الاتحاد

الملحق الثقافي

سليمان الحقيوي: الصورة غير بريئة

يرى الناقد السينمائي المغربي سليمان الحقيوي أن السينما الأميركية هي الآن أكثر انتشارا واستهلاكا في كل بقاع العالم، كما يرى أن الدور الذي يجب أن تلعبه المهرجانات السينمائية في الوطن العربي هو تقريب المسافات وتبادل الخبرات والتعريف بالسينما العربية على مستوى البلدان العربية.
ويؤكد الحقيوي أنه يجب علينا صنع أعمال سينمائية تُقدم صورة حقيقية عن المجتمع العربي المتسامح، ولكي تصل هذه الأعمال إلى الآخر عليها أن تتوافر على عامل الجدة والفنية العالية.

محمد نجيم

بمناسبة صدور كتابه الجديد: “سحر الصورة السينمائية” كان هذا الحوار مع الحقيوي، الذي تطرق إلى مضمون الكتاب وهموم سينمائية متنوعة.

? في كتابكم الجديد “سحر الصورة السينمائية” نلاحظ اهتمامكم بالسينما الغربية على حساب السينما المغربية والعربية. ما سبب ذلك؟
? السبب وراء تخصيص كتاب “سحر الصورة السينمائية” للسينما الغربية ـ الأميركية تحديدا ـ هو سؤال وُجه إليّ في أكثر من مناسبة وبطرق وصياغات مختلفة، وأنا أجده سؤالا مبررا، على اعتبار أن صاحب الكتاب هو ناقد مغربي فكيف يخصّص كتابا عن السينما الغربية؟. لذلك أودّ ان اشير إلى حقيقة يعرفها الجميع، فالسينما الأميركية الآن هي الأكثر انتشارا واستهلاكا في كل بقاع العالم، ولكن الانتاج السينمائي الأميركي ليس انتاجاً بريئاً، ومن خلال تتبعنا لهذا الإنتاج سنلاحظ أن مجموعة من الرسائل التي تمر بين ثنايا قصص هذه الأعمال تهدف في بعض الأحيان إلى تشويه صورة الآخر، أو طمس تاريخه، أو اقصائه الخ.. ومع السحر الذي تمارسه بعض التيمات يصعب على الجمهور كشف هذه الرسائل، فتصبح بمرور الوقت مسلّمات على اعتبار الاستهلاك الكبير للنمط السينمائي الأميركي في ظل غياب منافسة سينمائية محلية أو عالمية، فلهذا أجد أنه من الواجب على نُقّاد السينما مواكبة الإنتاج السينمائي الأميركي، وفي هذا السياق يأتي كتابي “سحر الصور السينمائية” ليكشف بعضا من آليات اشتغال السينما الغربية وبسط رسائلها البادية والخفية أمام الجمهور العربي.

تغيير الصورة
? كيف ترى صورة المجتمع العربي في السينما الغربية، وهل هناك من يتحكم في صياغة هذه الصورة التي تكاد ان تكون نمطية؟
? صورة المجتمع العربي في السينما الأميركية هي صورة نمطية بالفعل، وهذه الصورة تتراوح بين الانسان العنيف والإرهابي الذي لا يقبل الآخر ويرفضه... وهناك مجموعة من التفصيلات التي تتفرع عن هذه العناصر التي ذكرت تسهم مجتمعة في إعطاء صورة خاطئة عن مجتمعاتنا العربية، وقد أسهمت أحداث 11 سبتمبر في إذكاء هذه الصورة، فأصبح المجتمع الأميركي مُحبّاً للأعمال السينمائية التي تكشف له عدوه (حسب اعتقاده فإن هذا العدو هو الإنسان العربي). وفي هذا السياق سألني صحفي فرنسي كان يقوم بإعداد تقرير حول الحضور العربي في السينما الأميركية فكان جوابي واضحاً، هو أن بعض هذه الأعمال لا تقدم صورة حقيقية عن المجتمعات العربية، وبعد جدال دار بيننا أحلته على أفلام ريدلي سكوت وخصوصا فيلم “كيان من الأكاذيب” وفيلم “الخائن” لجيفري ناشمانوف، (وهي أعمال تقدم صورة مُنصفة عن المجتمع العربي) وبعد أن شاهد هذه الأعمال، عاد واتصل بي مجددا مع حجة جديدة تهم بعض السلوكات الصادرة عن بعض العرب الموجودين في فرنسا، فأجبته هذه المرة كالتالي: هل يعتبر سلوك أحد الفرنسيين في المغرب كافياً لإصدار حكم سلبي عن المجتمع الفرنسي؟ فأجاب بالنفي. وبعد هذا الحوار غيّر كثيرا من قناعاته حول المجتمع العربي، فما نحتاجه هو تغيير هذه الصورة النمطية، ونحن مطالبون بتغيرها بطرق مختلفة أنجعها السينما، ففي هوليوود الكل يعلم حقيقة ما يجري، ولكن لا أحد يحب أن يقدم على مغامرة صنع فيلم يصحح صورة المجتمع العربي عند الغرب، لأنه لا يوجد فيلم معرض للفشل في الغرب أكثر من العمل الذي قد يقدم مفاهيم صادمة للغربيين، لذلك نحن من يجب عليه صنع أعمال سينمائية تقدم صورة حقيقية عن المجتمع العربي المتسامح، ولكي تصل هذه الأعمال إلى الآخر عليها أن تتوافر على عامل الجدة والفنية العالية.

