الاتحاد

دنيا

تعلمت بثمن باهظ

عندما شاهدتها لأول مرة في الحفل الذي أقامته واحدة من صديقات الأسرة، عرفت أنها من الطبقة المتوسطة أو أقل، يبدو ذلك على طريقة تصرفاتها وملابسها رغم أنها كانت تحاول أن تتخفى أو تخفى هذا كله وتبدو مثل أبناء الأثرياء، لكن الطبع يغلب التطبع وواحد مثلي لا يسهل خداعه، صحيح أن عمري لم يتجاوز الخامسة والعشرين، لكن الحياة علمتني الكثير، فمنذ نعومة أظفاري وأنا أتعامل مع كل صنوف البشر كل يوم، بجانب الدراسة، ومن ألتقي معهم في الشارع، وهناك من يعملون في شركات أبي وهم كثر.
مشكلة واحدة
كنت واحداً من الذين ولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب، لم تكن في حياتي كلها مشكلة واحدة، فلا ينقصني شيء ولا أحتاج إلى أي شيء إلا وجدته حاضراً، منذ التحقت بالجامعة، ولدي سيارتي الخاصة الفاخرة، وأصدقائي على نفس الشاكلة، لكن هذا لا يعني أنني بمعزل عن الآخرين، بل أتعامل مع كل الناس، والأهم أنني أجد حبهم لي في عيونهم، وهذا ما كان يشعرني بالسعادة أكثر من المال، وقد كنت كريماً بطبعي وربما وراثة من أبي وأمي، لكن بطبيعة حياتنا فإن معظم تعاملاتنا تكون مع من هم على شاكلتنا في النادي واللقاءات والحفلات والمناسبات، واعتادت الأسرة إقامة الحفلات أو ما يسمونه عشاء أو غداء العمل، وفي الغالب يكون أقرب إلى البروتوكولات والأشكال الرسمية، خليط من الرجال والنساء، ولكن بكل احترام والتزام فلا يظن أحد أنها حفلات للسمر أو المجون.
حتى الحفلات التي كنت أدعى إليها من أصدقائي وصديقاتي كانت كذلك، هي أقرب إلى المنتدى، نناقش القضايا العامة، ونتحدث في الفن والسياسة والرياضة، نتناول الحلوى والعصائر بعيداً عن تصرفات الشباب الخارجة عن اللياقة، ولم نعرف سلوك أبناء الأثرياء الآخرين الذين يلجأون بأموالهم إلى المخدرات والمشروبات المحرمة، بل إن معظمنا لا يدخن السجائر، وهذا كله جعل علاقاتنا تستمر بشكل يسوده الود والاحترام، وبعيداً عن أي أغراض أو مطامع، وقد تخرجت في الجامعة منذ ثلاث سنوات والتحقت بالعمل في إحدى شركات أبي، وقد كنت محباً لهذا العمل ومتفانياً فيه.
التعارف المعتاد
وها هي تجيء لواحدة من تلك الحفلات البسيطة بصحبة زميلتها في الجامعة، كانت مدعوة مثلنا، وتم التعارف المعتاد فإذا بها تخرجت في نفس الكلية التي تخرجت فيها، وتبادلنا بعض المعلومات عن الجامعة والأشخاص والأماكن، وهي لم تدركني أثناء الدراسة وإنما التحقت بالجامعة في نفس العام الذي أنهيت فيه دراستي، تبدو بسيطة عليها مسحة من جمال طبيعي يخفي وراءه تمرداً أو رفضاً للواقع الذي تعيشه، تحاول أن تهرب منه وتتخلص من الظروف التي تحيطها، تكذب وتتجمل لتظهر مثل الذين تتعامل معهم، لكن هذا ليس سهلاً، وما كان لها أن تستطيع أن تقوم بتمثيل هذا الدور فهو صعب لكنها مع ذلك تحاول ولا تفقد الأمل.
بالصدفة أيضاً التقينا بعد عدة أشهر في ظروف مشابهة، تذكر كل منا الآخر بسرعة، استعدنا ذكريات اللقاء الأول وتحدثنا في قضايا عامة مثل كل الحضور، لكن هذه المرة، وجدت فيها أشياء تجذبني نحوها مثل ذكائها وسرعة البديهة والفهم المستنير وأيضاً الطموح، لكنها لم تستطع أن تواصل تمثيل دور بنت الأثرياء ووجدت نفسها سوف تفقد تلك اللقاءات وهذه المجموعة من الأصدقاء، وفتحت قلبها لي رغم أنه لم يمض كثير من الوقت على تعارفنا، ولم تكن مضطرة لذلك، فهمت أنها تريد أن تخرج ما بداخلها لتستريح منه، ووجدتني أنصت إليها باهتمام.
