الاتحاد

الملحق الثقافي

دستور للأطباء في التراث الإسلامي

أدب الطبيب

تولى الأطباء العرب والمسلمين البحث في مجال الأخلاق الطبية، وهو ما يعرف باسم ''أدب الطبيب'' وكانت كلمة الأدب، عندهم جامعة لكل ما يحذر منه جميع أنواع الخطأ في ممارسة المهنة على ضوء ما يجب أن يكون، الأمر الذي يؤكده استخدام كلمة الأدب في المؤلفات التي وضعت للتعبير عن القواعد والتقاليد الواجب اتباعها في كل ميدان من ميادين العمل وفي أي مهنة، فكانت هناك كتب تتحدث عن ''أدب الكاتب'' وأدب القارئ وأدب العالم والمتعلم وغير ذلك· وفي مجال الطب صدرت عشرات المؤلفات والرسائل التي تتناول أخلاق الطبيب في مهنته، ودارت معظم هذه المؤلفات حول ما يجب على الطبيب اعتقاده، الآداب التي يصلح بها نفسه وأخلاقه والشروط العلمية والبدنية والنفسية اللازمة للطبيب لحسن مزاولة مهنته، فضلا عن مؤهلاته وتكوينه العلمي والحدود المشروعة لعمل الطبيب وما ينبغي عليه أن يحذره ويتوقاه وما يجب أن يتجنبه نهائيا·

