الاتحاد

الملحق الثقافي

هارولد بينتر المسرحي الساخر والسياسي الملتزم

هارولد بينتر شاباً

هارولد بينتر شاباً

قبل أيام·· فقدت الأوساط الفنية والأدبية العالمية نموذجا إنسانيا متفردا وروحا متمردة لا تستكين ولا تساوم· فلقد توفي ''هارولد بينتر'' الكاتب والشاعر والممثل والمخرج المسرحي البريطاني الحائز على جائزة نوبل للآداب لعام 2005 عن عمر ناهز 78 عاما بعد صراع طويل مع مرض السرطان· وهو الفنان الإنسان الذي اشتهرت أعماله الفنية بالعمق الفكري وتجسيد معاناة الفرد في التغلب على كل ما يهدد حريته، مثلما اشتهرت مواقفه السياسية بالجرأة والالتزام حيال القضايا الإنسانية المختلفة·

ولد ''بينتر'' في العاشر من أكتوبر عام 1930 في حي هاكني الشعبي شرق العاصمة البريطانية لندن· طفل وحيد لأسرة يهودية من الطبقة العاملة تنحدر من أصول بولندية· وفي سنوات طفولته الأولى كانت الغارات الألمانية لا تتوقف عن قصف بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية، وفي عام 1941 عانت عائلته من جراء النزوح وبقيت ذكرياته عن تلك الفترة راسخة في كل أعماله الأدبية تعكس مشاعر الوحدة والعجز والحرمان والفقد· ومنذ سنوات دراسته الأولى في المدرسة اكتشف مدرس اللغة الإنجليزية موهبته في الكتابة والشعر· وكانت مجلة المدرسة تهتم بنشر خواطره وأشعاره· وفي عام 1948 التحق بالأكاديمية الملكية للفنون التمثيلية إلا أنه فصل منها بعد عام لعدم التزامه بالحضور· وفي عام 1949 عندما كان ''بينتر'' في الثامنة عشرة من عمره تم تجنيده للانضمام الجيش البريطاني لكنه رفض الانصياع للأوامر وأصر على أن الحرب تتعارض مع مبادئه الإنسانية· وكان لهذه الحادثة الأثر الكبير في تشكيل اتجاهاته السياسية إذ سرعان ما انضم إلى حركة لنزع الأسلحة النووية البريطانية· وفي عام 1951 التحق بمدرسة لندن للفن والخطابة وبدأ يؤدي أدوارا ثانوية في المسرح· وبين عامي 1954 و1959 قدم أدوارا مسرحية تحت اسم مستعار هو ''ديفيد بارون'' في الوقت الذي كان يعمل في مهن بسيطة لكسب قوت يومه·
وفي الوقت الذي اتخذت حياة ''بينتر'' الفنية منحنى تصاعديا انقسمت حياته الاجتماعية بشكل حاد إلى مرحلتين الأولى بين عامي 1956 و1980 عندما تزوج الممثلة المسرحية ''فيفيان مرشنت'' وانجبت له ابنه ''دانيال'' وأصبحت بطلة للعديد من أعماله التي قدمها للمسرح· إلا أن سعادتهما لم تدم طويلا بسبب تقلب مزاجه العاطفي حتى انفصلا رسميا عام 1980 ليتزوج من المؤرخة ''أنتونيا فريزر'' ويصبح أبا لأبنائها الستة من زواج سابق· وهو ما أغار صدر ابنه ''دانيال'' ودفعه إلى إسقاط اسم والده والانتساب إلى عائلة أمه· لتبدأ المرحلة الثانية من حياته عام 1980 مع زوجته ''أنتونيا'' التي رافقته حتى اللحظات الأخيرة من حياته والتي كان يردد دوما أنه عرف قيمة الأسرة والسعادة معها فقط· وإلى جانب حبه لأسرته وللأدب كان ''بينتر'' مولعا برياضة الكريكيت طوال حياته· يلعب ويقرأ ويشاهد ويشجع فريق يوركشاير للكريكيت بدون توقف·
بلاغة الصمت
بدأ ''بينتر'' حياته المهنية ممثلا مسرحيا في منتصف الخمسينات· ثم أبدع في الكتابة فقدم 29 نصا للمسرح و26 فيلما للسينما وأعمالا عديدة للإذاعة والتلفزيون ومقالات للصحف وأشعارا· كما قام بإخراج أكثر من 50 عملا مسرحيا وسينمائيا· واشتهرت أعمال ''بينتر'' بصورها الفكرية القاسية وطرحها قضايا غير تقليدية واستعراضها لصراعات قوية بين شخصيات تسعى الى تحقيق ذاتها أو استعادة حريتها· كما تصدى في أعماله لاقتحام مواطن الظلم الخفية ونصرة شخصيات تعرضت لقهر أفراد أو قوى اجتماعية· وعادة ما يتخلل الحوار بين الشخصيات مساحات صمت تم توظيفها بشكل عبقري جعلها أبلغ من كل الكلام· أما أسلوبه الشعري فتميز باستخدام اللهجة الشعبية القريبة من لهجة ''الكوكني'' اللندنية ·