? ما الذي يمثله الفن السينمائي في حياة الفرد الأميركي أو الفرنسي أو الغربي عموما؟
? لكي نفهم علاقة الفرد الغربي بالسينما علينا أولا أن نفهم طريقة تفكير هذا الفرد أولا، فالفرد الأميركي مثلا يثق ثقة عمياء في سينماه وإعلامه الداخلي، وهذه النظرة تقوت بعد 11 سبتمبر، وهو ان كان يناقش الأعمال السينمائية التي لا تقدم صورة مناسبة عن أميركا، فهو لا يقدم أدنى مراجعة عن اعمال تقدم صورة سلبية عن مجتمعات اخرى، لأن نظرته ممزوجة بنظرة تميز واستعلاء، وبالتالي فهذا الشعب يحب سينماه كثيرا، والمنتج الاميركي، يعي هذا المعطى الاقتصادي جيدا، لذلك نجده ينظر الى اميركا كسوق استهلاكي كبير يحتم عليه تقديم ما يلائم تفكير الفرد الأميركي، وهذه النظرة هي التي تتحكم في الانتاج السينمائي الغربي.

? عمر السينما وصل أزيد من قرن، والسينما تطورت بشكل مذهل في اميركا وبلدان العالم المتقدم، كيف ترى مستقبل السينما في القرن القادم، ومن هم صناع السينما الذين يصنعون هذا العالم المذهل؟
? بين عرض الاخوة لومير الفيلم السينمائي الأول في مقهى “جراند كافيه” في بارس واليوم اكثر من قرن من الزمن، وهذه المدة كانت كافية لكي تصل السينما إلى أقصى حدود الإبهار البصري والتقني، وإذا كانت السينما الاميركية الآن تعتلي الريادة عالميا، فلا ينبغي أن ننسى الدور الذي لعبته السينما الأوروبية في تطور السينما العالمية، لكنها تراجعت بعد الحرب العالمية، لتصبح هوليوود بعد ذلك عاصمة للسينما العالمية، ويجدر بنا التأكيد أن هوليوود قد صدرت للعالم نمطها الاستهلاكي، وهذا النمط أصبح مقياسا لصنّاع السينما. وهكذا فيمكننا القول: إن هوليوود ستزيد من سيطرتها على الإنتاج السينمائي وإيراداته مستفيدة من التطور التكنولوجي الكبير الذي يساير صناعة السينما، رغم ما قد نشهده من إنتاجات سينمائية هندية، أو أوروبية، أو عربية...

التجارب العربية
? هل عندنا سينما عربية؟
? السينما العربية بالفعل موجودة بدليل الإنتاجات المحلية في كل بلد عربي، وإذا أردنا الاقتراب من هذا الإنتاج فسنجد أن التجربة السينمائية المصرية هي الأكثر قدما من بينها، ولكن الفيلم المصري رغما إرثه التاريخي فقد سقط منذ بداياته في المحمول التجاري، وهذا المحمول تحقق بسينما الترفيه، وهي التي تحكمت في الإنتاج السينمائي المصري كثيرا، رغم وجود أعمال أخرى خالفت هذا الطرح، لكنها لم تستطع محو الصورة الكلية. أما الإنتاجات السينمائية الأخرى فهي حديثة نسبياً، مثل التجربة السينمائية المغاربية والسينما الخليجية. يجب وضع استراتيجيات بعيدة الأمد تُوازن بين هذه الإنتاجات والأسواق المحلية، ويجب أيضا العمل على تبادل الخبرات ونقلها في مختلف الأقطار العربية، من خلال اللقاءات والمهرجانات الكثيرة. كما أن الجمهور العربي الآن يعيش أزمة ذوق وهذه الأزمة هي متعالقة مع أوضاعه الاجتماعية خصوصا في البلدان التي عرفت السينما في فترات مبكرة، وعندما سيتوافر هذا الجمهور على ذوق جمالي سيفرض على المنتج تلبية هذا الذوق بأعمال سينمائية وفنية راقية تكون كفيلة بخلق التطور السينمائي الذي ننشده جميعاً.

