الاتحاد

دنيا

القرآن الكريم وذكر الله خير علاج للأمراض النفسية

قراءة القرآن تحمي الإنسان من وساوس الشيطان (أرشيفية)

قراءة القرآن تحمي الإنسان من وساوس الشيطان (أرشيفية)

حسام محمد (القاهرة) ــ قد لا يعلم الكثيرون في عالمنا العربي أن أكثر من ثلاثين في المئة من المواطنين العرب يعانون مشاكل نفسية بين قلق وتوتر واكتئاب، لكن خمسة في المئة فقط منهم يصلون إلى المعالجة، والباقي تائهون بين مشعوذ ودجال.
ويقول الدكتور محمد الجليند رئيس لجنة الفكر الإسلامي بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية: إن المواطن العربي، وخاصة فئة الشباب، يعيش تحت سلسلة متواصلة من الضغوط تشكل جزءاً من تفاصيل حياته اليومية، حيث تتعدد تلك الضغوط بين السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ومع تعددها تؤدي إلى الاحتقان النفسي، وهكذا باتت مجتمعاتنا العربية بيئة خصبة للأمراض النفسية، وهذا ما تؤكده الدراسات والبحوث التي تظهر أن غالبية المواطنين العرب مصابون بتلك الأمراض، أو على الأقل مهيؤون للإصابة بها.
الطب النفسي
وقال: إن العرب في العصرين الأموي والعباسي أول من ميز الأمراض النفسية ووصفوها بدقة ووضعوها على قمة الأولويات، ففي عصر هارون الرشيد كان ربع مساحة مستشفى بغداد مخصص للطب النفسي، ونفس المساحة في مستشفى ابن قلاوون في القاهرة، والتي خصصت لهذا الطب، إلا أن المستشفيات العربية حالياً ترفض أن تكون فيها عيادة للطب النفسي الإسلامي رغم أن أكثر من 60 في المئة من المشاكل الصحية التي تؤدي إلى أكثر درجات الإعاقة ترجع لمشاكل نفسية في مقدمتها مرض الاكتئاب.
ويضيف: العلاج في هذا الشأن له شقان، الأول إذا كان سبب المرض عضوياً ويحتاج لمعاودة الطبيب فهنا لابد من الأخذ بالأسباب، والشق الثاني يخص ما يتعرض له الإنسان من تقلبات نفسية وضيق وضجر فتأتي قراءة القرآن والمداومة على الصلاة وذكر الله مما يحول التوتر والقلق إلى اطمئنان، يقول تعالى: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)، وهذا شيء اجمع عليه العلماء ولا إنكار له، لأن تلاوة القرآن وذكر الله يأتي بالطمأنينة وراحة البال، ومقبول أن نشفي أنفسنا بقراءة القرآن أو تلاوة بعض آياته كرقية تهدئ من الروع وتدخل السكينة في القلوب وهذا الفعل لا يحتاج إلى وسيط بين العبد وربه ويمكن أن نفعل ذلك بأنفسنا.
قوة الإيمان
ويقول الدكتور الأحمدي أبوالنور، وزير الأوقاف المصري الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء،: أجمع خبراء الطب النفسي في العالم على أن هناك علاقة قوية بين قوة الإيمان بالله وتراجع الإصابة بالأمراض النفسية، وكثير منها له أعراض بدنية وبزوال السبب النفسي يزول الألم البدني، وكثير من أساتذة الطب النفسي ناقشوا هذه القضية في دراسات لهم تمكنوا من خلالها من تحديد وسائل الاعتماد على القرآن الكريم في العلاج حسب نوع المرض، وأثبتوا أن نسبة كبيرة من الحالات يمكن شفاؤها فيما يتعلق بأمراض القلق والخوف والوسواس القهري وغيرها بدرجة تفوق أسلوب العلاج بالعقاقير.
وقد ثبت علمياً أن تلاوة القرآن الكريم وترتيله والاستماع إلى آياته والإنصات لها يعزز القوى العقلية، وأن الترددات العقلية الصادرة عن أصوات تلاوة القرآن الكريم تجعل العقل يصدر سلسلة من الترددات والطاقات تعرف علميا باسم «موجات العقل». وهذا يعني أن منهج الوقاية هو المنهج الأعم والأشمل في القرآن الكريم. وعلينا أن نعيد قراءة آيات النهي عن فعل أشياء وآيات الأمر بفعل أشياء لنجد أن حكمة الصانع الأعظم جل جلاله تتجلى في صيانة صنعته التي كرمها على جميع خلقه وهو الإنسان.
