الاتحاد

دنيا

«ناشيونال جيوغرافيك» .. 125 عاما من سحر الصورة المهيمن على ذاكرة العالم في العصر الحديث

بقلم روبرت داريبر

عندما نشأت «الجمعية الجغرافية الوطنية» كانت مهمتها الاستكشاف ثم الاستكشاف، حتى إن صفحات الأعداد الأولى من مجلة ناشيونال جيوغرافيك العالمية كانت صماء خالية من الصور لا ألوان فيها. مرت سنون طِوال قبل أن يبدأ مستكشفو ناشيونال جيوغرافيك باستخدام كاميراتهم في الميدان فصاروا ينقلون إلى العالم ما بات اليوم المصدر الرئيس لشهرة المجلة، أي المواد الصحافية الزاخرة بالصور القادرة على تغيير المفاهيم والطامحة إلى تغيير حياة الناس.
واليوم، يجري تحميل ملايين الصور الرقمية على الإنترنت كل دقيقة. ونتيجة لذلك، أصبح كل واحد منا مُدركاً بأنه قد يكون هدفاً محتملاً للتصوير في أي لحظة، لدرجة أننا قد نضطر قريباً جداً إلى إضافة لقطاتنا غير المصورة إلى قائمة الأشياء المهددة بالانقراض. لكن سيظل مصورو ناشيونال جيوغرافيك متميزين أبداً.
ويكمن سر هذا التميز جزئياً فيما يتخذونه من قرارات شخصية خلال عملية التصوير. فانتقاء نوع العدسة وحجم الإضاءة وزمن التقاط اللقطة هي غيض من فيض عناصر متضافرة تساعد في تحديد أسلوب كل واحد منهم. ولعل زبدة ما يلتقطونه من صور تُذكرنا بأن للصورة قوة تتعدى بكثير قدرتها على توثيق اللحظة.
كثيراً ما وجدت نفسي أعمل جنباً إلى جنب أحد مصوري ناشيونال جيوغرافيك، وما صادفته من مشاهد تستدعي كل مشاعر الإعجاب، لكنها لا تدعو إلى الغبطة بأي حال من الأحوال. وإذا كانت الإرادة الشرسة هي ما يدفعهم إلى تحمل كل المشاق من أجل نسج خيوط حكايتهم على شكل صور مذهلة، فإنهم يواجهون قائمة طويلة من العراقيل، كدفع غرامات مقابل الوزن الزائد لمعدات التصوير، أو سوء أحوال الطقس، أو منعهم المتكرر من تصوير مكان ما. بل إنهم يضطرون أحياناً إلى تعليق عملهم بسبب ظروف قاهرة مثل حدوث كارثة طبيعية ينجم عنها تكسر عظامهم أو إصابتهم بالملاريا أو تعرضهم للسجن. وفضلاً عن تجرعهم مرارة البعد عن ذويهم لمدد طويلة، قد يجدون أنفسهم سفراء غير مرحب بهم إذا ما حلوا بأحد البلدان المعادية للغرب. كما قد يضطر الواحد منهم إلى الجلوس على شجرة لأسبوع كامل، أو اتخاذ البق وجبة للعشاء.
وهُم لا يضغطون على زناد الكاميرا إلا لحظة شعورهم باكتمال نضوج اللقطة.
ميدانياً، رأيت بعض زملائي يجلسون مع الشخوص المُراد تصويرهم، فيلزمونهم أياماً وأحياناً أسابيع، يطرقون السمع أو يمعنون النظر عساهم ينفذون إلى عمق الرسائل الواجب نقلها إلى العالم، قبل أن يتخذوا القرار الأخير ويرفعوا إلى أعينهم كاميراتهم لتصوير فصول الحكاية! قضى مصورونا سنوات متواصلة منغمسين في عوالم نائية مع رُعاة قطعان الرنة من قومية سامي، ومع فتيات الغيشا اليابانيات، ومع طيور الفردوس في جزيرة غينيا الجديدة.
ومن السمات الأخرى التي تُلازم هؤلاء المصورين، صحوة الضمير. فعندما تصور باستمتاع ذلك الجمال الساحر لفقمات القيثار وهي تسبح في خليج سانت لورانس، فإنك تكون شاهداً في الوقت ذاته على مدى هشاشة مَوْطنها، وترى بأم عينيك كيف يبتلع هذا الخليج العشرات من صغارها التي تغرق بسبب انهيار قطع الجليد الطافي.
إن أجمل الأيقونات البصرية التي التقطتها عدسات مصورينا لم تكن عن أي حدث تاريخي أو شخص تاريخي. بل كانت لأُناس مثل الفتاة الأفغانية، شربات غولا، التي كانت في سن الثانية عشرة على الأرجح حينما صادفها المصور ستيف ماك كاري في مخيم للاجئين بباكستان سنة 1984. فصورتها التي كانت موضوع غلاف مجلة ناشيونال جيوغرافيك العالمية في عدد يونيو 1985 أوصلت للعالم فيضاً من الرسائل التي عجز آلاف الدبلوماسيين وموظفي الإغاثة عن إيصالها، وكان سحر تلك الصورة في بوح عينيها الخضراوين. فلقد انغرست نظرة تلك الفتاة في وعينا الجماعي وخاطبت ضميرنا الإنساني بكل لغات الكون، ووضعت حداً لتلك اللامبالاة التي طالما طغت على تفكير المجتمع الغربي، وجعلته يتوقف للحظة ليفكر في الصيحات الصامتة للنساء الأفغانيات.

هدف محتمل

يجري تحميل ملايين الصور الرقمية على الإنترنت كل دقيقة. ونتيجة لذلك، أصبح كل واحد منا مُدركاً بأنه قد يكون هدفاً محتملاً للتصوير في أي لحظة، لدرجة أننا قد نضطر قريباً جداً إلى إضافة لقطاتنا غير المصورة إلى قائمة الأشياء المهددة بالانقراض.

مخاطر

مصورو ناشيونال جيوغرافيك يضطرون أحياناً إلى تعليق عملهم بسبب ظروف قاهرة مثل حدوث كارثة طبيعية ينجم عنها تكسر عظامهم أو إصابتهم بالملاريا أو تعرضهم للسجن. وفضلا عن مرارة البعد عن ذويهم طويلا قد يضطر الواحد منهم إلى الجلوس على شجرة لأسبوع كامل، أو اتخاذ البق وجبة للعشاء.

اقرأ أيضا