? كيف ترى مستقبل السينما في بلدان الخليج العربي؟
? الحديث عن مستقبل السينما في بلدان الخليج العربي، يجب أن يبدأ بالحديث عن مكانة الفيلم الخليجي ضمن اهتمام الجمهور في بلدان الخليج العربي، ومكانة الإنتاج الخليجي تأتي حتما بعد الفيلم الأميركي والهندي والأوروبي والمصري، وهذا إشكال يعوق انتشار سينما الخليج محليا وعربيا، فالجمهور لم يتعود بعد على سينماه المحلية، وبالتالي فهو يُفضل أنماطا سينمائية أخرى، ولكي تأخذ سينما الخليج مساحة على الخريطة السينمائية يجب عليها إنتاج افلام تستقطب هذا الجمهور، رغم أن هذه المسؤولية قد تبدو صعبة في ظل المنافسة الشرسة من الفيلم الأميركي والهندي، ويجب عليها أيضا تبادل الخبرات مع البلدان السينمائية العربية، كما يجب عليها معالجة إشكالية النص، أي السيناريو وهذا الأشكال قد تشترك فيه مع السينما العربية، ولكن بالنظر إلى نوعية المهرجات السينمائية التي تحتضنها بلدان الخليج العربي وكذلك المنجز السينمائي في الفترة الأخيرة والأهم من ذلك الاهتمام المتزايد بالفن السينمائي، هي أمور تجعلنا ننظر مطمئنين إلى مستقبل مشرق للسينما في بلدان الخليج العربي.
دور المهرجانات
? نلاحظ تزايد المهرجانات السينمائية في الوطن العربي كيف تفسر ذلك؟
? من حيث المبدأ، فالدور الذي يجب أن تلعبه المهرجانات السينمائية في الوطن العربي هو تقريب المسافات وتبادل الخبرات والتعريف بالسينما العربية على مستوى البلدان العربية، ولكن هل تتحقق هذه الأهداف؟ بالطبع لا تتحقق، فالمهرجانات السينمائية اليوم لا تحقق أهدافها، كما تتأثر بعدم التنسيق على المستوى العربي، فنلاحظ مثلا تزامن بعض المهرجانات المهمة ويصبح الأمر تزاحما، مثل ما نجده بالنسبة لمهرجاني مراكش ودبي، فرغم أهميتها الكبيرة إلا ان انعقادهما في نفس الفترة يؤثر سلبا، ويشتت الجهود لخلق انتعاشة سينمائية حقيقة.
ومن جهة أخرى فليس هناك مؤشرات قوية لنهضة سينمائية في ظل شبه الفوضى السينمائية التي يعيشها الوطن العربي، ومنه يكتسب تساؤلنا عن جدوى هذه المهرجانات شرعيته، وأنا لا أتحدث أبدا عن كم هذه المهرجانات، بل أتحدث عما يتحقق بانتهاء مهرجان معين.

? ما هي معايير اختياراتك للأفلام موضوع اشتغالاتك؟
? اختياري للأعمال التي اقدم حولها قراءات نقدية، مسألة غير ثابتة بمعنى أنه ليس هناك منحى فني أو جمالي محدد دائما، كما أنه ليس هناك موضوعة سينمائية محددة لاشتغالي، وأول ما أعتمد عليه هو المتابعة الجيدة للإنتاج السينمائي الغربي خصوصا، من خلال هذا الإنتاج ألتقط بعض الأعمال التي أرى فيها رسائل تهم القارئ العربي وقضاياه، لذلك أجدني أُركز على الرسائل التي يُعبر عنها العمل، ولكن من خلال تعالق آليات اشتغال الفيلم ككل فتكون المقاربة شاملة، الإخراج والأداء والسرد الفيلمي والموسيقى التصويرية... والهدف هو تمكين الجمهور العربي من التعامل مع الفيلم السينمائي وتفكيك عناصره وعدم الانخداع بسحر الصورة لأنها ليست بريئة دائماً.

اقرأ أيضا