قال صندوق النقد الدولي إن الاستقرار المالي العالمي لا يزال معرضاً للخطر رغم تسارع وتيرة النمو الاقتصادي العالمي إلى حد ما بعد مضي قرابة أربعة أعوام على بدء أكبر أزمة مالية منذ الكساد الكبير. وأكد الصندوق في تقرير آخر صدر أمس حول الاستقرار المالي العالمي أنه لا يزال هناك تحديات كبيرة أمام السياسات يتعين معالجتها، حيث لم تكتمل عملية إعادة هيكلة الميزانيات العمومية بعد، كما ما تزال معدلات الرفع المالي مرتفعة، مما يبقى التفاعل بين المخاطر المصرفية ومخاطر الائتمان السيادي في منطقة اليورو أحد العوامل الحاسمة. وقال الصندوق إن هناك حاجة إلى انتهاج سياسات لمعالجة مواطن الضعف التي تشوب المالية العامة والقطاع المصرفي. وعلى المستوى العالمي، لا يزال يتعين إجراء إصلاحات تنظيمية لوضع القطاع المالي على مسار أكثر ثباتاً. وفي الوقت ذاته، تنتهج الاقتصادات المتقدمة سياسات تيسيرية بينما الأساسيات الاقتصادية في بعض بلدان الأسواق الصاعدة مواتية نسبياً، الأمر الذي يحفز التدفقات الرأسمالية الداخلة. ويعني ذلك أنه سيتعين على صانعي السياسات في بلدان الأسواق الصاعدة الاجتهاد في مراقبة دلائل ظهور فقاعات أسعار الأصول والائتمان المفرط. ورغم تسارع وتيرة النمو الاقتصادي العالمي إلى حد ما، لا يزال الاستقرار المالي العالمي غير مؤمن بعد، والتعافي المالي مزدوج المسار، حيث تنمو البلدان المتقدمة بوتيرة أبطأ بكثير من سائر بلدان العالم، ما يمثل مصدراً للتحديات التي تواجه السياسات، وازدادت درجة حساسية الأسواق لمخاطر القدرة على مواصلة تحمل الديون جراء الاحتمالات المتوقعة لتباطؤ النمو واستمرار ضعف أرصدة المالية العامة في الاقتصادات المتقدمة، وظهرت الضغوط مجدداً في أسواق التمويل في منطقة اليورو، وازدادت التوترات نتيجة للروابط الواضحة بين ضعف الميزانيات العمومية للقطاع الحكومي والقطاع المصرفي. وفي الوقت نفسه أدت السياسات النقدية التيسيرية في البلدان المتقدمة والأساسيات الاقتصادية المواتية نسبياً في اقتصادات الأسواق الصاعدة إلى حفز التدفقات الرأسمالية نحو هذه الاقتصادات، الأمر الذي يولد ضغوطاً رافعة لأسواق الأصول في البلدان المتلقية للتدفقات، ويضيف إلى المخاطر الكامنة النابعة من احتمال تحول مسار التدفقات الداخلة، ويفرض بالتالي تحديات جسيمة أمام السياسات في إيجاد أفضل السبيل لاستيعاب التدفقات. ويشير تقرير الاستقرار المالي إلى أنه رغم هذه العوامل، فإن أداء الأسواق المالية لا يزال مواتياً حتى هذه الآونة من مطلع عام 2011، وهو ما يمثل انعكاساً للمناخ الاقتصادي الأكثر إيجابية، ووفرة السيولة، وزيادة الإقبال على المخاطر. وسجلت أسواق الأسهم في البلدان المتقدمة وبلدان الأسواق الصاعدة ارتفاعاً منذ صدور عدد أكتوبر 2010 من تقرير الاستقرار المالي العالمي، وشهدت أسعار السلع الأولية انطلاقة، مع سرعة ارتفاع أسعار كل من النفط والغذاء والمعادن والمواد الخام، ومع ذلك كانت هذه التطورات الإيجابية غائبة بشكل ملحوظ عن الكيانات السيادية والأجهزة المصرفية في كثير من البلدان المتقدمة. وفي واقع الأمر، فإن فروق العائد على مبادلات مخاطر الائتمان السيادية تتجاوز الآن في العديد من الحالات الفروق السائدة في أكبر بلدان الأسواق الصاعدة، وعمدت البنوك في هذه الاقتصادات المتقدمة أيضاً إلى زيادة فروق العائد على مبادلات مخاطر الائتمان السيادية. ازدياد