الاتحاد

دنيا

«الغني».. جود متواصل وخير مدرار

أحمد محمد (القاهرة) - العلم بأسماء الله وصفاته ومعرفة معانيها يحدث في القلب خشية ورهبة، ويدعو إلى محبة الله سبحانه وخوفه ورجائه، والتوكل عليه والإنابة إليه، ولا يمكن معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلى وفهمها، ومن أسماء الله تعالى التي سمى بها نفسه «الغني» ومعناه في كلام العرب، الذي ليس بمحتاج إلى أحد، ومعناه في حق الله تعالى، أنه الغني المستغني عن الخلق بقدرته وعز سلطانه، والخلق فقراء إلى فضله وإحسانه، وليس به حاجة إليهم، وهم فقراء محتاجون إليه، والله الغني هو الكامل بما له وعنده، فلا يحتاج إلى غيره.
لا راد لأمره
والمخلوقات بأسرها لا تستغني عن الله الغني في حال من أحوالها، مفتقرة إليه في إيجادها وفي بقائها، وفي كل ما تحتاجه أو تضطر إليه، والرحمة بيده، جوده على خلقه متواصل في جميع اللحظات والأوقات، وخيره على الخلق مدرار، فكل الخلق محتاج إلى الغني سبحانه القائل: (يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد)، فالله سبحانه يخلق ويدبر، ويعطي ويرزق، ويقضي ويمضي، لا راد لأمره، وهو على كل شيء قدير.
ويقول العلماء إن الغنيِ هو الذي لا يحتاج إلى شيء، وهو المستغني عن كل شيء، المفتقر إليه كل شيء، وهو الغني بذاته عن العالمين، المتعالي عن جميع الخلائق في كل زمن وحين، الغني عن العباد، المتفضل على الكل بمحض الوداد. وقد ورد اسم «الغني» في القرآن الكريم في ثماني عشرة آية، منها قوله تعالى: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم)، «سورة البقرة: الآية 263»، وقوله: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد)، «سورة البقرة: الآية 267»، وقال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين)، «آل عمران: الآية 97»، وقوله: (وربك الغني ذو الرحمة)، «الأنعام»، وقوله تعالى: (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين)، «سورة العنكبوت: الآية 6» وقال تعالى: (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد)، «سورة لقمان: 12»، وقوله سبحانه: (إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد)، «سورة إبراهيم: الآية 8».
وفي السنة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو: «اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنى ونحن الفقراء أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين».
و قال الإمام ابن الأثير، هو الذي لا يحتاج إلى أحد في شيء وكل أحد محتاج إليه، وهذا هو الغنى المطلق ولا يشارك الله تعالى فيه غيره. الغني سبحانه هو المستغني عن الخلق بذاته وصفاته وسلطانه، والخلق جميعا فقراء إلى إنعامه وإحسانه، فلا يفتقر إلى أحد في شيء.
وقال ابن جرير، والله غني عما يتصدقون به، حليم حين لا يعجل بالعقوبة على من يمن بصدقته منكم ويؤذي من يتصدق بها عليه، واعلموا أيها الناس أن الله عز وجل غني عن صدقاتكم وعن غيرها وإنما أمركم بها وفرضها في أموالكم رحمة منه لكم ليغني بها عائلكم، ويقوي بها ضعفكم، ويجزل لكم عليها في الآخرة مثوبتكم.
وقال الزجاج، وهو الغني عن الخلق بقدرته وعز سلطانه، والخلق فقراء إلى تطويله وإحسانه، والإمام الغزالي يرى أنه من معاني الغني هو الذي لا تتعلق ذاته بشيء.
وقال الخطابي، الغني هو الذي استغنى عن الخلق وعن نصرتهم وتأييدهم لملكه، فليست به حاجة إليهم، وهم إليه فقراء محتاجون، كما وصف نفسه تعالى فقال (والله الغني وأنتم الفقراء).
أوصاف الذات الإلهية
والغني وصف من أوصاف الذات الإلهية، وغنى الله سبحانه وتعالى دائم وشامل لا يطرأ عليه ما ينافيه من الذل والحاجة، ولا يمكن أن يكون لغيره فضل عليه، المستغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل من عداه، يغنى من يشاء ويفقر من يشاء عن حكمة، بيده مفاتيح كل شيء هو الوهاب والرزاق، هو الغني الذي يطعم ويسقي، ويحيي ويميت، ويغني ويفقر، غني عن عباده، لا يريد منهم طعاماً ولا شراباً، لم يخلقهم ليستكثر بهم من قلة، أو يستقوي بهم من ضعف، أو ليستأنس بهم من وحشة، بل هم المحتاجون إليه في طعامهم وشرابهم وسائر شؤونهم، قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون)، «سورة الذاريات: الآيتين 56، 57».
وغنى الله من لوازم ذاته، فهو الغني الذي بيده خزائن السماوات والأرض، وخزائن الدنيا والآخرة، ومن كمال غناه وكرمه أنه يأمر عباده بدعائه، ويعدهم بالإجابة، ويؤتيهم من فضله ما سألوه وما لم يسألوه، ولو اجتمع أول الخلق وآخرهم في صعيد واحد فسألوه، فأعطى كلاً منهم ما سأله وما بلغت أمانيه ما نقص من ملكه مثقال ذرة.

اقرأ أيضا