الاتحاد

دنيا

«سندريلا على الجليد».. 145 دقيقة من بوح الموسيقى وسرد الحركة

سكت الحديث ونطقت الموسيقى في مسرحية سندريلا، التي ابتدعها الخيال منذ آلاف السنين، وشكلت جزءا من التراث الإنساني، تكلم الكمان دالا على الحزن، ودار حوار عبر البيانو عكس تجاذبات الموقف. اختلطت أصوات الآلات التي أثارت حينا مشاهد التردد والحيرة، وأحيانا الابتهاج والسرور، قُدمت عبر العصور وما زالت تشد المتلقي، وتعرف حضورا قويا كلما تم الإعلان عن وجودها قصة، فيلما أو مسرحية، ظلت تثير ذلك الشعور النظيف بالنقاء النابع من تغلب الخير على الشر، والإحساس بالجمال، الذي تعكسه الحبكة في الأداء، الذي أضفى سحرا على مسرح «مركز أبوظبي الوطني للمعارض»، الذي يقدم العرض المسرحي العالمي «سندريلا على الجليد»، الذي يستغرق 145 دقيقة، ويستمر إلى يوم السبت.

يجمع «سندريلا على الجليد» الذي يقدم للمرة الأول في الإمارات، بين التزلج على الجليد والرقص الاستعراضي والباليه والجمباز والحركات البهلوانية، أداها 25 فنانا، في تجسيد درامي مبتكر وممتع لقصة كلاسيكية خالدة، كما يجمع بين الأسلوب الإبداعي القوي في رواية القصص، والديكورات المذهلة والأزياء الغريبة والمؤثرات الخاصة، بما في ذلك النار والمطر والألعاب البهلوانية البارعة التي تؤديها فرقة «إمبريال آيس ستارز»، الحائزة العديد من الجوائز، والتي قدمت على مدار السنوات التسع الماضية، عروضها في القارات الخمس، لجمهور بلغ تعداده نحو أربعة ملايين شخص، وفق مؤسسي الفرقة جيمس كاندال وتوني ميرسر، اللذين يعتبران من ألمع الأسماء في أوروبا وأستراليا لما يقدمانه من عروض مذهلة، وما تضمه فرقتهما من فنانين وراقصين موهوبين من مختلف أنحاء العالم.
حفل كرنفالي
ملامح ألم تسيطر على المكان، وحديث عبر صوت الكمان، في مدينة الضباب لتطل سندريلا على الجمهور وهي في حال حزن شديدة بعد فراق والدتها، التي مثلت مصدر إلهامها الرئيس في الحياة، يقوم والدها بحملها والدموع تنهمر من عينيها، يذهب بها إلى فراشها لكي ترتاح وتخلد إلى النوم، أداء ترافقه انسيابية عالية في الحركات على الجليد تدل على احترافية في التزلج، وتتحرك عقارب الساعة دلالة على مرور عشر سنوات، ويظهر اللورد ماير، الذي يحضر لاستقبال ابنه العائد من سفر بعيد، حيث يقوم بإعداد سلسلة من الاحتفالات على شرف الشاب الوسيم. ويدعو اللورد ماير إلى حفل كرنفالي متجول في ساحة المدينة، ويطلب من مدرسة الباليه المحلية تقديم عرض أدائي لمسرحية «بحيرة البجع» على شرف ابنه، فتعم الفرحة وتظهر معالم الابتهاج على المسرح التي يعبر عنها بالأداء الرائع وبأصوات الموسيقى الفرحة، ويصل الكرنفال المفعم بالألوان إلى المدينة، ويكون من بين المشاركين في الاحتفالات عرافة تقرأ الكف للعديد من سكان المدينة، الذين تبدو عليهم علامات الفرح من توقعاتها المستقبلية، ويبدو وكأن لها تأثيراً سلبياً على الساعات في المدينة، حيث تبدأ بالطنين بقوة غير متوقعة عند ظهورها، وسرعان ما يلاحظ صانع الساعات وهو والد سندريلا، أن هناك شيئاً غير طبيعي يحدث بعد وصول الكرنفال، ويحاول هو ومساعدوه ضبط الساعات، من دون جدوى، حيرة وخوف نقلته أصوات الموسيقى والمؤثرات الضوئية وأداء الفنانين في أورع صورة انتزعت تصفيقات الجمهور.
