الاتحاد

الملحق الثقافي

مناجل وأجران وسلال وخبز وتمور وحبوب تؤكد بداية الممارسات الزراعية منذ الألف الثاني ق·م

الأفلاج كانت أهم ابتكار للحياة الزراعية في الإمارات قديماً

الأفلاج كانت أهم ابتكار للحياة الزراعية في الإمارات قديماً

تبين من الأدلة الأثرية المختلفة أن إنسان الامارات القديم، أخذ يتحكم فى بيئته شيئاً فشيئاً منذ بداية العصر الحجري الحديث ـ حوالي الألف السادس ق·م ـ حيث تمكن من صنع الأصول الحضارية الأولى في كافة مجالاتها المادية والمعنوية· ففي مجال الزراعة استطاع أن يزرع القمح والشعير والذرة كمحاصيل رئيسية، وهو الأمر الذي وفر له طعاماً في ظل اقتصاد زراعي مأمون، نتج عنه زيادة عدد السكان، وإقامة مستوطنات جديدة في ظل الظروف المستقرة لانعكاسات الزراعة·

مما لاشك فيه أن المخلفات النباتية الناتجة عن المحاصيل الزراعية التي قام الإنسان بزراعتها، وعلى وجه الخصوص؛ الحبوب وبعض البقول والخضروات، وما يتصل بها من الصناعات الزراعية، تعتبر من أهم الشواهد والدلائل على قيام الزراعة واستمراريتها· إضافة الى ذلك فإن المخلفات الأخرى مثل المناجل والأجران والأواني الفخارية والسلال وغيرها تعتبر دليلاً على قيام الحياة الإنسانية المستقرة· ولقد عثرت بعثة الآثار العراقية أثناء التنقيب في موقع ''مليحة'' على بقايا من المنتجات الزراعية مثل؛ الخبز والتمور والحبوب· ويرجح أنها تعود بتاريخها إلى الألف الثاني ق·م·
أشجار وسنابل
أيضاً حظيت الأشجار، ولا سيما النخيل، بصورة مبدعة· إذ يمكننا القول إنها كانت بمثابة النواة الأولى في رياض وبساتين الإمارات قديماً· فمن تمرها صنعوا الشراب الحلو، المعروف في الإمارات وعمان باسم ''الدبس''، ومن خوصها صنعوا الخصف الذي يحفظ التمر، واستخدموا نواة النخل علفاً للدواب· وقد عبر أعرابي عماني عن أهمية النخلة بقولة: ''حملها غذاء، وسعفها ضياء، وجذعها بناء، وكربها صلاء، وليفها رشاء، وخوصها وعاء، وقروها إناء''· كما وصف شعراء الخليج أشجاراً مثمرة أخرى من الموز والتين والرمان، التي تميزت بها شبه الجزيرة العمانية، ووصفوا أشجار السدر والنبع والرمث والدوم وغيرها· ولقد وردت في نصوص بلاد الرافدين ـ في الألف الثالث ق·م ـ أوصاف بأسماء مواضعها مثل: ''تمر ماجان''، مما يدل على قيام زراعة هذه الشجرة المباركة·
وتشير القرائن الأثرية والنباتية التي عثر عليها في منطقتي ''هيلي'' و''العين'' إلى نوع من أنواع الممارسات الزراعية، بداية من مرحلة ما قبل التاريخ· فقد عثر العالم الهولندي ''كونستانتين'' على سنبلة كاملة لنبات الذرة المحلية (السرغوم، وهو نبات كالذرة يستخرج من بعض أنواعه عصير سكري)، وبعض بقايا من حبوب الشعير المتحجرة، فضلاً عن نباتات أخرى قام بزراعتها أهالي ''الهيلي'' تقريباً إبان عصر البرونز المبكر (2700 ـ2000 ق·م)· وإذا أردنا التحديد الزمني، يمكننا القول إن هذه البقايا تؤرخ تقريباً إلى سنة (2500 ق·م·)·