الإخوة والأخوات
قالت إنها نشأت في أسرة فقيرة لأب موظف بسيط وأم ربة منزل، بين ستة من الإخوة والأخوات، هي الوحيدة من بينهم التي التحقت بالجامعة بينما الآخرون منهم من حصل على مؤهل متوسط، ومنهم من ترك الدراسة بسبب ظروف الحياة القاسية والفقر الذي كانوا يغرقون فيه، ولولا أنها لجأت إلى العمل ما استطاعت أن تحصل على المؤهل الجامعي، فالأب بجانب وظيفته اضطر إلى عمل ثان ليوفر أقل وأبسط الاحتياجات، ومع ذلك لم تبتسم لها الحياة يوماً، وذلك على حد تعبيرها، ولا تخفي عدم رضاها عن تلك الأوضاع، تريد أن تخرج إلى الدنيا وتعيش مثل هؤلاء الذين من حولها، فهم يجدون كل شيء بلا مجهود، وهي لا تجد شيئاً بكل مجهود، تحلم بحياة كريمة بل مرفهة، لم لا يكون عندها شقة فاخرة وسيارة ورصيد في البنك، لكنها لا تجد إلى ذلك سبيلاً.
الأجواء الاحتفالية
في نهاية حديثها اعتذرت لي بأنها نقلت همومها ومشكلاتها وجعلتها تطغى على الأجواء الاحتفالية، كنت أسمعها بتركيز، كادت الدموع تغلبني وأنا أتعاطف معها وأرق لحالها، لولا أنني وجدت أن في ذلك جرحاً لكبريائها وكرامتها، وحاولت أن أتخلص من المشاعر التي ظهرت على وجهي تعاطفاً معها، وتحدثت إليها بشكل فلسفي بأن الإنسان ليس بما لديه من أموال ولكن بأخلاقياته ومحبة الناس له وبشعوره بالسعادة واستغنائه عن الناس، وكنت أدور حول هذه المعاني لكن وجدتني أتحول إلى واعظ وقد لا يكون ذلك مقبولاً، وأنا أتحدث عن الفوارق بيننا، وأنهيت الحديث بشكل لائق حيث نهضت وأحضرت كوبين من العصير لي ولها، وعند الافتراق قدمت لها الكارت الخاص بي وبه أرقام هواتفي وسجلت رقم هاتفها المحمول.
أنا لا أعيش في جزيرة منعزلة ولا يقتصر تعاملي على الأغنياء فقط، ولم تكن حياتي كلها سهراً وحفلات، بل معظمها جاد وأعمال وتعاملات مع كل صنوف البشر، خاصة في الشركة التي تجمع كل المستويات، ورغم ذلك وجدتني أمام نموذج جديد من الفتيات لا أنكر أنني وجدت انجذاباً نحوها بعيداً عن التعاطف مع مشكلاتها، فيها سحر خفي، فكرت فيها كثيراً بعد أن افترقنا لكن لم أجد تفسيراً أو توصيفاً لذلك، والغريب أن هذا الاهتمام يتزايد، كان يمكنني أن أعرض عليها وظيفة في شركة أبي التي أديرها براتب مغرٍ قد يؤدي إلى حل كل مشاكلها، ولكن وجدت أنها تستحق أكثر من ذلك، وأيضاً تخوفت بلا داع أن تعتقد أن ذلك نوع من العطف عليها، وتطور التفكير إلى أبعد من ذلك وتجاوز مسألة ظروفها إلى شخصيتها وطموحها وصفاتها، وأيضاً جمالها الطبيعي الذي يختلف عن الأخريات اللاتي يلجأن إلى مساحيق التجميل حتى تكاد تختفي حقيقة وجوههن.
مشاعر مراهق
بكل تأكيد وجدتني أفكر فيها كزوجة، ولم لا ولم يكن هناك مانع طالما أن لدي قناعة تامة وليس مجرد إعجاب بشكل عابر ولا مشاعر مراهق غير واضحة، والتقيتها في مكان عام لأعبر لها عما يجيش بداخلي فكانت واضحة بأنها تتمنى ذلك ولكن ما نيل المطالب بالتمني، فالمسافات بيننا بعيدة والفوارق كبيرة، وهي ليست من الطبقة التي أنتمي إليها، فازداد إعجابي وتمسكي بها، وطرت إلى أمي وأبي أخبرهما بأنني عثرت على نصفى الآخر، وأبديا سعادتهما بتلك الخطوة، لكن السعادة لم تدم للحظة وتبددت بعدما علما أنني اخترت فتاة فقيرة وليست واحدة من طبقتنا الأرستقراطية، حذراني بجميع الأشكال، وأعلنا رفضهما التام لتلك الزيجة، لكنني ازددت إصراراً حتى وافقا مضطرين من دون أن يشاركا في أي خطوة، وشعرت خطيبتي وأسرتها بذلك.
