الاتحاد

دنيا

جريمة في الحي الراقي

هنا في الأحياء الراقية، البنايات واسعة وشاهقة، وعدد الشقق فيها كثير، بجانب طبائع وعلاقات غالبية أهل المدن، لا احد يهتم بجيرانه أو يسأل عنهم، هذا خارج حساباتهم، لا يحاول احدهم أن يعرف شيئا عن هؤلاء الذين يسكن بجوارهم، مع أنهم لا تفصل بينهم إلا الجدران، لذلك عندما خرجت رائحة كريهة من إحدى الشقق قام جاره بإبلاغ الشرطة من دون أن يدلي عنه بأي معلومات تذكر، فقط عندما اشتم تلك الرائحة في الأيام الأخيرة، يتأذى منها عند خروجه ودخوله، وهذا ما دعاه ليبلغ عن وجود شيء غير طبيعي.
باب الشقة
حضر رجال البوليس وهم يضعون نصب أعينهم كل الاحتمالات، فقد يكون هناك حيوان مثل الكلاب أو القطط نفق في غياب أصحاب المسكن وربما تكون هناك حالة وفاة لشخص ما يقيم وحيدا ولا يتردد عليه أحد، وكذلك قد تكون هناك جريمة، وتحسبا لكل ذلك تم استئذان النيابة لكسر باب الشقة وفتحها، وهناك كانت المفاجأة بمجرد أن تم فتح الباب بالأجهزة والمعدات التي لديهم التي تصلح لهذه المهمة خرجت الرائحة التي لم يطقها أحد من الحضور، أسرعوا بارتداء الكمامات ووضعها على أنوفهم ولكن الأهم من ذلك عثروا على جثة ملقاة في الصالة بعد المدخل بحوالي ثلاثة أمتار، اعتقدوا للوهلة الأولي أنها لصاحبة الشقة، وأنها تقيم وحدها، ولكن بعد أقل من دقيقة عثروا في غرفة النوم الداخلية على جثة رجل آخر ملقاة على الأرض.
محتويات الشقة
المشهد كله يدل على أن الوفاة لم تكن طبيعية على الرغم من عدم وجود دماء هنا أو هناك، لكن الدليل أن الأيدي موثقة بقطع من القماش، في الوقت ذاته جميع محتويات الشقة مبعثرة، وهذا يدل أيضا على أن الجريمة وقعت بدافع السرقة، ولأن الباب وجميع النوافذ سليمة، فلا بد أن الجاني دخل من الباب بشكل طبيعي، المهم بدأ جمع المعلومات عن القتيلين، وتبين أن الرجل هو «سمير» صاحب الشقة بلغ من العمر أرذله، وتجاوز السبعين، وقد أحيل إلى التقاعد من حوالي عشر سنوات، بعد أن كان موظفا في إحدى المصالح العامة، وقد أنهكته أمراض الشيخوخة التي اجتمعت في جسده النحيل ولا يقوى كثيرا على الحركة ولا يخرج من بيته إلا إلى الطبيب أو تلقي العلاج وإجراء الفحوص الطبية، والقتيلة الثانية هي ابنته «امل» بلغت الخامسة والأربعين، متزوجة ولها ثلاثة أولاد، وتقيم مع أسرتها في منطقة أخرى، لكنها تقضي معظم أيام الأسبوع مع أبيها الذي يقيم وحيدا بعد وفاة زوجته منذ خمس سنوات، فهي تعتبر مقيمة معه إقامة دائمة تنظف له الشقة وتعد الطعام وتغسل ملابسه وتمرضه وتحافظ على مواعيد الأدوية، وتعود إلى بيتها مرتين في الأسبوع كل مرة ليوم واحد، تقوم خلاله بقضاء احتياجات زوجها وأبنائها.
جمع المعلومات
