الاتحاد

الملحق الثقافي

الشاعر الفلسطيني تقبل العزاء في نفسه

يوسف القدرة

يوسف القدرة

قبل أشهر تناقلت الصحافة الثقافية والمواقع الالكترونية العربية خبر مقتل الشاعر الفلسطيني يوسف القدرة، في غزة برصاص طائش· ومن هذا الخبر راح أصدقاء الشاعر يرثونه بمقالاتهم وقصائدهم· لكن المفاجأة هي حين اكتشفوا بعد أيّام أن القدرة ما زال حيّا، وأن من قُتل هو عمّه وليس هو· حول هذه التجربة الإنسانية الفريدة، وعن اللحظة الثقافية الفلسطينية التي سبقت الاجتياح الإسرائيلي جرى هذا الحوار مع يوسف القدرة الذي نتمنى له السلامة ولكل الفلسطينيين·
؟ تصدّر خبر مقتلك برصاص طائش في غزّة العديد من الصفحات الثقافية العربية· ما هو شعورك وأنت تقرأ تلك المقالات التي ترثيك؟
؟؟ نعم· لقد قرأتُ خبر مقتلي· رثاء للصديق القتيل الذي هو أنا· أذكرُ أنني كنتُ غارقاً في أسئلة الموت المجانيّ الذي نعيشُهُ في غزة· إصابة عمي برصاصة طائشة فتحت الأسئلة إلى آخرها· مع أنّها مفتوحةٌ طوال الوقتْ· جاءني اتصال من صديقي الشاعر خالد جمعة· يعزيني في نفسي بعد أنْ كان قد عزاني في عمي قبل يوم واحد· يقول لي هل كانت الرصاصة مؤلمة؟ سألتهُ ما الذي تقولُهُ· قال إنّ ثمة خبر في ''السفير'' البيروتية بذلك· لقد قُتلتَ برصاصة طائشة· ومقالات إلكترونية ترثيك· ارتبكتُ· ولم أعرف إن كانَ عليّ أن أبكي أم أضحك· كان عليّ أن أتأكّد بنفسي عما سمعت· كانت المفاجأة· لقد متُّ بين صناديق التفاح· أنا أعمل في دكان لبيع الفواكه· دمي أحمر اختلط في عروق العنب· العالم افتقد شاعراً· بدأت دمعةٌ كبيرةٌ تتمرَّدُ وتريد أن تقفز· رددتُها· أنا لم أمتْ· وعليَّ أنْ أُوقف هذا الموت· ألا يكفي أننا نعيشُ الموتَ يوميّاً على البسيطة؟!· لماذا يعلنُ موتنا· هذا فضحٌ وكشفٌ لا أريدُهُ· علينا أنْ نحافظُ على صورة أننا أبناءُ حياة، ونعجنُ الحبَّ بالحياة· ونزوّجُ الليلَ لليلك· ونزرعُ الأحلام في جُزر الطرقات وعلى الأرصفة· بدأتُ أرتعشُ· تمنيتُ ألا يقرأ الخبر أحدْ· ثمّة أشخاص أحبهم لا أريد لهم قراءة هذا الخبر· بدأتُ أشعرُ بصداعٍ يكادُ يفلقُ رأسي· الصديقُ الشاعر لقمان ديركي يكتبُ مقالاً يرسلهُ لي أحد الأصدقاء عن طريق الماسنجر فيما أنا أرسل الايميلات للأصدقاء أنفي فيه الخبرْ؛ لا أريد لأيٍّ منهم إزعاجاً بسبب هذا الخبر· مقال ديركي لم أستطع إتمام قراءته· بكيتُ وكأنّي متُّ· وتعب هائل يجتاحُني· مع ذلك أواصل إرسال الايميلات بما تبقّي لي من طاقة· تلقيتُ اتصالاتٍ عدّة من أصدقاء وكانت تُمزّقُني الشهقاتُ في أصواتهم· وكنتُ بسذاجةٍ وبنصفِ وعيٍ أقولُ لهم أن عمّي من ماتَ· لم أمتْ· وكأني بهم أريد أن أؤكد لنفسي أنني لا زلتُ أتنفّسُ···
رصاص يومي
؟ هل توقعت تلك الطريقة في الكتابة عنك، أو الصورة التي ظهرت فيها كميّت· أيّ إذا اعتبرنا أن القتيل هو أنت وليس صاحب الاسم المشابه، هل أحسنت المراثي تصويرك، على ما كنت تعيش؟
