الاتحاد

دنيا

الفن «شاهد عيان» على ازدهار الطب الإسلامي

صور لطريقة فحص الأنف والأذن (الصور من المصدر)

صور لطريقة فحص الأنف والأذن (الصور من المصدر)

أحمد الصاوي (القاهرة) - ساهمت الفنون الإسلامية بقوة في خدمة العديد من العلوم بإنجازها الصور التوضيحية للكتب العلمية وبإنتاج العديد من الأدوات التي تعتبر نتاجا تطبيقيا لإنجازات تلك العلوم، والثابت أن علوم الطب احتلت المكانة الأولى بين تلك العلوم التي خدمتها الفنون الإسلامية.
ومساهمات الفنانين المسلمين في خدمة الطب بدأت منذ عصر المأمون العباسي على أقل تقدير بعملهم على تزويد الكتب الطبية المترجمة عن اللغات القديمة مثل الإغريقية والسريانية والسنسكريتية بالصور الشارحة لموضوعات الكتب، وإن كانت تلك الصور الأولى محض نقل حرفي عن الصور التي كانت بالمخطوطات الكلاسيكية.
مؤلفات
ومع رسوخ قدم الأطباء المسلمين في أفرع الطب المختلفة وظهور مؤلفاتهم الخاصة وذيوعها بين الأطباء الممارسين في أنحاء ديار الإسلام نشط الخطاطون والمصورون لإنتاج المئات من النسخ المخطوطة من كتب العلماء الكبار من أمثال الطبيب البغدادي الشهير حنين بن إسحق، وهو طبيب مسيحي عاش في القرن الثالث الهجري «9 م»، والطبيب الأشهر ابن سينا صاحب كتاب القانون، والجراح الأندلسي الكبير الزهراوي.
وإذا كانت شهرة هؤلاء الأفذاذ قد جاوزت حدود دار الإسلام لتنتشر في أرجاء القارة الأوروبية وتترجم كتبهم إلى اللاتينية فإن غيرهم من الأطباء المحليين والممارسين لم يتوقفوا عن الإنتاج العلمي طوال العصور الوسطى ومن ثم ظهرت مؤلفات طبية عدة، اعتمد أغلبها على الاقتباس من الكتب الكبرى أو التلخيص المبسط لبعض فصولها، فضلا عن بعض مخطوطات طبية يمكن النظر إليها باعتبارها كتبا تسجيلية لخبرات الأطباء النابهين الذين كانوا محل رعاية السلاطين والملوك في العالم الإسلامي.
وتعدد المؤلفات الطبية التي استخدمت الصور في شرح موضوعاتها يعد انعكاسا لاهتمام المسلمين بإنشاء المستشفيات العامة المعروفة باسم البيمارستان منذ القرن الثالث الهجري، وأشهر ما تبقى منها لليوم البيمارستان النوري بدمشق، وبيمارستان قلاوون بالقاهرة.
المخطوطات المصورة
ولدينا من الشواهد ما يكفي للحديث عن دور كبير للفنون الإسلامية في خدمة علوم الطب سواء في المئات من المخطوطات المصورة أو الأدوات الجراحية التي استخدمها الأطباء المسلمون من المشارط وأدوات الفحص والمناشير وأدوات الثقب وإبر حياكة الجروح، وتعتبر النسخ المخطوطة من كتب الرازي وابن سينا وابن إسحق والزهراوي الأكثر حظا وعناية لدى المصورين المسلمين.
ومن أمثلة ذلك نسخة من مخطوط طبي يعود تاريخه للقرن السادس الهجري»13 م»، وبه رسوم توضيحية عدة لموضوعات طبية يقرر مؤلف المخطوط أنه استقاها من كتب الطبيب البغدادي حنين بن إسحق، ونرى منها رسما لمقلة العين وكيفية الإبصار ضمن شرح مطول عن الدماغ وكيفية تعاطي الأطباء مع الأمراض التي تصيبها.
وقد حرص الفنان على توضيح مواضع العضلات وكذلك الأعصاب البصرية التي يسميها ابن إسحق العصبة النورية.
