الاتحاد

دنيا

خمسة وسبعون جنيهاً

ينجح الناس كلهم في جمع الثروات بينما أفشل أنا، وقد فكرت في الأمر كثيراً.. هل السبب هو غبائي الشديد أم حماقتي؟.. لا أعتقد أنني أغبى من المتوسط العام للغباء من حولي، ولكنني أفتقر إلى شيء ما.. شيء معين قد يملكه البواب أو السباك لكنه ليس عندي. هذا الشيء ليس الذكاء بالضبط، لكنه نوع من الحصافة يطلق عليها المصريون “النصاحة”، بالعامية.
قال لي صديق: “ترى الرجل قادمًا من الصعيد لا يملك سوى منديل يلف فيه رغيف خبز وثمرة طماطم، ثم يجلس على الرصيف يبيع بعض الزنبركات القديمة.. بعد عامين هو مليونير يملك عدة عمارات، وتبحث أنت عن واسطة تقنعه بأن يسمح لواحد مثلك بالسكنى عنده!”.
هذا الصعيدي الثري يملك ما لا تملكه أنت ولا أنا: النصاحة..
كنت أفكر في هذه الأمور عندما استدعاني مدير الشركة التي أعمل بها، كان في حالة شديدة من القلق، وأخذني من يدي إلى غرفة الاجتماعات المجاورة..
فتح الباب وهتف في قلق:
ـ”هل ترى؟ لا يوجد كالون لهذا الباب.. هذه الغرفة مشاع يمكن لأي من هب ودب أن يدخلها.. يعبث فيها.. يسرقها..”
ثم جفف عرقه وقال في إرهاق:
ـ”أرسل أحد العمال ليبتاع كالوناً للغرفة.. أطلب نجاراً ليثبته لك.. أريد أن ينتهي العمل هذا اليوم. اصرف ما تريد من مال.. سوف نتحاسب.. فقط أنه هذه الموضوع لأنني سأعجز عن النوم كلما فكرت فيما يمكن أن يحدث”..
ثم أعلن أنه ذاهب لبيته ليعتكف قلقا. قلت في حرج إنني سوف أشتري الكالون و....
ـ”ادفع يا علاء.. ادفع أنت وسوف نتحاسب غدًا. ههه؟.. اشتر أفضل شيء”..
لما انصرف أرسلت العامل ليبتاع لي كالوناً.. طلبت منه أن يختار أفضل شيء وأغلى شيء، ونقدته خمسين جنيهاً كي ينفق منها. عاد بعد ساعة مع النجار الذي قام بتثبيت الكالون.. بالطبع لم تكن الخمسون جنيها كافية، وهكذا أضفت بعض المال لثمن الكالون ودخان العامل وأجر النجار... الخ.. إن هؤلاء القوم يتحدثون عن الدخان كأنه الدم في عروقهم.
هكذا صار الكالون في مكانه وصار جيبي خالياً..
في اليوم التالي جاء المدير وكان أول ما بحث عنه هو الكالون.. قال لي في إعجاب:
ـ”هكذا.. عندما تصير مديراً يوماً ما يجب أن تتعلم ملاحظة الأخطاء والبحث عنها.. يجب كذلك أن تكون حازماً مثلي ولا تقبل أنصاف الحلول..”
قلت له في تهذيب:
ـ”خمسة وسبعون”
ـ”ماذا؟”
ـ” خمسة وسبعون جنيهاً.. هذا ما أنفقته على الكالون و..”
هنا احتقن وجهه وصاح في غيظ:
ـ”ماذا عن أوراق المناقصة السابقة يا أستاذ؟.. كنت مكلفاً بأن تعد لي صورة عن هذه المناقصة”
ـ”كنت أعمل فيها لكن موضوع الكالون هذا...”
ـ”لا أقبل أي أعذار يا أفندي.. انصرف حالاً!”
في اليوم التالي جلبت له أوراق المناقصة.. ووقفت أنتظر حتى أتم قراءتها ثم قلت في أدب:
ـ”معذرة يا سيدي.. بخصوص الخمسة والسبعين...”
هنا انتفض مذعوراً وصاح:
ـ”هناك قط هنا!.. قط قد تسلل لهذه الشركة.. لقد مر أمام الباب حالاً.. هؤلاء الذين يجلسون بالخارج تنابلة. هلم يا أفندي ناد على موظفيك ولُمهم، واعرف من المهمل الذي ترك قطاً يتسلل لغرفة محترمة كهذه”...
أقسم بالله أنه لا توجد قطط هنا.. البحث أثبت انه لا توجد قطط. على كل حال دخلت له بعد يومين وقلت له إنني راغب فعلاً في استرداد المبلغ الذي دفعته والذي وعدني برده، فقال في إرهاق:
ـ”أشعر بأنني مريض.. هناك صداع قاتل يعصف برأسي.. أرجو ان تستدعي لي طبيب الشركة”..
جاء الطبيب وفحص المدير فلم يجد شيئا لكن المدير أصر على أنه مريض جدا وأنه يجب أن يعود للبيت.. وهذا ما فعله..
بعد أسبوع من المحاولات عرفت أنني لن أسترد مالي أبدا، وصار من حق المدير أن يشخط في لو جرؤت على تكرار هذا المطلب الحقير مرة أخرى. وعرفت أن مستقبلي في الشركة سوف يضيع لذا فضلت الصمت.. موظف لا يستطيع استرداد ماله خير من عاطل.. عاطل لن يسترد ماله أيضاً..
قلت لنفسي: “ألا يستحق المدير هذا المال؟.. بلى بالفعل.. لقد استحقه.. لقد تعب وكذب وعرق وصاح وتمارض.. قضى أياماً من الكفاح كي يستحق هذا المبلغ فلا يجادل أحد في أنه صار حقه فعلاً. “
هذا المدير يملك موهبة أخرى من مواهب جمع المال.. وهي موهبة لن أملكها أبداً للأسف.




د. أحمد خالد توفيق

اقرأ أيضا