ثقافة

الاتحاد

جمال حبروش السويدي: فضاء النحت أكثر اتساعاً من اللوحة

عبير زيتون (دبي)

يُطوِّع الفنان الإماراتي جمال حبروش السويدي المعدن بين يديه بكل طراوة وليونة، جاعلاً منه مادة فنية جمالية، في التصميم والتجسيم، لا يشعر من يتأملها أنه فعلاً أمام أعمال معدنية صلبة أو خشنة من البرونز والحديد، بمقدار ما يشعر أنه أمام أشكال بصرية جمالية لها فضاؤها الخاص، فيها الكثير من قوة البساطة، ومتانة الشكل، وصلابة التكوين في مدلولاتها الرمزية والشكلية على اختلاف موضوعاتها أو «ثيماتها» لتعكس طريقته الخاصة في تلمس الأشياء، سواء في استخدامه لنوعية التقنيات أو في الأدوات أو في موضوع المحتوى المطروح.
ولكن لماذا اختار «النحت» طريقاً فنياً للتعبير عن أفكاره وهواجسه الفنية دون الأشكال الفنية المعاصرة؟ يقول جمال حبروش لـ «الاتحاد» : لكل فنان أسلوبه ومنهجه الفني الخاص، الذي يرى نفسه من خلاله وأنه الأكثر قدرة على التعبير عن تخيلاته الفكرية والنفسية. فالفن بكل أشكاله، في النهاية يقوم على الخيال والإدراك والأحاسيس التي يختزنها العقل، ومن خلالها تتبلور أسس التعبير عن الذاكرة بكل حمولاتها اللاواعية. والنحت، بالتقنيات الفنية المتعددة، يمنحني هذه الحرية في فضاء أوسع، خاصة مع تفرد النحت بأبعاده الثلاثية الإضافية التي أسعى دائماً إلى اقتناصها، واللعب على فراغاتها وتشكيلاتها، وإمكانياتها الواسعة مع التكتل والتمدد والتشكل في الفضاء العام لها، وهذا يمنحني أبعاداً أحتاجها ولا تمنحني إياها اللوحة الكلاسيكية.

إيقاعات الحياة
يطمح جمال حبروش في أعماله الأخيرة، والتي حملت عنوان «المحارة» و«إيقاعات الحياة – بيانو النفط» إلى «تزمين» الحدث، والقبض على المسافة الفاصلة بين ما كانت عليه الحياة في مرحلة صيد اللؤلؤ، وما وصلت إليه من تطور ورخاء وازدهار بعد اكتشاف «النفط» في الخليج، في تصوير نحتي شكلاني يستهدف فعل التوثيق، والتأريخ لمفاصل تعرجات الزمن، وتقلباته، وتحولاته، وتأطيرها في صيغ هندسية ومعادلات شكلية وجمالية، بأسلوب متقشف نوعاً ما في التشكيل والتجسيم، ولكنها في النهاية مولدة لسيل من الأفكار والتأويلات، وحولها يقول: الأعمال هي دعوة لتأمل رحلة التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي تشهده الإمارات العربية اليوم، ابتداء من رحلة الحياة مع اللؤلؤ، وصولاً إلى مرحلة النفط، وهما من الموارد المهمة والقيمة التي لعبت دوراً كبيراً في اقتصاد المنطقة، فتجارة اللؤلؤ كانت التجارة الأساسية للعديد من دول الخليج، مصدرها الغواصون المهرة، التي اعتمد عليها عامة أهل الإمارات اعتماداً كبيراً قبل اكتشاف النفط، في محاولة مني لتوثيق وحفظ ذاكرة المكان بكل تحولاته للأجيال القادمة.

إسقاط رمزي
وعن إيقاع الرابط بين عزف البيانو ــ والنفط ــ كما جاء في عمله الفني «إيقاعات الحياة – بيانو النفط» يقول جمال حبروش: العنوان هو إسقاط رمزي دلالي يستهدف تشبيه إيقاع الحياة الحقيقية، بإيقاع النفط، وهو يرتفع وينخفض على سلم البورصة العالمية، وفقاً لألوان براميله بين الأسود والذهبي في صعودها وهبوطها، والذي يشبه من يعزف على مفاتيح البيانو بكل أنواعها، فمن يحسن العزف، يحسن مجانسة النعومة والخشونة معاً في تناغم حياتي جميل ينعكس رخاء وازدهاراً، كما هي دولة الإمارات العربية التي أحسنت التعامل مع نغمات النفط في ارتفاعه وهبوطه، وحولته إلى عمارة وتنمية وعمار.
ويتكئ النحات «جمال حبروش السويدي» في مجمل أعماله على استدعاء ذاكرة البيئة المحلية، وما تنطوي عليه من معانٍ، وصور ومفاهيم، وألوان، ويعمل على ترجمتها إلى منحوتات دالة بالإشارات والرموز، تتوزع بين التجريد والتجسيد، والتعبير والتصوير، يتحاور فيها البحر، والجبل، والصحراء مع الحروف العربية في انفتاح وانغلاق يعكس إيقاع وجود الأشياء وتفاعلنا معها داخل صيرورة الكون.

اقرأ أيضا

تنتعش في أجواء التعصب.. الشعبويّة وبيعُ الأوهام