توالي الأحداث
تتوالى الأحداث على حلبة التزلج على الجليد، التي تمتد على مساحة 170 مترا مربعا، وأعدت خصيصا لهذه المناسبة، حيث تصل سندريلا، التي تتلقى التدريب في هذا الوقت في مسرح المدينة لتصبح راقصة باليه، وإذا بها تلقى ترحيبا حارا من سكان مدينتها الذين أولوا الفتاة اهتماماً كبيرا بعد وفاة والدتها، وشاهدوها تكبر مع الأيام لتصبح شابة فاتنة الجمال، وتنظر العرافة الغجرية إلى الفتاة بمشاعر لطيفة ينعكس على مشاعر سندريلا، وعندما تصل زوجة أبيها وأخواتها غير الشقيقات إلى المكان، يلقين ترحيباً بارداً، وينظر السكان إلى والد سندريلا بعين من التعاطف على خياره غير الموفق لارتبط بزوجته الثانية، وتظهر زوجة الأب وبناتها سلوكا متعجرفا تجاه سندريلا، وتبدو عليهن كراهية شديدة لها، حراك وتفاعل على المسرح، كر وفر تعكسه أصوات الموسيقى التي تختلط في آن، وبعد ذلك، يظهر الممثلون على خشبة المسرح لأداء البروفة النهائية قبل تقديم العرض المسائي من مسرحية «بحيرة البجع» أمام اللورد وعائلته، وتتجه الأنظار نحو ابنه الوسيم، الذي يذهب إلى وراء الكواليس لكي يقدموا أمنياتهم بالتوفيق للفرقة المسرحية قبل انطلاق العرض، وتقوم زوجة والد سندريلا، التي تعشق الباليه أيضاً، بتقديم ابنتيها بكل فخر، متجاهلة سندريلا بصورة تامة، وبينما يبدأ كبار الشخصيات بمغادرة المسرح، يتعثر ابن اللورد ماير وسندريلا بطريق الخطأ، فيحدق الاثنان ببعضهما. يحدث الموقف الغيظ في نفس زوجة الأب، ترفض إحدى ابنتيها تقديم دورها على المسرح بعد إصابتها بنوبة غضب شديدة، وتغادر المسرح، وأخيراً يبدأ العرض المسرحي «بحيرة البجع»، ولكن يضطر المخرج لإيقافه، حيث تفشل الابنة الثانية لزوجة الأب في أداء مناورة صعبة وتؤذي نفسها، وبتشجيع من الراقص الموهوب وقائد الفرقة، تصعد سندريلا على خشبة المسرح، وتؤدي الدور المطلوب بطريقة مثالية، لتنقذ العرض، وتأسر قلب ابن اللورد ماير من غير قصد، خلال هذا الفصل وفي حركة بديعة من المخرج ينقلب المتفرجون الحقيقيون كأنهم في الكواليس، بينما يتجه الفنانون الاستعراضيون إلى خلفية المسرح التي تحمل صور للقصر والجمهور الافتراضي.
جمالية الأداء
مع نهاية عرض الباليه، يذهب ابن اللورد ماير إلى ما وراء الكواليس بحثاً عن سندريلا بعد أن أصبح مغرماً بها، ولكنه يلاحظ أن جل تركيز زوجة الأب وبناتها يتجه نحوه، وعن غير قصد، يصرف والد سندريلا النظر عن ابنته. وفي وقت متأخر من تلك الليلة، يتجول ابن اللورد ماير وسندريلا في ساحة المدينة وكأنهم في حلم، كل في اتجاه يسعى نحو الآخر في خياله، حاملا مظلة تتساقط الأمطار، وتضفي جمالا ورومانسية على المكان، وعلى الرغم من أن كليهما لا يعلم بوجود الآخر، إلا أنهما يقومان بتأدية حركات رقص كما لو كانا معاً، واحتفالاً بعودة ابنه إلى الديار وتكريماً للنجاح الذي حققته مسرحية «بحيرة البجع»، يقرر اللورد ماير إجراء حفلة تنكرية، ونتيجة لذلك، تمتلئ المدينة صخباً بعد تسليم الدعوات وتزداد الإثارة والترقب يوماً بعد يوم. وبينما تنشغل بنات زوجة الأب في تجهيز أنفسهن، لا تصلهن الدعوات لحضور الحفلة التنكرية، ولكن سندريلا تتلقى دعوتها، ما يثير حقدا