الدراسات حول البعد العلمي في الحضارة الاسلامية والعربية ماتزال في بدايتها لأن الدراسة التاريخية تقوم على الوثائق ووثائق العلم والعلماء العرب لم يكشف عنها بعد وبعضها فقد ضمن ما فقد وتلف من مخطوطات، وبعضها لم يكشف عنه النقاب ولم يتناوله الدارسون، فالمخطوطات العربية في معظم المدن العربية لم تفهرس وتحقق وتدرس بشكل كامل الى اليوم·· ومع ذلك فإن القدر الضئيل الذي درس ونشر يكشف عن جوانب متقدمة ومهمة· وصدرت طبعة جديدة من كتاب د· مصطفى لبيب عبدالغني ''دراسات في تاريخ العلوم عند العرب''، المؤلف أستاذ فلسفة العلوم الاسلامية بجامعة القاهرة وله العديد من الدراسات والتحقيقات المتميزة في تخصصه ويضم الكتاب الذي بين أيدينا عدة دراسات بينها دراسة مهمة عن الأخلاق الطبية في تراثنا الاسلامي·
وبحث الأخلاق الطبية لا يمكن تناوله ـ شأن كل مباحث الحضارة الاسلامية ـ بمعزل عن العقيدة الاسلامية ونظرتها الخاصة الى الانسان وعلاقة الانسان بخالقه وبنفسه ثم بغيره، وكان علماء الاسلام ومفكروه على دراية بذلك، وكانوا كذلك على وعي بالتمايز بين الانساق المعرفية، فأدركوا ان العلم الانساني جهد بشري وليس دينا مطلق الصدق، ووصل الأمر الى حد اعتبار المجاهدة العقلية هي العبادة الحقيقية على النحو الذي انتهي اليه ابو حامد الغزالي في ''معراج السائلين'' وفي ''إحياء علوم الدين''، وهذا التمايز في الادراك لديهم بين العلم والدين لا يعني القطيعة بين الاثنين، بل العلاقة كانت مساندة ومؤازرة بينهما، وهذا ما اتضح في علم الطب تحديدا·· فقد كان الطب عندهم غير المأثور الديني أو ميراث العرب زمن البعثة النبوية، بل هو علم لا يتأتي لصاحبه الا عن دراية بأصوله واحكام لمقوماته واكتساب المعارف المتعلقة به وطول متابعة ومزاولة المرضى، لذا قال ابن رشد الفيلسوف والطبيب وقاضي قضاة زمانه في قرطبة ''لا يعذر من أخطأ عن جهالة'' وهو كان في ذلك يتمثل بالحديث النبوي الشريف ''من تطبب ولم يعلم الطب قبل ذلك فهو ضامن''، وظلت العلاقة حميمة بين العلم والدين من منظور القيمة الاخلاقية، والالتزام بما يجوز فعله والقيام به وما لا يجوز·
قواعد الرازي
ومن أبرز الأطباء والعلماء المسلمين أبو بكر الرازي، توفى سنة 924 هجرية، وكان نموذجا لما يجب ان يكون عليه الطبيب الفاضل في علمه وخلقه ورعاية مرضاه وحسن معاملتهم وتقديره لشرف وأخلاق مهنته، وأثبت ذلك في العديد من كتبه ورسائله، ففي رسالة له الى بعض تلاميذه، وهي مخطوط بدار الكتب المصرية يقول لهم في صفات الطبيب ''أول ما يجب صيانة النفس من الاشتغال باللهو والطرب والمواظبة على تصفح الكتب·· وينبغي أن يكون رفيقا بالناس حافظا لغيبهم كتوما لأسرارهم·· واذا عالج من النساء أو الجواري أحدا فيجب ان يحفظ طرفه ولا يجاوز موضع العلة''·· وينتقل الرازي بعد ذلك الى تعامل وعلاقة الطبيب مع مرضاه''·· ولا شيء أجدى على العليل من كون الطبيب مائلا اليه بقلبه محبا له، واعلم انه من الاطبا من يتكبر على الناس لاسيما اذا اختصه ملك أو رئيس وينبغي للطبيب ان يعالج الفقراء كما يعالج الأغنياء· ''ويضيف الرازي محذرا ومنبها'' ورأيت من المطببين من اذا عالج مريضا شديد المرض فبرأ على يديه داخله عجب وكان كلامه كلام الجبارين فاذا كان كذلك فلا كان ولا وفق ولا سدد''·
ويؤكد الرازي: على الطبيب ضرورة تجنب الشراب واللهو ''فربما احتيج اليه فصودف وهو سكران فيصغر في أعينهم ويتردى في الأخطاء''·· وينبه الطبيب الى شيء مهم ''ألا يذكر شيئا من السموم القاتلة بين يدي الأمير'' ويقول: ''إني أعرفها اقف على شيء منها أو على ضررها، فهذا كله يخرج عن الطب ولو سئل عنها فلا يشرع هو في ذكرها''· ويضيف في مجال التعامل مع المريض قوله ''ينبغي للطبيب أن يوهم المريض أبدا بالصحة ويرجيه بها·· وإن كان غير واثق بذلك· فمزاج الجسم تابع لأخلاق النفس''· ويبذل الكثير من النصح للاطباء بدوام المطالعة والبحث عن المعرفة ومشاهدة المرضى في مختلف المدن والالتقاء مع الاطباء الآخرين لتبادل الخبرات معهم·
الرهاوي والزهراوي
وغير الرازي هناك اسحاق بن علي الرهاوي من اطباء بداية القرن العاشر الميلادي وهو صاحب كتاب ''أدب الطبيب'' الذي يقع في مقدمة وعشرين بابا، ويحذر فيه الطبيب من الانكفاء على جمع المال ومصاحبة الأشرار فيقول ''وأنت أيها الطبيب يجب أن تبعد عنك الاشرار من الاصحاب والتلاميذ، فإن جميع ما يأتي به صحبك وخدمك منسوب اليك من قول وفعل إعلم ان الفقر مع الحلال أصلح من الغنى مع الحرام، والذكر الحسن مع بقائه خير من نفيس المال مع فنائه، وايضا فإن المال قد يوجد عند السفهاء والجهال، والحكمة لا توجد الا عند أهل الفضل والكمال'' ويبدو أن انكباب الطبيب على جمع المال كان يقلق الرهاوي، فيعيد التأكيد والتحذير من ذلك فإنه يجب ''الا يرغب في الحرام'' من الأموال لئلا يكون مختالا، فكم من اناس اغراهم الأشرار من الرجال والنساء ببذل الأموال والمواعيد وأنواع الخدم، فلشرهم وجهلهم أعطوا أدوية قتالة· وأشباه ذلك من الأمور المهلكة جهلا بالعواقب وكفرا بالمنعم·· ويطالب الرهاوي الطبيب بالتريث والتدقيق في تشخيص حال المريض وما يعانيها ولا ينبغي للطبيب أن يعالج مريضا لم يتحقق عنده مرضه، لئلا يعرضه لمرض آخر يكون أعظم من الأول، فيحتاج أن يعالج من العلاج·
أما أبو القاسم الزهراوي، الذي عاش في أواخر القرن الرابع الهجري، فقد اهتم بالجراحة ووضع فيها رسالة ''في العمل باليد'' تحوي الكثير من النصائح للجراحين، ويتوقف عند محاذير وقيود اجتماعية في علاج النساء·
وفي مصر ظهر في القرن الخامس الهجري الطبيب علي بن رضوان الذي تحدث كثيرا في الاخلاق الطبية، ووضع العديد من القواعد للطبيب ابرزها ان يكون كتوما لاسرار المرضى ولا يبوح بشيء من أمراضهم وان تكون رغبته في ابراء المرضى اكثر من رغبته فيما يأخذه من الأجرة ورغبته في علاج الأغنياء· و''أن يكون مأمونا ثقة على الأرواح والأموال ولا يصف دواء قتالا، ولا دواء يسقط الأجنة، ويعالج عدوه بنية صادقة كما يعالج حبيبه''

اقرأ أيضا