كانت هناك صعوبة في تحديد علاقات القرابة، والذين يترددون على العجوز هنا، لكن الأب وابنته ليس لهما أقارب، ولا يتردد عليهما أحد غير عامل كي الملابس وعامل الدليفري من السوبر ماركت وجامع القمامة، وأحيانا مندوب الصيدلية لإحضار الدواء، قام رجال البحث الجنائي بفحص أكثر من سبعين شخصا على مدى أسبوعين كاملين، ولم يتم التوصل إلى القاتل، وتم الاتجاه لفحص جميع الاتصالات الهاتفية التي تلقاها كل منهما خلال الأيام الأخيرة، صحيح أنها كانت قليلة ومحدودة وبجمع التحريات عنهم لم تشر أصابع الاتهام إلى أي منهم، لكن تبقى امراة من بينهم لا تقيم في المنطقة ولا يعرف أحد سبب اتصالها بها ولا ما هو نوع العلاقة بينهما، كانت الورقة الأخيرة والأمل الوحيد المتبقي.
وتم التوصل إلى مسكن المرأة في منطقة عشوائية، اسمها «نادية»، توجهت قوة للاستفسار منها عن علاقتها بالقتيلة وسبب اتصالها بها، وما أن طرقوا الباب حتى صرخت لتوقظ زوجها الذي كان نائما بالداخل، حاولوا تهدئتها، لكنها صرخت وراحت تضرب صدر زوجها بكفيها على صدره بقوة وهي تقول له ضيعتنا بطمعك وإدمانك وكسلك، فتم التحفظ عليهما، وكانت تلك الكلمات كافية لتؤكد وتثبت أنهما وراء الجريمة، قالت إنها كانت تعمل في جمع القمامة من الشوارع في تلك المنطقة الراقية منذ عامين، وفوجئت بهذه المرأة تدعوها للصعود إلى الطابق الذي تقيم به وتدس في يدها مبلغا كبيرا من المال، وطلبت منها أن تحضر إليها كل فترة، اعتادت التردد عليها وفي كل مرة تغدق عليها بالمال والملابس والطعام وتتصدق بكل ما معها عليها، وفي إحدى المرات اصطحبت معها زوجها الذي كان يعمل سائقا على سيارة أجرة، وزادت المرأة معهما في الكرم وأعطتهما مبلغا أكبر، وكان آخر لقاء بينهما في عيد الفطر الماضي، حيث أعطتها صدقة الفطر وبعض الحلوى لها ولأولادها وزوجها.
المخالفات المرورية
قالت نادية: وقبل شهر قام صاحب السيارة بطرد زوجي «اشرف» من العمل لأنه كسول ويدمن تعاطي المواد المخدرة، وتسبب في الكثير من المخالفات المرورية على السيارة، فتكبد صاحبها مبالغ كبيرة، بجانب أن زوجي يسهر حتى الفجر ويستيقظ بعد الظهر ولا يهتم بعمله، ومنذ طرده لم يبحث عن عمل، يخرج ويعود لا أدري أين كان، ولا ماذا يفعل، ولا يجيب عن تساؤلاتي، ومنذ أسبوعين أحضر معه مبلغا كبيرا، عدة آلاف من الجنيهات، وهو يحمل الفواكه، وقبل أن أمد يدي لها سألته عن مصدرها، فقال إنه شارك أحد أصدقائه في صفقة للألعاب النارية المخصصة للأطفال وربح هذا المبلغ خلال ساعات معدودة، صدقته في البداية لكن قلبي لم يطاوعني وساورني الشك، وحاصرته بالأسئلة، حتى ثار في وجهي واخبرني بالحقيقة المرة، لقد قتل المرأة التي أحسنت إلينا ونعيش من خيرها.
لم يجد أشرف بعد اعترافات زوجته المفصلة مخرجا ولا سبيلا للمراوغة، اعترف بكل ما قالته، وأكد أنه يعشق النوم والكسل ويدمن المخدرات، وأنه يمر بضائقة مالية منذ ترك العمل ومن قبل عندما كان يعمل سائقا على السيارة، وفكر كثيرا في كيفية الحصول على المال، لكنه لم يجد حيلة ولا وسيلة وضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولم يفكر في البحث عن عمل شريف ولا عن سيارة أخرى ليعمل سائقا عليها تلك المهنة التي يعرفها ولو انه التزم بأصولها لعاش هو وأسرته حياة كريمة.