حدة التفاعل ويرى التقرير أنه رغم تحسن أوضاع السوق منذ صدور عدد أكتوبر 2010 من تقرير الاستقرار المالي العالمي، فقد اشتدت حدة المخاطر السيادية بوجه عام داخل منطقة اليورو فتداعت آثارها وانتقلت إلى بلدان أخرى، وفي بعض الحالات وصلت فروق أسعار الفائدة على السندات الحكومية إلى مستويات مرتفعة قياسية تفوق كثيراً المستويات التي رأيناها أثناء فترة الاضطرابات في شهر مايو الماضي. وواجهت أيرلندا ضغوطاً حادة بشكل خاص ما أدى إلى وضع برنامج مشترك بين الاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي، واستمر الارتفاع في علاقات الارتباط بين متوسط العائدات على السندات السيادية في كل من اليونان وأيرلندا والعائدات في البرتغال، غير أن الشهور الأخيرة قد سجلت ارتفاعاً حاداً في علاقات الارتباط مع العائدات مع إسبانيا، وفي إيطاليا ولكن بقدر أقل في ظل التوترات المنتشرة. وبينما لا يزال التفاعل السلبي محصوراً في منطقة اليورو، فقد اشتدت حدته بين المخاطر السيادية والمخاطر المصرفية في عدد من البلدان ما أدى إلى حدوث اضطرابات في بعض أسواق التمويل. وبلغت فروق العائد على مبادلات مخاطر الائتمان السيادية المحررة في المؤسسات المالية أقصى مستويات الارتفاع في البلدان التي واجهت أكبر قدر من الضغوط السيادية. وتتسم هذه العلاقة في الوقت الحاضر بأنها موجبة بقدر أكبر مقارنة بعام 2008. أما البنوك الأصغر حجماً والأكثر تركيزاً على السوق المحلية في بعض البلدان، فكانت فرصتها في الوصول إلى مصادر خاصة للتمويل بالجملة ضيقة، بينما تكبد كثير من البنوك التي ظلت محتفظة بقدرتها على النفاذ إلى هذه المصادر تكاليف أعلى، وليس في استطاعتها الافتراض إلا بآجال استحقاق قصير جداً. وستواجه عدة بلدان وكذلك بنوكها الرئيسة احتياجات تمويلية كبيرة في عام 2011 نظراً للارتفاع الكبير في نسب الديون المصرفية والسيادية إلى إجمالي الناتج المحلي على مدى السنوات العديدة الماضية. وتعاني النظم المالي من الهشاشة، كما أنها شديدة التعرض لمخاطر تدهور الشعور السائد في السوق جراء الضغوط التمويلية المقترنة بمكامن الخطر المستمرة في القطاع المصرفي. تقدم محدود ويلفت التقرير إلى أن مسار تزايد إجمالي الديون المتراكمة لدى القطاع الخاص في عدد من الأسواق المتقدمة لم يتمكن من الاستمرار إلا بصورة جزئية في معظم الحالات، إن كان قد انعكس من الأساس. ويتوقع انخفاض نسب ديون القطاع الخاص إلى إجمالي الناتج المحلي تدريجياً مع انتعاش النشاط الاقتصادي بمرور الوقت. بيد أنه لا يزال هناك احتمال بأن يواجه الجهاز المصرفي مخاطر بسبب ارتفاع مستويات الديون الحالية وميل خسائر القروض عادة إلى التأخر عن مسيرة التعافي. وبحسب التقرير، فقد عمدت الأجهزة المصرفية في معظم البلدان إلى الحد من مواطن ضعفها عن طريق زيادة نسب طبقة رأس المال الأولى. ومع ذلك، كان الطريق نحو تحسين هيكل التمويل محفوفاً بقدر أكبر من المصاعد. وإضافة إلى ذلك، تواجه بعض الأجهزة المصرفية في منطقة اليورو بصفة خاصة مخاطر تدهور الجودة الائتمانية للديون السيادية التي في حيازتها وحتى البلدان التي تبدو في وضع أفضل من هذين البعدين فلا تزال هي أيضاً معرضة للمخاطر. وفي الولايات المتحدة، لا تزال القروض المتعثرة ذات الصلة بالعقارات التجارية والسكنية مصدراً لمخاطر التطورات السلبية التي تهدد الميزانيات العمومية المصرفية، ولا تزال