وغيرة، وتلبس زوجة الأب ثوب العطف والحنان وتصدر منها مؤامرات لسرقة دعوة سندريلا، حركات تعبيرية موسيقى تصويرية وإبداع في الأداء، وتعود الساعات مرة أخرى للطنين بصورة غريبة كإشارة على وجود العرافة الغجرية. وتنجح زوجة الأب في تحقيق مرادها وتخطف الدعوة من سندريلا لتتركها في حالة حزن شديد وتحفظ هي كبريائها، وفي ظروف غامضة تظهر العرافة الغجرية وتخبر سندريلا كيف ستكون ليلتها وبأن حلمها بحضور الحفلة التنكرية قد يتحول إلى حقيقة، ولكن عليها مغادرة الحفلة قبل أن تدق الساعة 12.
وتبدأ الحلفة التنكرية، وكإشارة على تحذير العرافة الغجرية، تبدأ الساعات في المدينة بإصدار ضجيج مزعج، ويظهر ابن اللورد ماير وحيدا في بهو المسرح، وينتظر بفارغ الصبر وصول الضيوف، آملا أن تكون سندريلا بينهم، ويبدأ سكان المدينة بالتدفق إلى مكان الحفلة لتنطلق بعدها رقصات الفرح، وفجأة يظهر ضيفان غامضان ويبدآن بتضليل الحضور، وتحاول ابنتا زوجة الأب إثارة اهتمام ابن اللورد ماير خلال الحفلة التنكرية من خلال رقصاتهما، ولكنه لا يعيرهما أي اهتمام، وتبدأ سندريلا بالرقص متخفية، وتبهر الجميع بحركاتها الفردية التي تثير غضبهما، وسرعان ما يتعرف عليها ابن اللورد ماير من خلال أسلوب رقصها الجميل، ويتعرف صانع الساعات على ابنته أيضاً، ويحاول إقناعها بمغادرة الحفلة انطلاقا من عدم ارتياحه من علاقتها الودية مع العرافة الغجرية، وتتوسل سندريلا إلى والدها بأن يدعها تواصل الحفلة إلى أن يوافق مكرهاً على ذلك.
العقدة والحل
تبدأ سندريلا وابن اللورد ماير بالرقص معا، ولكن سرعان ما تقاطعهما زوجة أب سندريلا وابنتاها، ولكنه لا يعيرهما أي اهتمام ويمنح كل تركيزه للفتاة الجميلة التي ترقص معه، ويمضي الوقت بسرعة ليقترب منتصف الليل، وفجأة تعود الساعات للعمل وتدق معلنة الثانية عشرة، ما يثير الرعب في قلب سندريلا التي تهرع لمغادرة الحفلة آخذة بعين الاعتبار تحذير العرافة الغجرية لها. وفجأة تختفي بين الفوضى، تاركة وراءها فردة حذائها، وفي اليوم التالي، يجلس ابن اللورد ماير في ساحة المدينة والإحباط يملأ قلبه بينما يشاهد الأزواج الآخرين يمرون من أمامه والسعادة تغمرهم. ولكن والده اللورد ماير والخياط يخرجان بخطة مبتكرة، آملا حل معضلة الشاب وإخراجه من حالة اليأس التي يعيشها وجمعه مجدداً بالفتاة التي أسرت قلبه، وتبدأ رحلة البحث عن صاحبة فردة الحذاء الضائعة، وينتشر الخبر في مختلف أرجاء المدينة، ليتقاطر الناس خلف بعضهم، على أمل أن تناسب فردة الحذاء مقاسات أقدام بناتهم. ويأتي دور ابنتي زوجة صانع الساعات اللتين تصارعان الآخرين من أجل الوصول إلى مقدمة الصف، ولكن الحذاء لا يناسب مقاس أي منهما. وبعد أن تنتهي التجارب، يصاب ابن اللورد ماير بالاكتئاب.
وفي محاولة لإصلاح الساعات، وكشف غموض اختفاء ابنته، ينجح والد سندريلا في إعادتها إلى العمل والدوران في الاتجاه الصحيح، وما إن ينتهي من عمله، حتى تتحرر ابنته وتتقدم لتجربة الحذاء وإذا به يناسب مقاس قدمها تماماً ليعود الحبيبان معاً من جديد وينتصر الحب على المكر والخبث، وبعدها يغادر الكرنفال المدينة ويعود الناس إلى منازلهم ليتركوا ابن اللورد ماير وسندريلا وهما يرقصان لوحدهما في الساحة.