التهيئة النفسية
وأضاف: أتذكر موقف احد الصحابة، وهو عروة بن الزبير عندما تحتم بتر ساقه، فأشاروا عليه بشرب الخمر لتهيئته نفسيا لهذا الفعل، فقال: لا أستعين بحرام الله على حلاله فإذا دخلت في الصلاة فافعلوا ما تريدون، وقد كان معروفاً عنه الخشوع الشديد أثناء الصلاة وهكذا أثبت هذا الصحابي صحة نظرية لم يكتشفها العلم إلا مؤخراً، فالجسم في هذه الحالة من الخشوع الشديد والسكينة الإيمانية يفرز مواد تسكن الألم، فقد كان عروة بن الزبير في حالة تقوى، بحيث بتروا ساقه من دون أن يشعر، لأن هذا تخدير طبيعي يفرزه الجسم الذي لديه قدرات خفية تعمل عندما تعلو درجات الروحانية لديه والعلم الحديث اكتشف أن الجسم يكتسب قدرات خارقة والإنسان في الحالة العادية وبرغم ذكائه لا يستخدم سوى 7 إلى 10 في المئة من إمكانيات عقله ومخه، أما الإمكانات الأخرى فترتبط بتنمية الإيمان لديه والذي يتم من خلال الالتزام بالسلوكيات الإيمانية ولعلَّ قصة عروة بن الزبير تبين لنا الدور الذي من الممكن أن يلعبه الإيمان والتقوى بحياة الإنسان.
تحقيق السعادة
وتقول الدكتورة آمنة نصير، العميد الأسبق لكلية الدراسات الإسلامية بنات بالأزهر: الإسلام احتوى على قيم وتعاليم قادرة على تحقيق السعادة التي ينشدها الإنسان إذا التزم بها، وقد فسر القرآن الكريم أحوال النفس البشرية بما يتصل بها من الخواطر والوساوس والهواجس والأحاسيس من فرح وحزن ووحشة وأنس وانقباض وانبساط وارتجاف وقلق واضطراب وغير ذلك مما سجله العلماء بعد طول معاناة ودراسة وتأمل، كما أن القرآن الكريم في وصفه للإنسان من حيث أبعاده التي تميز شخصيته، وضع منهجاً فريداً لكل زمان ومكان بما يحتويه من أسس ومبادئ منها شمولية النظرة إلى الإنسان بحيث لا يترك منه شيئاً ولا يغفل عن شيء «جسم - عقل - نفس - روح» وحياته المعاشية وتصوراته وقيمه ومعنوياته وكل نشاطه وحركته وتفاعله مع الآخر وكل ما حوله من المعطيات الحسية والوصف القرآني للإنسان لم يقتصر على تكامل النظرة، وإنما يحذر أولئك الذين يتصورون وهما أن مذاهبهم أو نظرياتهم التي تناولت الإنسان بشكل جزئي عملية دقيقة أو أن هذا التناول الجزئي للإنسان بالدراسة يجعل عوامل الضبط والتحكم في أموره أكثر دقة وأكثر منهجية، فحياة الإنسان لا تنفصل عن حياته العقلية وحياته الزوجية ومشاعره ومعنوياته.
ضعف الإنسان
وقالت: إن الله تعالى حذر من أن يتصف الإنسان بالغرور وأن يسلك السلوك المتخاذل الذي يجعله ضعيفاً في رغباته، سلبياً أمام مواجهة مواقفه الغريزية وشهواته المادية ويصف الله سبحانه وتعالي ضعف الإنسان وتخاذله أمام هذه المغريات في قوله: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب).


مبعث الوساوس
أوضحت الدكتورة عفاف النجار أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، أن معظم الوساوس والأمراض النفسية التي تطارد الإنسان مبعثها أنه يفكر كثيراً في أمر سعادته وهو ما يجر عليه الكثير من المشاكل النفسية فالإنسان عندما يفكر في أمر سعادته قد يتصور أنها تأتيه من جمع المال، أو المنصب، أو الدرجة العلمية، أو الوجاهة الاجتماعية وكلها أمور تجعله يغرق في التفكير المادي الذي يجر عليه التوتر والقلق والاكتئاب وغيرها من دون أن يدري أن السعادة الحقيقية تتحقق بأمور بسيطة مثل نقاء الضمير والإرادة الخيرة التي تجعل صاحبها مطمئناً واثقاً بنفسه متجهاً إلى الله سبحانه وتعالى في أقواله وأفعاله كذلك فإن السعادة في التعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان.

اقرأ أيضا