نسبة الدين الحكومي إلى إجمالي الناتج المحلي مرتفعة. ومن المرجح أن يؤدي استمرار الارتفاع في مستويات دين القطاع الخاص في بعض البلدان إلى إضعاف كل من طلب القطاع الخاص على الائتمان واستعداد البنوك للإقراض، الأمر الذي يؤثر سلباً على التعافي الاقتصادي. ومن الملائم أن تنتهج البلدان سياسات نقدية تيسيرية لأنها تساعد على حفز التعافي، إلا أن انخفاض أسعار الفائدة واستخدام التيسير الكمي يمكن أن يسفرا عن ظهور آثار جانبية سلبية على الاستقرار المالي؛ وذلك لأسباب منها تشجيع الاستثمارات الأكثر خطراً، كذلك يفرض انخفاض أسعار الفائدة تحدياً أمام المستثمرين أصحاب الدخل الثابت مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين التي تعتمد على أصول ذات عائد أكبر لكي تفي بالتزاماتها الثابتة على المدى الطويل. الأسواق الصاعدة ويرى التقرير أن الأساسيات الاقتصادية ازدادت قوة في بعض الأسواق الصاعدة الرئيسة، بينما انخفضت أسعار الفائدة في البلدان المتقدمة، ما أدى إلى ارتداد التدفقات الرأسمالية بعد هبوطها هبوطاً ملموساً بينما الأزمة المالية في أوجها. ويمثل صافي التدفقات الداخلة إلى بلدان الأسواق الصاعدة في الوقت الحاضر حوالي 4% من إجمالي الناتج المحلي الكلي. وعلى سبيل المقارنة، وصلت التدفقات الداخلة قبل وقوع الأزمة إلى أكثر من 6% من إجمالي الناتج المحلي، وصاحب التدفقات الرأسمالية ارتفاع كبير في حصص رأس المال وإصدار السندات، الأمر الذي ربما يكون قد أدى إلى تقليص بعض آثارها على أسعار هذه الأصول. وقد تكون هذه التدفقات الرأسمالية مدفوعة جزئياً بالعوامل الهيكلية التي استندت إليها المؤسسات الاستثمارية في اتخاذ قرارات التحول في توزيع الأصول، والتي أصبحت تنظر الآن إلى أصول الأسواق الصاعدة نظرة أكثر إيجابية. ومع ذلك، تأتي هذه التدفقات أيضاً مدفوعة بأنشطة تجارة المناقلة، حيث يأمل المستثمرون أن يحققوا أرباحاً من خلال فروق أسعار الفائدة والتوقعات السائدة بارتفاع أسعار الصرف، وغالباً ما تقترن هذه التوقعات بالسياسات الرامية إلى الحد من ارتفاع سعر الصرف مؤقتاً، وتشير أسعار الفائدة الآجلة إلى توقعات ارتفاع الفروق الحالية بين أسعار الفائدة الأساسية في البلدان الصاعدة والبلدان المتقدمة، وهو ما سيؤدي إلى زيادة الحافز على ممارسة أنشطة تجارة المناقلة. ويتم هذا الأمر عن التعرض لمخاطر انعكاس مسار التدفقات، وذلك رد فعل على سبيل المثال في مواجهة الارتفاع غير المتوقع لأسعار الفائدة في البلدان المتقدمة، أو تغير آفاق النمو المتوقعة في بلدان الأسواق الصاعدة، أو زيادة العزوف عن المخاطر. وعادة ما تحقق التدفقات الرأسمالية الداخلة منافع للبلدان المتلقية، غير أن استمرارها يمكن أن يفرض ضغوطاً على الطاقة الاستيعابية للنظم المالية المحلية، واتسمت تدفقات التجزئة نحو صناديق الاستثمار المشترك في سندات الديون وأسهم رأس المال بقوتها، لا سيما في حالة صناديق أسهم رأس المال، ومن شأنها أن تؤدي إلى تكوين فقاعات أسعار الأصول في حالة محدودية المعروض من الأصول المحلية. ويخلص التقرير إلى أنه ورغم أن معظم مقاييس تقييم أسهم رأس المال لا تزال ضمن النطاقات التاريخية، إلا أنه يبدو أن هناك بعض “المواضيع الحساسة” الآخذة في الظهور في أسواق الأسهم في شيلي وكولومبيا والمكسيك، وكذلك في منطقة هونج كونج الصينية الإدارية الخاصة والهند وبيرو، وإن كان بدرجة أقل.