كانت أولى مسرحياته ''الغرفة'' والتي قدمت في جامعة بريستول عام ·1957 لكن شهرته جاءت بعد كتابته لمسرحية ''الحارس'' التي تحولت إلى فيلم عام ·1963 ومن أشهر مسرحياته مسرحيتا ''حفلة عيد الميلاد'' عام 1957 و''الخيانة'' عام 1978 · كذلك شارك في كتابة العديد من سيناريوهات الأفلام من أبرزها ''عشيقة الضابط الفرنسي'' و''لقاء الأصدقاء'' ووضع سيناريوهات لعدد من الأفلام السينمائية المقتبسة من أعماله المسرحية· وفي السبعينات من القرن الماضي تفرغ للإخراج المسرحي إلا أن ذلك لم يمنعه من الوقوف على خشبة المسرح· وظل حتى بعد تشخيص الأطباء لإصابته بسرطان المريء عام 2002 حريصاً على العمل بدون انقطاع· وكانت آخر أدواره التي قام بها عام 2006 ليؤدي دور كراب في المونودراما ''شريط كراب الأخير'' للكاتب الأيرلندي صاموئيل بيكيت·
وصفه النقاد بأنه أكثر الشخصيات تأثيراً في الحياة الفنية والأدبية من أبناء جيله وأن ''بيكيت'' فقط هو من يطاول قامته· وكرمته العديد من المعاهد الأكاديمية والمنظمات الفنية العالمية· فحاز على 19 شهادة تقدير وجوائز عديدة مرموقة أبرزها وسام الشرف الفرنسي· وكانت آخر الشهادات التقديرية الممنوحة إليه في 10 ديسمبر 2008 من مدرسة لندن المركزية للدراما والخطابة والتي لم يستطع تسلمها بسبب سوء حالته الصحية· إذ توفي بعدها بأسبوعين· لكن يبقى التقدير الأبرز هو نيله جائزة نوبل للآداب عام 2005 لأعماله المسرحية· رغم أنه تكريم جاء متأخرا إذا ما قورن بنتاجه الأدبي الهائل· ويكفي شهادة النقاد باعتبار مسرحيتا ''حفل عيد الميلاد'' التي كتبها عام 1957 و''العودة إلى الوطن'' عام 1964 من أجمل ما قدمه المسرح في النصف الأخير من القرن الماضي· واعتباره أفضل من مثل المسرح في بريطانيا ما بعد الحرب·
مواقفه السياسية
وكان ''بينتر'' قد اتجه للسياسة في منتصف الثمانينات وقدم أعمالا مهمة مثل ''العودة إلى الوطن'' و''سارق السيارة'' و''الحارس''· وعكست كتاباته نمطاً شخصياً لرجل شجاع التزم طوال عمره برفض كل أشكال الوحشية· إلا أن كتاباته السياسية لا تقارن بمواقفه الجادة والمميزة في الدفاع عن الحقوق والحريات بغض النظر عن المواقف الرسمية لبلاده· فلقد اشتهر بدفاعه الدائم عن حقوق الإنسان وانتقاداته الحادة للسياسات الأميركية والبريطانية وظل خلال التسعينات من القرن الماضي يشارك في المظاهرات التي تنظم ضد فرض العقوبات الاقتصادية على العراق· وكانت له مواقف شديدة المعارضة لضرب أفغانستان وغزو العراق وصفها بأنها إرهاب دول· وقد انتقد السياسة الأميركية في مناسبات مختلفة حتى أنه لم يدع فرصة نيله جائزة نوبل للآداب عام 2005 دون أن يستثمرها لإلقاء خطاب هجومي على إدارة الرئيس الأميركي بوش وصفها بأنها مثل ألمانيا النازية أرادت الهيمنة الكاملة على أوروبا واليوم الولايات المتحدة المسيطرة الكاملة على العالم· ورغم جذوره اليهودية إلا أنه اشتهر بمناصرته القوية للقضية الفلسطينية· وكان صوته قويا في دعم الشعب الفلسطيني وإدانة الكثير من الممارسات الإسرائيلية ضده وكان يجمع التوقيعات من يهود بريطانيا لإدانة إسرائيل على جرائمها ضد الفلسطينيين· وفي الحفل الأخير الذي نظم في لندن تكريما لذكرى الشاعر الراحل محمود درويش بعث بقصيدة قرأت بالنيابة عنه

اقرأ أيضا