قصة إبداع

صمم حركات باليه «سندريلا على الجليد» فريق توني ميرسر الحائز جوائز عالمية، والمعروف عالمياً بتصميم العروض المسرحية المعاصرة على الجليد، وإيفجني بلاتوف الحاصل على ميداليتين ذهبيتين أوليمبيتين، وبطل العالم لأربع مرات، ويتضمن أيضًا هذا الفريق المتميز أليكسي نيموف، الحاصل على أربع ميداليات ذهبية أوليمبية في الجمباز؛ وثنائي بطولة العالم البلغاريين لمرتين: ألبينا دينكوفا، وماكسيم ستافيسكي.
وتجدر الإشارة إلى أن توني ميرسير، الذي ابتكر هذا العمل، هو أيضاً مخرجه ومنتجه الفني ومصمم رقصاته. وقد نجح ميرسير في الجمع بين 25 بطل تزلج عالمياً من جنسيات مختلفة ليقدم واحدا من أكثر العروض المسرحية تكلفة وصعوبة في التنفيذ من الناحية الفنية.
إلى ذلك، قال ميرسير «متحمسون جداً لتقديم هذا الإنتاج المسرحي العالمي لجمهور الإمارات، ونتطلع للخروج بعرض مذهل يرتقي إلى مستوى تطلعات الحضور بالاعتماد على نجوم فريقنا المتألقين، موضحة أنه أولى اهتماما كبيرا لأدق التفاصيل في هذا الإنتاج الذي يعرض على حلبة تزلج على الجليد تمتد على مساحة 170 متراً مربعاً. وأضاف «أعضاء فريق «إمبريال آيس ستارز» مستعدون لتقديم المسرحية بعد أن قاموا بإجراء بروفات يومية لمدة تسع ساعات تقريباً على مدار سبعة أسابيع لضمان تقديم مسرحية ناجحة وخالية من أي أخطاء بما يرقى إلى مستوى التوقعات».
وقام الملحنان الشهيران تيم إي دوكان وإدوارد بارنويل بتلحين «سندريلا على الجليد» بأسلوب موسيقي حصري تؤديه الأوركسترا السينمائية الحكومية بموسكو.


من الخشبة إلى الحلبة

يقول مخرج العمل توني ميرسير إن تحويل خشبة المسرح إلى حلبة مؤقتة للتزلج على الجليد ليس مهمة سهلة، موضحاً أن هناك جدولا زمنيا يجب التقيد به بصرامة لكي تكون حلبة التزلج على الجليد جاهزة في الوقت المناسب لبروفات التزلج.
ويضيف أن الفنانين عندما وصلوا إلى المكان أفرغوا شاحنتين مملوءتين بأكياس الثلج بمساعدة 18 فنياً من عمال المسرح.
وتجدر الإشارة إلى أن الشاحنات لا تحمل الجليد فقط، بل أيضاً الأزياء المستخدمة والمعدات الأخرى وأجهزة الصوت والإضاءة، وتبدأ عملية تجميع الحلبة مع بعضها من القاعدة والجوانب المصنوعة من خشب رقائقي مقاوم للماء وحواف مانعة للتسرب. ويوضح ميرسير «يبدو الأمر للناظر وكأنه لوح عجين ضخم، حيث نضع بطانة بطول 22 متراً وعرض 22 مترا، وهنا تبدأ أصعب مهمة في هذا العمل، حيث نقوم بمد خط أنابيب بطول 15 كيلومتر تقريباً داخل خشبة المسرح، ويتم وصلها بالأنابيب الرئيسة قبل أن تتم المباعدة بينها على مستوى القاعدة من أجل تأمينها»، لافتا إلى أن عملية المباعدة بين الأنابيب مهمة للغاية، ويجب أن تتم بدقة عالية، فأي خطأ في ذلك قد يؤدي إلى عدم تجمد بعض الأجزاء من الحلبة.
ويتابع «بعد الانتهاء من توصيلات الأنابيب على خشبة المسرح، نقوم بوصل الأنابيب الرئيسة بوحدات التبريد الموجودة خارج المسرح، ونبدأ بعدها بملء النظام بمزيج من الجليكول (مانع تجمد) والماء. وما إن يبدأ المزيج بالمرور عبر الأنابيب، حتى نقوم بتشغيل المبردات ونضبطها على درجة 15 تحت الصفر. وعندها سيتجمد الجزء الخارجي من الأنابيب، لنقوم بعد ذلك بنثر أربعة أطنان من الثلج المجروش فوق الأنابيب».
ويوضح «بانتهاء هذه العملية، نكون قد دخلنا مرحلة مهمة في عملية تجهيز حلبة التزلج. في هذه الأثناء، وخلال الليل يتم رش الحلبة بعناية فائقة كل 15 دقيقة من أجل الوصول إلى درجة ثخن بمقدار ثلاث إنشات، خاصة بعد إنجاز الحلبة وقبل العرض الأول، ويستمر العمل في ذلك حتى الساعة 3 مساءً تقريباً عندما يبدأ تركيب الديكورات النهائية على سطح الحلبة بما يضمن توفير بيئة مثالية للبروفات والعروض المسرحية، بعد 34 ساعة من العمل المستمر. وبمجرد تجهيز حلبة التزلج على الجليد، تخضع درجة حرارة السطح لمراقبة مستمرة ليلاً ونهاراً طوال فترة وجودنا في المسرح.
وإلى جانب ذلك، نقوم بكشط سطح الحلبة بماء دافئ خلال الفواصل الزمنية، وبعد كل عرض من عروض المسرحية، من أجل الحفاظ على نعومته قدر الإمكان».

اقرأ أيضا