الاتحاد

العنف والأطفال

يتعرض أطفالنا وباستمرار لمشاهد العنف التي يشاهدونها على الشاشة الصغيرة وتترك في نفوسهم آثاراً سيئة، كما تعلمهم أسوأ العادات، مع أن قنواتنا تحرص على انتقاء مادتها المقدمة للأطفال إلا أن عشرات المحطات الخليجية والقنوات الفضائية التي يمكن مشاهدتها·· لا تولي هذه الناحية أهمية قصوى، وعلينا أن نلاحظ أن الأطفال في غياب الرقابة الصارمة من الأهل يمكنهم أن يشاهدوا وفي أي وقت البرامج والأفلام التي لا تتناسب مع قدرتهم على الاستيعاب والتحليل وأخذ العبرة والعظة من هذه البرامج والأفلام، ولا ننسى أفلام ''الفيديو'' المليئة بمشاهد العنف وقصص البطولات الخارقة والمناظر الدموية البشعة·· وغير ذلك مما يسهل على الأطفال بحكم التعود قبول هذه المشاهد التمثيلية على أنها حقيقة واقعة، ومحاولة تقليدها لتكون النتائج مدمرة وسيئة لهؤلاء الأطفال ولأسرهم على السواء·
وإذا كانت الآثار السلوكية لهذه البرامج والأفلام تتضح من خلال رد الفعل المباشر المتمثل في التصرف وفق الفهم المحدود لأهدافها وغاياتها، فإن الآثار النفسية قد لا تظهر في حينه، فهي تستكين في العقل الباطن للطفل، حتى إذا توفرت ظروف بروزها، كانت آثارها أسوأ من أن تحتمل، وهذا التشويه لسلوك الطفل والتدمير لنفسيته سيتحمل نتائجه المجتمع في المستقبل، لأن ذلك سوف يفرز فئة من الشباب مشبعة بالأفكار الخاطئة البعيدة عن السلوك السوي·
إن تحصين الأطفال بالقيم التربوية الحميدة وتنشئتهم على المبادئ الدينية القويمة·· مع الرقابة الصارمة من الأهل·· كل ذلك كفيل بالمحافظة على الأطفال بعيداً عن كل المؤثرات السلبية السيئة، فالأطفال أمانة غالية لدى أولياء أمورهم، وهي أمانة جديرة بالحرص والعناية·· جديرة بالتربية الصالحة والتنشئة السليمة، لبناء المواطن الصالح المخلص لدينه ووطنه، المخلص لمبادئه وقيمه·
والقائمون على أجهزة الإعلام التي تبث هذه البرامج والأفلام مسؤولون عن مثل هذه النتائج المخيفة التي تنتظر المدمنين على مشاهدة هذه الأفلام من الأطفال الذين يجهلون نتائج إقبالهم عليها، ولا يجدون من يردعهم عن مشاهدتها·
إن مشاهد العنف ومناظر الفتك والبطش والإجرام، وصور الأشلاء الممزقة والدماء المراقة بقسوة وجنون·· تؤثر على الإنسان البالغ المميز، وتبعث في نفسه التقزز، لكنها بالنسبة للأطفال أكثر تأثيراً وسوءاً، لأنها تحمل بذور التشويه النفسي والعبث الأخلاقي·· بما في ذلك من آثار وخيمة، على المستويين النفسي والأخلاقي في مستقبل الحياة بالنسبة للطفل·
من أجل ذلك تعقد المؤتمرات وتنظم الندوات لمعالجة تأثير مشاهد العنف على الأطفال، ولكن هذه المؤتمرات والندوات تظل أسيرة المؤسسة العلمية التي تتبناها، فهي لا تصل إلى أيدي من يعنيهم الأمر من أولياء الأمور والتربويين والعاملين في حقل التعليم، الذين يعانون أكثر من غيرهم من أي انحراف قد يطرأ على سلوك الأطفال، وما أكثر تلك المؤتمرات والندوات التي أفرزت أطناناً من الورق المليء بالتوصيات والقرارات والمقترحات، لكن كل ذلك أو معظمه لا يتسنى له التطبيق بل قد لا يرى النور إطلاقاً لأسباب أو لأخرى، والذين يبحثون عن حلول لهذه المشكلة لن يجدوها في النظريات التربوية المستوردة، بل سيجدونها في الأبحاث والدراسات المستقاة من الواقع، إذا قدر لهذه الأبحاث والدراسات أن ترى النور، مع التركيز على الدور الذي يتحمله أولياء الأمور، والمدرسة والمجتمع في هذه المهمة الخطيرة·

جميلة المقبالي

اقرأ أيضا