أما كتاب القانون الذي ظل يدرس بالجامعات الأوروبية حتى بداية القرن السادس عشر الميلادي وهو من الأعمال المهمة للرئيس ابن سينا، فلدينا بالمكتبات العالمية نسخ عدة منه مزوقة كلها بالتصاوير التي توضح كيفية تشخيص وعلاج بعض الأمراض، ومنها نسخة محفوظة بمكتبة متحف طوبقابي سراي، حيث حرص الناسخ على تزيين صدر المخطوط بالزخارف المذهبة على أرضية زرقاء اللون، كما هي الحال في غرة المصحف، وربما يكون في ذلك دلالة ضمنية على التقدير الكبير الذي كانت تتمتع به مثل تلك الكتب الطبية الرائدة.
أما كتاب الجراح الأندلسي الزهراوي فهناك نسخ عربية وفارسية عدة منه، فضلا عن الترجمات القشتالية واللاتينية، ومن بينها نسخة من مخطوط فارسي رسم المصور بها صور عدة، توضح كيفية استخدام الأدوات التي ابتكرها هذا الطبيب، ومن أوضحها واحدة تصور كيفية فحص حلق المريض باستخدام آلة من المعدن تزيح اللسان للأسفل بينما الطبيب يستخدم مصباحا لاستكشاف مظاهر المرض في حلق المريض.
أعمال أوروبية فنية
والأدوات الجراحية التي ابتكرها الزهراوي نجدها أيضاً في أعمال أوروبية فنية عدة، منها على سبيل المثال لوحة منفذة بالحفر على الخشب تعود للقرن الخامس عشر الميلادي لتوضيح العلاج بالكي، وهي فضلا عن توضيحها لطريقة الكي التي وصفها الزهراوي بدقة تضم طائفة من الأدوات الجراحية التي ابتكرها الطبيب الأندلسي.
أما المخطوطات ولاسيما المحفوظة بمكتبات الخلفاء الخاصة فهي شديدة التنوع والأهمية، فهي إلى جانب توضيحها للعشرات من طرق تشخيص وعلاج الأمراض، تحتوي أيضا صورا شخصية لكبار الأطباء الذين عملوا في خدمة البلاط العثماني بالآستانة.
وتوضح واحدة من الصور الشخصية رئيس أو كبير الأطباء خلال القرن الحادي عشر الهجري»17 م» وقد ارتدى قفطانا واسع الأكمام بشكل ملحوظ وأحيط القفطان بالفرو الأسود بينما يعتمر رئيس الأطباء عمامة كبيرة متعددة الطيات باعتباره من العلماء المرموقين في الدولة.
ولدينا من تلك الفترة مخطوط الجراحة الخانية، وهو من تأليف شريف الدين صبان أوغلو الذي عمل طبيبا في مدينة أماسيا وتحتوي صفحاته المختلفة على أمثلة متنوعة لجراحات وطرق فحص وتشخيص لبعض الأمراض والعلل.
وتحتوي تصاوير هذا المخطوط أيضا على عدد من رسوم الأدوات الطبية سواء تلك التي تستخدم في إجراء العمليات الجراحية مثل الجفوت والمشارط أو التي تستخدم في تشخيص الأمراض، ومنها أدوات تعتمد على سماع رنين ارتطامها بمناطق العلل، وأخرى تستخدم للكشف عن أمراض العيون، وأخرى لأمراض الأنف أو الحلق.
أما الأدوات الجراحية التي قام الصناع التطبيقيون بإنتاجها فهي أكثر من أن تحصى عددا، وتحتفظ المتاحف العالمية مثل متحف الفن الإسلامي بالقاهرة والمتحف البريطاني بلندن بالعديد منها وكذلك متاحف تاريخ العلوم وأيضا المتاحف التعليمية سواء بأقسام كليات الطب أو أقسام دراسة الآثار في الأكاديميات الغربية.

رجال تقدم بهم العمر
يبدو الأطباء في صور هذا المخطوط كافة على هيئة رجال تقدم بهم العمر، وقد اشتعلت لحاهم شيبا، وذلك أمر طبيعي لأن الأطباء الأكبر سناً، كان ينظر إليهم باعتبارهم الأكثر كفاءة بحكم تراكم الخبرة المهنية، وجميعهم يرتدي ذات العمامة المتعددة الطيات التي رأيناها في صورة رئيس الأطباء بالبلاط العثماني، وهو ما يشير إلى أن هذه العمامة كانت جزءاً من الملابس الخاصة بالأطباء.
ونرى في تلك الصور أن المرضى يكشفون عن أجسادهم إذا كانت العلة في منطقة الصدر، أما إذا كانت في الدماغ فإن الطبيب يقوم بفحص المريض وهو بكامل ثيابه.

اقرأ أيضا