه “كابوس داخل كابوس آخر” وهو يفسر ذلك بالضغط الإسرائيلي على القطاع من جهة، والخلاف والنزاع بين “حماس” و”فتح” من جهة أخرى.
ولم يكتف جان بيار فيليو في كتابه بتحليل التاريخ المعاصر لغزة، بل انه استعرض أهم المراحل في التاريخ القديم لهذا القطاع، وبين ـ استنادا الى وثائق وأحداث دقيقة ـ إن غزة كانت دائما وعبر العصور نقطة حساسة ومحط اهتمام وأطماع القوى العظمى.
ويكشف المؤرخ ان الاسرائيليين خامرتهم فكرة احتلال عزة الا انهم عدلوا عن ذلك بسبب الكثافة السكانية للقطاع وبسبب العدد الكبير للاجئين الفلسطينيين الذين استقروا فيه..
وفي قراءة للمؤلف للتاريخ المعاصر لغزة، فإنه يرصد بأن القطاع مر بثلاث فترات، وكل فترة منها امتدت كل منها على عشرين عاما. ففي العشرينية الأولى شهدت غزة ولادة حركة “فتح” التي نشأت على أنقاض القومية العربية، ثم تلتها فترة ثانية استمرت هي الأخرى عشرين عاما تعمق فيها ارتباط غزة باسرائيل، ثم الفترة الثالثة التي اشتدت فيها المقاومة وبرزت فيها بوضوح الدعوة الى إنشاء دولة فلسطينية وهوالحلم الذي أجهض مع ظهور الخلاف بين “حماس” و”فتح”.

اقرأ أيضا