شهر العسل
قالت خطيبتي إنها تثق بي إلى أقصى حد لكنها لا تأمن غدر الأيام، ويجب أن أؤمن لها مستقبلها، وطلبت أن أسجل لها الشقة الفاخرة باسمها، تعبيراً عن تمسكي بها وحبي لها، وأنني لن أتنازل عنها في المستقبل، وفعلت ذلك بنفس راضية، وأغدقت عليها بأكثر مما تحلم، وكان حفل العرس في فندق خمس نجوم، حضره أيضاً علية القوم، وقضينا شهر العسل في أماكن متعددة، وما أن عدنا حتى وجدتها تتدلل وتطلب مني أن أودع لها نصف مليون دولار في حساب باسمها في البنك تأكيداً لأنني لم أتغير بعد الزواج، وأيضاً ضماناً لحياتها لو تركتها، ولم تنس أن تذرف بعض الدموع مصحوبة بالشهقات، وهي تحاول أن تقنعني بأنها بعد أن أحبتني كل هذا الحب قد أرضخ لضغوط أبي وأمي لو تجددت، وكي أثبت لها عدم تغير موقفي منها وافقت على مطلبها.
لم يمض شهر آخر على زواجنا حتى وجدتها تعانقني وهي تستنكر ألا يكون لديها سيارة فاخرة تتنقل بها بحرية، وفشلت في إقناعها بأن سيارتي تحت أمرها في أي لحظة وأننا دائماً نكون معاً في أي مكان ولسنا بحاجة إلى سيارة أخرى، فكان سلاحها جاهزاً وأشهرته في وجههي وهو الدموع، وأعلنت غضبها مني واتهمتني بالبخل، وأنني بدأت أتغير من ناحيتها ومن المؤكد أنني اقتربت من الاستغناء عنها، وقالت إن الفقراء أمثالها لا قيمة لهم في الحياة، وأن الأغنياء يتاجرون بهم، وما هم إلا سلعة تباع وتشترى عندهم، وعندما استنكرت كل ذلك قالت لو كان موقفك غير ذلك لوافقت على شراء السيارة بلا نقاش، وكذلك تنازلت واشتريت لها السيارة في نفس اليوم.
امراة أخرى
أصبحت زوجتي المصون امراة أخرى غير التي عرفتها، تسهر مع سيدات ورجال بشكل لا يليق بي ولا بأسرتي، وتقضي معظم وقتها خارج البيت، تحاول أن تظهر كسيدة مجتمع، تحقق أحلامها السابقة، وما كان عندي مانع من ذلك لو أنها التزمت الطريق الذي نسير فيه، وما لي أن أقبل هذه التصرفات ومن هنا دخلت الخلافات بيتنا، وازدادت بعدما بدأت تحضر إلى الشركة التي أعمل بها وتتدخل في عملي وفي أعمال الموظفين بما تفهم ولا تفهم، ثم جاء أخيراً طلبها اللا معقول، وهي تريد أن أطلب من أبي أن يتنازل لي ولها مناصفة عن الشركة لنستطيع أن نتصرف فيها ونديرها بحرية، وهنا كان لابد من وقفة حاسمة لأنها تجاوزت كل الحدود، ورفضت مناقشة طلبها أساساً، فعادت لطريقتها في الغضب والتأثير على مشاعري بدموع التماسيح، لكن هذه المرة لم تنجح.
وصلت الخلافات إلى نهايتها ولم يبق للتفاوض أو الاتفاق مكان، خاصة بعد أن ظهرت على حقيقتها واعترفت أنها لم تكن تحبني وإنما كانت تحب أموالي، وصلنا إلى الطلاق لكنها رفضت أن ترد شيئاً مما اغترفت، وأقامت دعوى خلع، لكنني سبقتها وطلقتها غيابياً حتى أكون صاحب الضربة الاستباقية ولا تهم الخسائر المادية، تعلمت الدرس، لكن بعد فوات الأوان، وبتكلفة باهظة.

نورا محمد (القاهرة)

اقرأ أيضا