الاتحاد

عربي ودولي

خارطة طريق لعولمة وصيانة التراث الفكري البشري

عدنان عضيمة:

لابد لأي إنسان كتب له أن يعبث في مداخل وعناوين محرك البحث العملاق (جوجل) Google, أن يشعر لأول وهلة بأهميته كمرجع تثقيفي لكل الباحثين في ظاهرة عولمة الفكر البشري· وهي الظاهرة التي توشك أن تحدث انقلاباً حقيقياً في الأسس والقواعد التي تبنى على أساسها العلاقات الثقافية بين الأمم والشعوب· ويحكي هذا الكتاب الشيّق القصّة الكاملة لظهور (جوجل)، ويعرض للنتائج والتداعيات المؤثرة التي ترتبت على انتشاره الواسع بين المبحرين عبر الإنترنت في العالم أجمع· كما يقدم الكتاب نموذجاً نادراً لتحقيق النجاح في مجال العمل والتجارة واستغلال الأفكار الاستثمارية؛ ليس فقط في مجال تطبيقات تكنولوجيا المعلومات، بل وفي كافة مجالات النشاط التجاري·
يدور فحوى الكتاب حول قصة الشابين المتواضعين ''سيرجي برين'' و''لاري بيج''، اللذين كتب لهما بين عشية وضحاها أن يصبحا من أصحاب المليارات، من مجرّد استثمار فكرة تأسيس محرك البحث الأكثر فعالية في العالم والذي يدعى (جوجل)· واليوم أصبح هذا المحرك يستضيف أكثر من 64 مليون متصفّح ومبحر كل يوم؛ وهو ناطق بأكثر من 100 لغة عالمية، ووصف بأنه (محرك البحث الذي يعرف كل شيء عن أي شيء)!!· ويضم محرك (جوجل) مليارات البحوث والمواد الإعلامية، وهيأ للمبحرين أكثر الأدوات التقنية المتخصصة بالبحث عن المواد والصور والبيانات تطوراً·
ويبلغ عمر كل من''برين'' و''بيج'' 32 عاماً، وهما اللذان أطلقا العمل بمشروع جوجل عندما كانا في العاشرة؛ ونجحا في تحويله من مجرد نظام مشغّل للإنترنت إلى شركة ضخمة تبلغ قيمة أصولها بضع عشرات المليارات من الدولارات·
بين جوجل ومطبعة جوتنبرج
يعرض المؤلف ''دافيد فايس'' في مقدمة كتابه لشرح مفصل للقيمة الحقيقية التي يتمتع بها (جوجل)، فيشير في هذا الصدد إلى أنه يشبه من حيث قوة تأثيره على المجتمع العالمي تأثير اختراع المطبعة في القرن السادس عشر· وقبل أن يتمكن الألماني ''جوتنبرج'' من ابتكار أول مطبعة، لم يكن من الممكن نشر الكتب وأخبار البحوث والابتكارات العلمية إلا على نطاق ضيّق جداً لا يتعدى بضعة قرّاء؛ إلا أن اختراعه سمح بعد ذلك بطبع عشرات الألوف من نسخ الكتاب الواحد، وحقق قدرة غير مسبوقة في مجال التواصل الفكري العالمي عن طريق الورق المطبوع· ويمكن القول على نحو مشابه، إنه وبالرغم من التدفق الغزير للمعلومات بعد ابتكار الإنترنت، إلا أن الاستفادة من معلومة معينة لم يكن متيسراً إلا لفئة محدودة من الناس؛ ثم أتى محرك البحث (جوجل) ليجعل المعلومات والبيانات والصور مشاعاً لجميع البشر على وجه الأرض· لقد فتح جوجل أفقاً جديداً للتلاقح والتواصل الفكري لا يمكن لأحد على الإطلاق أن يقدّر أبعاده ونتائجه على المستويات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية·
يتميز هذا المحرك أيضاً في أنه جعل الحصول على المعلومات عملاً سريعاً وسهلاً؛ وبات يستجيب يومياً لطلبات مئات الملايين من الناس عبر العالم ليقدم لهم ما يبحثون عنه من بيانات في غمضة عين· ثم يقدم ''فايس'' وصفاً أكثر براعة للدور الذي يقوم به (جوجل) من خلال وصفه بأنه أصبح جزءاً لا يتجزأ من واقع الحياة اليومية لمعظم سكان الكرة الأرضية· ونظراً لما هو معروف من أن (الجزء) عندما يكون كبيراً إلى حدود معينة فإن مفهومه يلتقي مع مفهوم (الكل)، فلقد أصبح الكثير من الناس يخلطون بين (جوجل)، الذي لا يعدو أن يكون مجرد محرك بحث في الإنترنت، وبين (الإنترنت) ذاتها·
عصر (الجوجلة)!
وعندما يتحقق عنصر النجاح الساحق في أي عمل، فلابد أن يفتح ذلك الباب أمام مصطلحات جديدة؛ وبعد أن حقق جوجل هذا النجاح أصبحت عملية البحث عن المعلومات في الإنترنت تعرف باسم (الجوجلة) googling. وبات الرجال والنساء والأطفال يتساءلون الآن بشيء من الاستغراب الآن: كيف كانت تسير الحياة قبل (جوجل)؟·