ألعاب الأطفال
التقى اشرف وصديقه هشام على المقهى الذي اعتادا الجلوس به كل ليلة، لم يكن اللقاء سعيدا، فكل منهما يشكو الهموم نفسها، وأهمها ضيق ذات اليد، والشكوى تمتد للحديث عن أحوال أطفالهما وأسرتيهما، قال هشام إنه كان يعمل في مقهى شعبي ولكنه تركه بعد خلاف مع صاحبه وتعطل ولم يجد عملا آخر منذ شهرين، وبالفعل اتجه الصديقان إلى تاجر يزاول نشاطه في الخفاء في تجارة ألعاب الأطفال الخطرة التي تحتوي على مفرقعات و«صواريخ» وألعاب نارية محظورة وممنوعة من البيع، وإن كان هناك إقبال كبير من الأطفال عليها من وراء ظهور آبائهم وأمهاتهم، خاصة أولئك الذين يميلون إلى العنف ويقيمون في المناطق الشعبية، لكن تلك التجارة لم تستمر طويلا، لأن البوليس يطارد هذا النشاط المؤثم والمجرم قانونا، وتمت مداهمة الوكر الذي يعملان فيه ومصادرة كمية كبيرة من المفرقعات، ولحسن حظهما لم يكونا موجودين في لحظة المداهمة، وخشيا العودة مرة أخرى حتى لا يتم القبض عليهما.
أحكام غيابية
على الرغم من ذلك لم يفكر أشرف وهشام في عمل شريف حتى لو كان دخله قليلا، وفكرا في اللجوء إلى السرقة، فكلاهما تم ضبطه من قبل في أربع قضايا، ومطلوبان للعدالة والمحاكمة وهاربان من أحكام غيابية بالحبس، أسلوبهما في السرقة معروف، فهما يقتحمان الشقق في غياب أصحابها، وهذه المرة أرادا أن يسرقا شققا يكون أصحابها معروفين لهما حتى يستطيعا النجاة بالغنيمة الحرام من دون الوقوع في يد الشرطة، وفجأة ضرب اشرف رأسه بيده وهو يصيح «وجدتها» لقد تذكر صاحبة الشقة في المنطقة الراقية التي تغدق عليه وعلى زوجته المال والملابس والطعام وعرض على اشرف سرقة محتوياتها، فهو يعرف أنها تقيم مع والدها العجوز وحدهما ولا يوجد أي خطر في العملية، وأنها مضمونة مئة في المئة.
عيادة الطيب
توجه صديقا الشر إلى البناية، سألهما الناطور «حارس البناية» عن وجهتهما فأجابا بأنهما في طريقها إلى عيادة الطيب التي تقع في الطابق الرابع، بينما الضحية تقيم في الطابق الثالث فما كان ذلك إلا نوعا من الإيهام والتعتيم حتى لا يشك فيهما، وعندما طرق أشرف الباب فتحت المرأة بعد قليل، حيث وضعت الغطاء فوق رأسها ورحبت به، ولم تفتح الباب كله بعد، وسألته عما يريد فهي تعرفه من خلال زوجته، وقبل أن يجيبها انطلق صديقه الذي كان مختبئا اليها كالسهم وأطبق على فمها ورقبتها فلم يمهلها لتستغيث وخنقها وقيد يديها وكمم فمها حتى فارقت الحياة، وانطلقا إلى الداخل فوجدا الرجل العجوز يحاول أن يقوم ليعرف ماذا يجري، وكذلك لم يمهلاه ليستغيث وقاما بخنقه، وبالفعل وجدا مبلغا كبير جدا من المال وبعض المجوهرات، استوليا عليها وفرا، لكن كانت النهاية السقوط ولم يهربا من العقاب الذي ينتظرهما.


أحمد محمد (القاهرة)

اقرأ أيضا