وقد عثر الفريق الفرنسي برئاسة ''بوشارلات'' في ''رميلة'' ـ موقع على بعد بضعة كيلو مترات شمال شرق الهيلي ـ على عينات متعددة ذات سمات نباتية، وعلى قطع من الطوب وعددها (15)، احتوت سمات من نبات ''العصفة'' و''البيعقدي'' ـ وهو الجزء الواقع بين عقدتي ساق ـ وبذوراً من الحبوب· ويلاحظ أن هذه السمات النباتية ترجع بتاريخها إلى حوالى (800 ـ 700 ق·م)· أيضاً يلاحظ تشابه هذه السمات الزراعية مع ما عثر عليه ''كونستانتيني'' في الهيلي، ومثل هذا التشابه يدعو إلى فرضية أن موقع ''رميلة'' قد شهد نشوء منظمات زراعية، فى ضوء شكل وترتيب البيوت الزراعية بـ''الهيلي'' وكلاهما يشبه بيوت المجتمعات الزراعية هذه الأيام·
بالإضافة إلى مستوطنتي ''الهيلي'' و''رميلة''، عثر المنقبون الآثاريون فى أحد بيوت المنطقة (إيه) بموقع ''الدور''، على منجل حديدي مسطح ذي حافة مشرشرة حادة، ومن المعروف أن المنجل يستخدم في قطع وقص وحصد الشعير والقمح والحشائش، ومما لا شك فيه أن وجود هذا المنجل في موقع الدور يمكن أن يكون دليلاً ـ يضاف لما سبق ـ على وجود نوع من النشاطات الزراعية التي شهدتها المنطقة قديماً· أيضاً عثر على منجل آخر في موقع ''مليحة'' يعرض حالياً بمتحف ''العين''، شبيه بنظيره الذي عثر عليه في ''الدور'' وكلاهما يؤرخ الى منتصف الألف الثالث ق·م·
نظام الري
ولعل من أبرز الظواهر التي يمكن رصدها بصدد الحديث عن الممارسات الزراعية، استغلال سكان الإمارات في عصورها القديمة، للمياه المتوفرة كنتيجة لتساقط بعض الأمطار، إلى جانب استغلال مياه الأودية والمياه الجوفية في أعمال الزراعة· وتجدر الإشارة إلى أن الزراعة في المناطق السهلية والمناطق الداخلية للإمارات قد مارسها أهالي البلاد، معتمدين في ذلك على نظام شق القنوات تحت الارض ''الأفلاج''· ومن الملاحظ أن نظام قنوات المياه قد عرف خلال العصر الحديدي (1300ـ 300 ق·م·)، وخير مثال على ذلك اكتشاف بوابة للتحكم بتدفق المياه في موقع ''الهيلي'' حوالي عام (700 ق·م·)·
والمبدأ العام لعمل هذا النظام الإروائي، يعتمد على تسريب المياه الجوفية بعد تعيين مسارها في جوف الأرض، من مسارها الطبيعى صوب قنوات تشيد خصيصاً لهذا الغرض في باطن الأرض، تسير فيها المياه مسافة إلى حين بلوغها المناطق المستفيدة، فتظهر على السطح موصلة مع مياهها أسباب الازدهار والتطور· ومن الجدير بالملاحظة أن مثل هذا النظام كان مقتصراً فى تطبيقه على الأراضي المنحدرة دون غيرها، لذلك شهدت مناطق واسعة من حضارة الإمارات تطبيقاً له· ونذكر على سبيل المثال لا الحصر، مناطق ''البريمي'' و''مليحة'' وغيرها من أراضي الإمارات العربية المتحدة·
ومجمل القول، اعتمدت اقتصاديات المستوطنات الداخلية بدولة الإمارات العربية المتحدة في حياة سكانها المعيشية إبان الألف الثالث ق· م· وما تلاه من عصور زمنية على صيد الحيوانات البرية، والثروة النباتية، وزراعة الواحات، وتربية الماشية، هذا فضلاً عن المصادر المعدنية الطبيعية·

ü باحث في تاريخ وحضارة الجزيرة العربية

اقرأ أيضا