ويسترسل ''فايس'' في إطلاق التعابير الطنانة حول (جوجل) فيشير إلى أن معظم الباحثين والمتصفحين العاديين للإنترنت، باتوا يعتبرون (جوجل) امتداداً طبيعياً لأدمغتهم· وكل من استخدم المحرك بشكل مكثف ومتواصل لابد أن يكون قد اقتنع بأن هذا الوصف لا ينطوي على المبالغة· وأما على المستوى الجاري، فلقد أصبح (جوجل) وسيلة الشركات الناشئة للتعريف بنفسها عن طريق الإعلان على صفحاته التي تعد بالمليارات·
وما من شك في أن الغالبية العظمى من مستخدمي جوجل لا يعرفون شيئاً عن قصة تأسيسه وإطلاقه، وكيف حقق كل هذا النجاح، وكيف تمكن من تخطّي كافة منافسيه؟· وهي بعض القضايا المحورية التي يعالجها كتاب ''فايس'' بعد أن ظلت خلال السنوات القليلة الماضية تندرج في إطار الأسرار الغامضة الخبيئة خلف أسوار المقر الرئيسي للشركة في وادي السيليكون بولاية كاليفورنيا الأميركية·
وينقل ''فايس'' عن ''جون هينيسي'' عميد جامعة ''ستانفورد'' العريقة وكبير علماء الكمبيوتر فيها قوله: (إن شركة جوجل تتفرّد اليوم في أنها الأولى في العالم في تأليف واستخدام كل من ''السوفتوير'' و''الهاردوير'')· وحتى تتمكن من تطوير وتوسيع مجالات خدماتها ذات الطابع البحثي، تشغّل جوجل برامج تطبيقية بالغة التطور تضم مئات الألوف من الأجهزة والآلات، كما تقوم حتى الآن ومن دون انقطاع بتحديث وتجديد آلاتها وأدواتها· ونظراً لأنه ما من وصف في عالم تقنية المعلومات يمكنه أن يعبر عن مدى تطور وتشابك هذه البرامج التطبيقية المستخدمة في تشغيل جوجل، فلقد آثر الخبراء على اشتقاق مصطلح جديد بشأنها هو (الجوجلوير) erawlgooG المستعار من الاسم الإنجليزي للبرامج التطبيقية أو (السوفتوير)·
نهر متدفق من المكاسب
يقول ''فايس'' أيضاً في كتابه: إن شركة جوجل تمكنت من وضع خدمة البحث الآلي والسريع عن أية معلومات أو صور بلمح البصر· ولهذه الأسباب، لم يعد (جوجل) مجرد محرك بحث، بل أصبح أيضاً بمثابة الآلة التي تطبع الأموال بغزارة لا نظير لها لمستثمريه· وعندما بدأ المستثمرون يلاحظون هذه المليارات من الدولارات من العوائد التي تتدفق من دون انقطاع إلى خزينة الشركة، شعروا جميعاً أن شيئاً ما لم يتعودوا على رؤيته في بقية القطاعات الاستثمارية، يحدث في هذه الشركة الناجحة· وراحوا يتسابقون لشراء حصص من أصول الشركة· وكان من الطبيعي أن تعمد جوجل بعد تسجيل كل هذا النجاح إلى التحول لشركة مساهمة عمومية حتى لا تواجه تهمة الاحتكار، فأعلنت في 19 أغسطس من عام 2004 عن تسجيل نفسها في البورصة وحددت لسهمها قيمة سوقية تبلغ 85 دولاراً للسهم الواحد فتمكنت بذلك من سحب 2 مليار دولار من الأسواق خلال بضعة أيام فحسب· وما هي إلا فترة قصيرة تقل عن العام الواحد، حتى بلغ سعر سهم جوجل 300 دولار، مما جعل جوجل في نظر سماسرة البورصة الشركة الأصلب عوداً والأكثر قدرة على النمو من بين كافة الشركات الأخرى المدرجة فيها· وخلال عام 2005 ارتفعت القيمة الإجمالية لأسهم شركة جوجل المطروحة في الأسواق إلى أكثر من 80 مليار دولار·
يذكر ''هينيسي'' أيضاً أنه أراد ذات يوم اختبار قدرة جوجل على جمع المعلومات والبيانات وفتح الصفحة الاستهلالية للموقع وكتب اسمه في خانة البحث وفوجىء بأن رؤوس العناوين التي استحضرها جوجل كانت تتعلق بجامعة ''ستانفورد'' التي كان يشغل منصب العميد فيها· ويعلق ''هينيسي'' على ذلك بالإشارة إلى أن محركات البحث الأخرى عاجزة عن جمع وتصنيف كل هذه المعلومات·ويعرض الكتاب أيضاً لدور جوجل في نشر الثقافة الإعلانية والتجارية بعد أن بات يضم معلومات متكاملة حول نشاطات مئات الألوف من الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة التي نالت حظها الوافر من الانتشار الإعلامي على صفحاته؛ ولا عجب بعد كل هذا أن يطلق الخبراء على هذه الغابة المتشابكة من النشاطات التجارية التي تعرض على صفحاته مصطلح (اقتصاد جوجل) Google economy.
ويقول ''فايس'' إن هذا النجاح الهائل الذي حققه جوجل يعود للمساهمة الإدارية الناجحة واليومية لمؤسسيه ''برين'' و''بيج''؛ ولقد عكس التطور المتواصل الذي شهدته البرامج التطبيقية لمحرك البحث جوجل أو ما يعرف باسم (الجوجلوير)، عبقريتهما وطموحاتهما الكبيرة للتحليق في عالم تكنولوجيا المعلومات بعيداً عن السرب·

اقرأ أيضا