؟؟ لم أتوقّع شيء· مع أنني أدرك أننا صورٌ كثيرة في مرايا الناس· مع ذلك؛ ثمّة معلومات خاطئة في الخبر· قريبة من صحتها بما يخص عمي رحمه الله· في المقالات؛ كانت المشاعر والعواطف الشخصية والذكريات المشتركة هي التي ترسم الصورة وتفيضُ بالمحبّة· ثمة فوارق كثيرة بين ما أعيش وما جاء· وهذا حتميّة· حتى لو كانت المعلومات دقيقة· كلٌّ يكتب ذاته في/ عن الآخر· لم أفكر في مدى رضاي من عدمه في ما جاء· ولم أعد لقراءة شيء بعد إعلان تغليط الخبر· كنتُ أفكّر في نسيان ذلك·
؟ خبر مقتلك بتلك الطريقة هل أثار انتباهك· أم أنك كنت تتوقع طريقة مختلفة؟
؟؟ الرصاصُ الطائشُ في غزّة ليس استثناءً ولا عارضاً؛ إنّه حالة يوميّة وظاهرة لا يُراد لها أن تتوقف· حتى في ظلِّ كل المتغيرات الأخيرة· مثلاً؛ الرصاصة الطائشة التي أصابت عمي رحمه الله؛ خرجت من موقع تدريب· وتتكرر هذه الجريمة· للأسف· مواقع التدريب قريبة جداً من الأماكن المكتظة بالسكان· لا أعرف؛ أي استخفافٍ هذا بأرواح وحياة الناس التي هي هبة الله لهم· المثير أنني في حين قراءة الخبر؛ شعرتُ بالرصاصة تخترق جهة قلبي وتذيب في طريقها ما تمرُّ عليه· حقّاً لا أريدُ أن أموت برصاصة طائشة· إن كان لابدّ من موتي برصاصة؛ فلتكنْ رصاصة متعمّدة· وموجّهة· وأريدُ أن أنظر في عيون القاتل وأبتسم· كذلك· لا أريد أن أموت بين صناديق التفاح· أريد أن أموت بين أشجار التفاح· وأن يختلط دمي بالطين· ولتكن السماء صافية· لا بياض فيها·
؟ لنتجاوز موتتك الأولى المعلنة· أي شكل ترجوه لموتتك الثانية؟
؟؟ ليكن موتي طبيعيّاً· حينَ تشعرُ الرّوحُ بحاجتها لأن تتحرّر من شكلها الجسد؛ ليكن لها ذلك؛ وليكن التحرّر قريباً من البحرِ؛ ساعة المغيب·
بعد محمود درويش
؟ في ثنايا الموت، ما هو حال الأدب الفلسطيني بعد رحيل محمود درويش، الذي شهد أبرز تحولاته وصعد معه إلى مستوى المثال الرمز لفلسطين وناسها؟
؟؟ غياب الشاعر محمود درويش له تأثيره الفعلي والمعنويّ؛ خاصةً في هذه المرحلة التي تشهد انقسامنا على أنفسنا؛ وضياعنا في مهزلةٍ من فخاخ لا نريد أن ننتبه لها وكلٌّ يكابر ويواصل طريقه إلى هاوية ستسحقنا كلنا دون تميز· الأدب ليس كائناً منفصلاً؛ حاله من حال هذا الوطن؛ مقسوم ومُتشظّي ويحاول أن يواصل نبضه؛ وإن كانت جرعات الإحباط مُرّة وتفاعلها قويّ لا يستثني أحداً؛ مع ذلك يوجد إرادة للاستمرار؛ لأن ثمة ما يستحق الحياة·
؟ ماذا عن قصيدتك أنت، إلى أين تتجه؟
؟؟ تتّجه إلى انتمائها لجوهر الحياة· تتجّه للاستمرار في البحث عن ذاتها بعيداً عن المرجعيات الجاهزة؛ تستفيد بقدر ما يناسبها وتمضي لتشكّل صورتها كما يليق بها· مدركة أنّه لا بدء ولا منتهي لما هي فيه من بحثْ· نشوتها في تحوّلاتها وسعادتها في الإمساك بلحظة وتأبيدها؛ منحها من النبض والروح ما يمكّنها من لطش ذوق القارئ

اقرأ أيضا